خطبة عن (ذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ)
ديسمبر 31, 2025الخُطْبَةُ الأُولَى (كَيْفَ أَنْتُمْ؟)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
روى الإمام أحمد في مسنده: (عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا مَرِجَ الدِّينُ وَظَهَرَتْ إِمَارَةُ الرَّغْبَةِ وَاخْتَلَفَتِ الإِخْوَانُ وَحُرِّقَ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ»
وروى البخاري في صحيحه: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – قَالَ كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا فَقِيلَ لَهُ وَكَيْفَ تَرَى ذَلِكَ كَائِنًا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ إِيْ وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ عَنْ قَوْلِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ. قَالُوا عَمَّ ذَاكَ قَالَ تُنْتَهَكُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ – صلى الله عليه وسلم -، فَيَشُدُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قُلُوبَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَيَمْنَعُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ).
وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاَةَ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلاَةَ عَنْ وَقْتِهَا». قَالَ قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي قَالَ «صَلِّ الصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ».
ورُوي في الصحيحين: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ»،
إخوة الإسلام
لقاؤنا الْيَوْمَ- إن شاء الله تعالى- مع سُؤَالٍ نَبَوِيٍّ عَظِيمٍ، كَرَّرَهُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ فِي مَوَاطِنَ عَدِيدَةٍ، لِيَهُزَّ بِهِ الْقُلُوبَ، وَيُوقِظَ بِهِ الْعُقُولَ، وَيَسْتَحِثَّ بِهِ الْهِمَمَ، لِمُوَاجَهَةِ عَوَاصِفِ الزَّمَانِ، وَتَقَلُّبَاتِ الْأَحْوَالِ،
والسؤال المكرر هو: «كَيْفَ أَنْتُمْ؟»؛ فمن الملاحظ أنه لَيْسَ سُؤَالاً عَنِ الْحَالِ الْعَابِرِ، بَلْ هُوَ سُؤَالٌ عَنِ “الثَّبَاتِ” حِينَ تَتَغَيَّرُ الدُّنْيَا، وَعَنِ “الْإِيمَانِ” حِينَ تَعْصِفُ الْفِتَنُ، فالنَّبِيَّ ﷺ رَسَمَ لَنَا مَعَالِمَ لِحَالَاتٍ سَتَمُرُّ بِهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ، وَبَدَأَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِهَذَا التَّسَاؤُلِ الِاسْتِنْكَارِيِّ وَالتَّرْبَوِيِّ، «كَيْفَ أَنْتُمْ؟»، لِيَخْتَبِرَ جَاهِزِيَّتَنَا، وَصِدْقَ انْتِمَائِنَا لِهَذَا الدِّينِ.
«كَيْفَ أَنْتُمْ؟»: إنه سُؤَال تَعْجِزُ عَنْ إِجَابَتِهِ الأَلْسِنَةُ، إِذَا لَمْ تَنْطِقْ بِهِ القُلُوبُ المَوْصُولَةُ بِاللهِ، «كَيْفَ أَنْتُمْ؟»؛ لَيْسَ اِسْتِفْهَاماً عَنْ حَالِ الصِّحَّةِ، أَوْ وَفْرَةِ المَالِ، بَلْ هُوَ سُؤَالٌ عَنِ “الهُوِيَّةِ” وَ “الثَّبَاتِ” وَ “المَوْقِفِ”، فلَقَدْ كَانَ نَبِيُّكُمْ ﷺ يُكَرِّرُ هَذِهِ الكَلِمَةَ لِيُجْرِيَ لَنَا “اِخْتِبَاراً اِفْتِرَاضِيّاً” لِمَوَاقِفِ الصِّدْقِ عِنْدَ اِشْتِدَادِ الخُطُوبِ، وإِنَّهُ سُؤَالٌ يَسْتَحِثُّ فِي المَرْءِ مَعْنَى المَسْؤُولِيَّةِ الفَرْدِيَّةِ: مَنْ سَتَكُونُ حِينَ يَضِلُّ النَّاسُ؟، وَكَيْفَ سَتَصْمُدُ حِينَ تَنْهَارُ القِيَمُ؟
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: فتَأَمَّلُوا فِي هَذَا الْقَلَقِ النَّبَوِيِّ الشَّفِيقِ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا مَرِجَ الدِّينُ»؛ أَيِ اضْطَرَبَ، وَتَدَاخَلَ فِيهِ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، وَصَارَ النَّاسُ لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ؛ فحِينَ يُصْبِحُ الحَقُّ بَاطِلاً، وَالبَاطِلُ حَقّاً، وَتُبَثُّ الشُّبُهَاتُ، عَبْرَ كُلِّ مَنْبَرٍ، وَشَاشَةٍ، حَتَّى يَحْتَارَ العَامِّيُّ فِي دِينِهِ. «وَظَهَرَتْ إِمَارَةُ الرَّغْبَةِ»؛ أي حِينَمَا تَكُونُ الْقِيَادَةُ لِأَجْلِ الدُّنْيَا وَالْمَصَالِحِ، لَا لِأَجْلِ الدِّينِ، وصَارَ طَلَبُ الرِّيَاسَةِ وَالجَاهِ لِأَجْلِ المَنَافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ المَحْضَةِ، لَا لِإِقَامَةِ عَدْلٍ وَلَا لِنُصْرَةِ حَقٍّ. «وَاخْتَلَفَتِ الإِخْوَانُ»؛ وهُنَا مَكْمَنُ الدَّاءِ، فحِينَ تَتَقَطَّعُ حِبَالُ الأُخُوَّةِ الإِيمَانِيَّةِ لِأَسْبَابٍ تَافِهَةٍ، فَيُهْجَرُ الأَخُ أَخَاهُ، لِأَجْلِ خِلَافٍ فِي رَأْيٍ أَوْ حُطَامٍ مِنْ دُنْيَا،
فكَيْفَ أَنْتُمْ فِي هَذَا المَشْهَدِ؟، هَلْ سَتَكُونُونَ جُزْءاً مِنَ الفَوْضَى؟، أَمْ مَنَارَاتٍ لِلْهُدَى وَالثَّبَاتِ؟، فإِنَّ هَذَا التَّشْخِيصَ الدَّقِيقَ يَجْعَلُنَا نَسْأَلُ أَنْفُسَنَا: كَيْفَ نَحْنُ الْيَوْمَ؟، هَلْ ذَابَتْ هُوِيَّتُنَا فِي مَرَجِ الدِّينِ؟، وَهَلْ شُدْنَا جُسُوراً مِنَ الْخِلَافِ، بَدَلَ جُسُورِ الْإِخَاءِ؟، إِنَّ السُّؤَالَ يَسْتَوْجِبُ مِنَّا الْعَوْدَةَ إِلَى الْأَصْلِ الْأَصِيلِ، وَالِاعْتِصَامَ بِحَبْلِ اللهِ الْمَتِينِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ثُمَّ نَنْتَقِلُ إِلَى هَمٍّ آخَرَ، يَمَسُّ حَيَاةَ النَّاسِ فِي مَعَاشِهِمْ، فيَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ): «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا»، أي حِينَمَا تَضِيقُ الْأَرْزَاقُ، إِنَّهُ الحِصَارُ المَالِيُّ، وَتَجْفِيفُ المَنَابِعِ، وَضِيقُ الرِّزْقِ، وَتُحَاصَرُ الْأُمَّةُ فِي مَالِهَا، وَيَكْشِفُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ سَبَبٍ مَخُوفٍ: «تُنْتَهَكُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ»: فإِنَّ انْتِهَاكَ الْعُهُودِ مَعَ اللهِ، وَتَرْكَ نُصْرَةِ الْمَظْلُومِينَ، وَالتَّهَاوُنَ بِحُقُوقِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، كُلُّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى انْقِبَاضِ الْخَيْرِ وَتَسَلُّطِ الضَّيْقِ، فسُؤَالُ «كَيْفَ أَنْتُمْ؟» هُنَا هو اخْتِبَارٌ لِلْيَقِينِ؛ هَلْ سَنَظَلُّ مَعَ اللهِ حِينَ تَقِلُّ الدَّرَاهِمُ؟، أَمْ أَنَّ إِيمَانَنَا مَرْهُونٌ بِوَفْرَةِ الدَّنَانِيرِ؟، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَتَغَيَّرُ مَعَ تَقَلُّبِ الِاقْتِصَادِ، لِأَنَّ رِزْقَهُ بِيَدِ الرَّزَّاقِ ذِي الْقُوَّةِ الْمَتِينِ. ونلاحظ أنه لَمَّا سُئِلَ عَنْ سَبَبِ الحِصَار المَالِيُّ، وَتَجْفِيف المَنَابِعِ، وَضِيق الرِّزْقِ، وَمُحَاصَر الْأُمَّةُ فِي مَالِهَا، قَالَ: «تُنْتَهكُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ»، فالِاسْتِهَانَةَ بِالعُهُودِ مَعَ اللهِ، وَتَرْكَ الرِّبَاطِ القَلْبِيِّ بِالدِّينِ، يُؤَدِّي إِلَى انْزِواءِ البَرَكَةِ ورفعها، فكَيْفَ أَنْتُمْ حِينَ تَمْتَحِنُكُمُ الدُّنْيَا فِي لُقْمَةِ العَيْشِ؟، وهَلْ تَبِيعُونَ المَبَادِئَ لِتَمْلَأُوا البُطُونَ؟، أَمْ تَقُولُونَ كَمَا قَالَ الصَّحَابَةُ فِي الشِّعْبِ: (نَجُوعُ وَلَا نَضِيعُ دِينَنَا؟)، (كَيْفَ أَنْتُمْ؟) فإِنَّ السُّؤَالَ اِخْتِبَارٌ لِليَقِينِ، بِأَنَّ الرَّزَّاقَ هُوَ اللهُ، وَأَنَّ الحَرَامَ مَحْقٌ وَإِنْ كَثُرَ، وَالحَلَالَ بَرَكَةٌ وَإِنْ قَلَّ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وانْتَبِهُوا إِلَى مَقَامِ الْعِبَادَةِ فِي أَحْلَكِ الظُّرُوفِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاَةَ عَنْ وَقْتِهَا؟»، فهَذَا السُّؤَالُ يَمَسُّ عَمُودَ الدِّينِ (الصلاة)، وَالْجَوَابُ النَّبَوِيُّ كَانَ بَلْسَماً: «صَلِّ الصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا»، إِنَّهُ تَوْجِيهٌ لِلثَّبَاتِ عَلَى الْمَبْدَأِ، وَإِنْ قَصَّرَ الْآخَرُونَ، فكَيْفَ أَنْتَ؟، هَلْ سَتَنْجَرِفُ مَعَ مَوْجَةِ التَّقْصِيرِ؟، أَمْ سَتَكُونُ نَمُوذَجاً لِلِاحْتِفَاظِ بِقُدْسِيَّةِ الصَّلَاةِ؟، فإِنَّ الثَّبَاتَ فِي زَمَنِ التَّهَاوُنِ هُوَ عَيْنُ الرُّجُولَةِ الْإِيمَانِيَّةِ، فلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ هَلَكَ كَيْفَ هَلَكَ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى مَنْ نَجَا كَيْفَ نَجَا.
ففي الحديث بيان لمَقَامِ الصَّلَاةِ، فَهِيَ عِمَادُ الدِّينِ، وانظروا كَيْفَ طَرَحَ النَّبِيُّ ﷺ السُّؤَالَ فِيهَا لِأَبِي ذَرٍّ: «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاَةَ عَنْ وَقْتِهَا؟». فهَذَا سُؤَالٌ يَمَسُّ الِانْضِبَاطَ التَّعَبُّدِيَّ، وَكَانَ الجَوَابُ النَّبَوِيُّ قَاعِدَةً لِلثَّبَاتِ: «صَلِّ الصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا»، إِنَّهُ يَقُولُ لَكَ: لَا تَكُنْ إِمَّعَةً، إِنْ أَسَاءَ كِبَارُ القَوْمِ أَوْ قَصَّرُوا، فَأَنْتَ مَسْؤُولٌ عَنْ صَلَاتِكَ فِي مِحْرَابِكَ، فكَيْفَ أَنْتَ؟، هَلْ سَتَتَّخِذُ تَقْصِيرَ الآخَرِينَ مَبْرِراً لِتَفْرِيطِكَ؟، أَمْ سَتَكُونُ حَارِساً لِلْوَقْتِ وَلِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ رَبِّكَ؟، إِنَّ الفَشَلَ فِي اِحْتِرَامِ وَقْتِ الصَّلَاةِ هُوَ بِدَايَةُ الانْهِيَارِ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ خِتَامَ هَذِهِ التَّسَاؤُلَاتِ هِيَ الْبُشْرَى الْعُظْمَى: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ»: فهَذَا هُوَ سُؤَالُ “الْفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ”، فبَعْدَ الْمَرَجِ، وَبَعْدَ الضِّيقِ، وَبَعْدَ الِاخْتِلَافِ، سَيَأْتِي يَوْمٌ يَنْزِلُ فِيهِ الْحَقُّ، لِيُزْهِقَ الْبَاطِلَ، وَلَكِنَّ السُّؤَالَ: كَيْفَ سَيَكُونُ حَالُنَا حِينَئِذٍ؟، هَلْ سَنَكُونُ مِمَّنْ يَنْصُرُ عِيسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وَإمام المسلمين؟، أَمْ سَتَكُونُ قُلُوبُنَا قَدْ أُشْرِبَتِ الْفِتَنَ، فَلَا تَعْرِفُ مَعْرُوفاً، وَلَا تُنْكِرُ مُنْكَراً؟، إِنَّ الْإِعْدَادَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ يَبْدَأُ مِنْ “الْآنَ”؛ بِتَرْبِيَةِ النَّفْسِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَتَطْهِيرِ الْقَلْبِ مِنَ الشَّحْنَاءِ، وَلُزُومِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
فقوله صلى الله عليه وسلم: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ»: فهَذَا السُّؤَالُ يَفْتَحُ بَابَ الأَمَلِ بِالفَرَجِ العَظِيمِ، وَلَكِنَّهُ اِخْتِبَارٌ لِأَهْلِيَّةِ النُّصْرَةِ، (كَيْفَ أَنْتُمْ؟)،
فهَلْ نَحْنُ اليَوْمَ نُعِدُّ أَنْفُسَنَا لِنَكُونَ مَعَ مَوْكِبِ الحَقِّ؟، أَمْ أَنَّ رُوحَ الِانْهِزَامِيَّةِ وَالرُّكُونَ إِلَى الدُّنْيَا قَدْ أَقْعَدَتْنَا؟، إِنَّ عِيسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) سَيَنْزِلُ لِيَقْتُلَ الدَّجَّالَ، وَلَكِنَّ الدَّجَّالَ لَهُ “دَجَاجِلَةٌ” صِغَارٌ فِي كُلِّ عَصْرٍ؛ مِنْ كَذِبٍ، وَتَزْوِيرٍ، وَنِفَاقٍ، فَمَنْ نَجَحَ فِي مُقَاوَمَةِ دَجَلِ نَفْسِهِ وَهَوَاهُ، سَيَكُونُ جَاهِزاً لِيَوْمِ الفَصْلِ الأَكْبَرِ.
إِنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «كَيْفَ أَنْتُمْ؟» هُوَ سُؤَالٌ لِلتَّفَكُّرِ وَالاسْتِعْدَادِ، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ إِخْبَارٍ عَنْ غَيْبٍ آتٍ، وهُوَ سُؤَالٌ عَنِ الثَّبَاتِ عِنْدَ المُتَغَيِّرَاتِ، وَعَنِ التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ عِنْدَ ظُهُورِ الآيَاتِ، فَإِذَا نَزَلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَإِنَّمَا يَنْزِلُ حَكَماً مُقْسِطاً، يَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وَيَكُونُ إِمَامُ المُسْلِمِينَ مِنْهُمْ، وَهَذَا مِنْ تَعْظِيمِ اللهِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، فَهَلْ نَحْنُ اليَوْمَ نُعَظِّمُ شَرِيعَةَ اللهِ، كَمَا سَيُعَظِّمُهَا عِيسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عِنْدَ نُزُولِهِ؟، إِنَّ التَّهْيِئَةَ لِذَلِكَ اليَوْمِ تَكُونُ بِإِصْلَاحِ العَقِيدَةِ ، وَتَحْقِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِلْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وقَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «كَيْفَ أَنْتُمْ؟»، في هذه المرة يحمل البشارة للأمة، ففي مسند أحمد: (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «كَيْفَ أَنْتُمْ وَرُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَكُمْ رُبُعُهَا وَلِسَائِرِ النَّاسِ ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِهَا». قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ «فَكَيْفَ أَنْتُمْ وَثُلُثَهَا». قَالُوا فَذَاكَ أَكْثَرُ. قَالَ « فَكَيْفَ أَنْتُمْ وَالشَّطْرَ». قَالُوا فَذَلِكَ أَكْثَرُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «أَهْلُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ أَنْتُمْ مِنْهَا ثَمَانُونَ صَفًّا».
والنَّبِيُّ ﷺ حِينَ يسأَل: «كَيْفَ أَنْتُمْ؟»: فهو يُرِيدُ أَنْ يَغْرِسَ فِينَا “المَنَاعَةَ الإِيمَانِيَّةَ”، فلَا نُفَاجَأَ بِتَقَلُّبَاتِ الزَّمَانِ، فَالزَّمَانُ لَنْ يَظَلَّ رَخَاءً دَائِماً، وَالدِّينُ لَنْ يَظَلَّ بَعِيداً عَنِ الِاخْتِبَارِ، فكَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا ظَهَرَتِ الفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ؟، هَلْ سَتَكُونُونَ مِمَّنْ يُصْبِحُ مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً؟، أَمْ مِمَّنْ يَعَضُّ عَلَى دِينِهِ بِالنَّواجِذِ؟،
إِنَّ الإِجَابَةَ العَمَلِيَّةَ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ تَبْدَأُ مِنْ مَسَاجِدِنَا، مِنْ مَنَازِلِنَا، مِنْ صِدْقِنَا فِي تَعَامُلَاتِنَا، فلَا تَنْتَظِرُوا وُقُوعَ الفِتْنَةِ لِتَبْحَثُوا عَنْ سُبُلِ الثَّبَاتِ، بَلْ اِبْنُوا مَعَاقِلَ الإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ الآنَ.
وإِنَّ خُلَاصَةَ سُؤَالِ «كَيْفَ أَنْتُمْ؟»: هِيَ تَنْبِيهُنَا إِلَى مَسْؤُولِيَّتِنَا الْفَرْدِيَّةِ، فلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ “إِمَّعَةً” يَقُولُ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنْتُ، وَإِنْ أَسَاءُوا أَسَأْتُ، بَلْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الثَّبَاتِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ الحق، فإِذَا مَرِجَ الدِّينُ، كُنْ أَنْتَ مَنَارَةَ الْوُضُوحِ، وَإِذَا ضَاقَ الْمَالُ، فكُنْ أَنْتَ رَمْزَ الْقَنَاعَةِ وَالْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ، وَإِذَا أُمِيتَتِ الصَّلَاةُ، فكُنْ أَنْتَ مَنْ يُحْيِيهَا فِي وَقْتِهَا وَبِخُشُوعِهَا.
وانْتَبِهُوا إخوتي في الاسلام: فَالشَّيْطَانُ يُرِيدُ مِنَّا أَنْ نَنْشَغِلَ بِتَفَاصِيلِ الْفِتَنِ، وَنَنْسَى “كَيْفَ نَحْنُ” فِيهَا، فانْشَغِلْ بِإِصْلَاحِ نَفْسِكَ وَمَنْ تَعُولُ، فإِنَّ الْعَالَمَ لَا يَتَغَيَّرُ بِاللَّعْنِ وَالْعَوِيلِ، بَلْ يَتَغَيَّرُ بِقُلُوبٍ مُؤْمِنَةٍ صَامِدَةٍ، تَعْرِفُ مَقَامَهَا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ، فكُنْ أَنْتَ الْجَوَابَ الصَّحِيحَ عَلَى سُؤَالِ النَّبِيِّ ﷺ، ولِيَرَكَ اللهُ حَيْثُ أَمَرَكَ، وَيَفْقِدَكَ حَيْثُ نَهَاكَ، وَلَا يَضُرُّكَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ، مَا دُمْتَ مُسْتَمْسِكاً بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى.
وانْتَبِهُوا إخوتي في الاسلام: فَالشَّيْطَانُ يُرِيدُ أَنْ يَقْلِبَ السُّؤَالَ إِلَى: “كَيْفَ هُمْ؟”، لِنَنْشَغِلَ بِعُيُوبِ الحُكَّامِ، وَتَقْصِيرِ الجِيرَانِ، وَخِيَانَةِ الغُرَبَاءِ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كَيْفَ أَنْتُمْ؟». فالرِّهَانُ عَلَيْكَ أَنْتَ، فاِحْمِ ثَغْرَكَ، وطَهِّرْ بَيْتَكَ، واِلْزَمْ صَلَاتَكَ، وَصِلْ رَحِمَكَ وَإِنْ قَطَعُوكَ، فإِنَّ الأُمَّةَ لَا تَسْتَقِيمُ بِاللَّعْنِ وَالضَّجِيجِ، بَلْ بِكُلِّ جُزْءٍ فِيهَا يُحَاوِلُ أَنْ يَكُونَ جَوَاباً مُشَرِّفاً لِنَبِيِّهِ ﷺ، فهَذِهِ دَّعْوَةُ لِتَحْمِيلِ كُلِّ فَرْدٍ مَسْؤُولِيَّتَهُ تِجَاهَ دِينِهِ وَأُمَّتِهِ.
ولِنَجْعَلْ مِنْ كَلِمَةِ «كَيْفَ أَنْتُمْ؟» شِعَاراً لَنَا فِي كُلِّ صَبَاحٍ، اِسْأَلْ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ لِعَمَلِكَ: كَيْفَ أَنَا مَعَ الأَمَانَةِ؟، وَكَيْفَ أَنَا مَعَ غَضِّ البَصَرِ؟، وَكَيْفَ أَنَا مَعَ كَلِمَةِ الحَقِّ؟، فإِنَّ الاِسْتِعْدَادَ لِلْفِتَنِ العَظِيمَةِ يَبْدَأُ مِنَ الثَّبَاتِ فِي المَوَاقِفِ الصَّغِيرَةِ، فَإِذَا نَجَحْتَ فِي اِخْتِبَارِ الصِّدْقِ مَعَ اللهِ فِي يَوْمِكَ البَسِيطِ، كُنْتَ بِإِذْنِ اللهِ مِنَ الثَّابِتِينَ يَوْمَ تَمُورُ الأَرْضُ مَوْراً. ولِنَجْعَلْ مِنْ هَذِهِ الْلحظة نُقْطَةَ انْطِلَاقٍ لِمُرَاجَعَةِ حِسَابَاتِنَا: كَيْفَ أَنْتُمْ مَعَ الْقُرْآنِ؟، كَيْفَ أَنْتُمْ مَعَ صِلَةِ الرَّحِمِ؟، كَيْفَ أَنْتُمْ مَعَ أَمَانَاتِكُمْ؟، إِنَّ كُلَّ لَحْظَةٍ نَعِيشُهَا هِيَ جُزْءٌ مِنَ الِاخْتِبَارِ الْكَبِيرِ، فَالزَّمَانُ يَمْضِي سَرِيعاً، وَالْمَوْعِدُ حَقٌّ، وَالْحِسَابُ دَقِيقٌ، فَاسْتَعِدُّوا لِلِقَاءِ رَبِّكُمْ بِقُلُوبٍ سَلِيمَةٍ، وَأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ، وَثَبَاتٍ لَا يَنْحَنِي أَمَامَ عَوَاصِفِ الدُّنْيَا، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَكُونُوا مِمَّنْ سَمِعَ فَوَعَى، وَمِمَّنْ سُئِلَ فَأَحْسَنَ الْجَوَابَ بِعَمَلِهِ قَبْلَ لِسَانِهِ،
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (كَيْفَ أَنْتُمْ؟)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
إِنَّ انْتِهَاكَ الذِّمَمِ، وَالتَّهَاوُنَ بِعُهُودِ اللهِ وَرَسُولِهِ، يُؤَدِّي إِلَى زَوَالِ النِّعَمِ، وَتَسَلُّطِ الخَلْقِ، فَكَيْفَ بِكُمْ إِذَا فَقَدْتُمُ المَالَ وَالرَّخَاءَ؟، هَلْ سَتَبْقَى عِبَادَتُكُمْ لِلَّهِ خَالِصَةً، أَمْ أَنَّ الإِيمَانَ كَانَ مَرْهُوناً بِالدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ؟، قَالَ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ} [الحج:11].
وَمِنْ أَشَدِّ مَا يُبْتَلَى بِهِ المَرْءُ فِي دِينِهِ: التَّهَاوُنُ بِأَعْظَمِ أَرْكَانِ الإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَهِيَ الصَّلَاةُ، و “إِمَاتَة الصَّلَاةِ”: إِخْرَاجُهَا عَنْ وَقْتِهَا الَّذِي حَدَّدَهُ اللهُ، وَهَذَا مِنَ الفِتَنِ الَّتِي تَخْتَبِرُ صِدْقَ العَبْدِ، هَلْ يُدَاهِنُ الخَلْقَ عَلَى حِسَابِ حَقِّ الخَالِقِ؟، أَمْ يَمْتَثِلُ أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُصَلِّي فِي الوَقْتِ، ثُمَّ يُشَارِكُ الجَمَاعَةَ، تَأْلِيفاً لِلْقُلُوبِ، وَحِفْظاً لِلصَّفِّ؟، فإِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا، فَكَيْفَ أَنْتُمْ مَعَ ميقات الصلاة؟، وَكَيْفَ أَنْتُمْ مَعَ الصَّلَاةِ فِي بُيُوتِ اللهِ؟.
وَيَبْلُغُ التَّحْذِيرُ نَهَايَتَهُ حِينَ يَمْرَجُ الدِّينُ، وَتَخْتَلِطُ الأُمُورُ، فَلَا يُعْرَفُ المَعْرُوفُ، وَلَا يُنْكَرُ المُنْكَرُ، حين تُطلب الدُّنْيَا، وَتَقْدمُ الشَّهَوَاتِ عَلَى المَبَادِئِ، وتَقَطُّعُ أَوَاصِرِ المَحَبَّةِ الإِيمَانِيَّةِ، لِأَجْلِ أَعْرَاضٍ زَائِلَةٍ، فهَذِهِ الحَالُ تَسْتَوْجِبُ مِنَ المُسْلِمِ الحَذَرَ الشَّدِيدَ، وَالعَضَّ عَلَى السُّنَّةِ بِالنَّواجِذِ، فالنَّجَاة فِي لُزُومِ التَّقْوَى وَالثَّبَاتِ عَلَى الحَقِّ المُنَزَّلِ. واعلموا أن الإِجَابَةَ عَلَى سُؤَالِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «كَيْفَ أَنْتُمْ؟» لَا تَكُونُ بِالكَلامِ، بَلْ بِالاعْتِصَامِ: بالاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي زَمَنِ الشُّبُهَاتِ، وَالاعْتِصَامِ بِالعِبَادَةِ فِي زَمَنِ الفِتَنِ؛ فَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «العِبَادَةُ فِي الهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ» رواه مسلم.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذِهِ الأَحَادِيثَ الَّتِي سَمِعْتُمْ، هِيَ صَيَحَاتُ نَذِيرٍ، لتستيقظ القُلُوب مِنْ رَقْدَتِهَا، فَإِذَا كَانَتْ إِمَارَةُ الرَّغْبَةِ قَدْ ظَهَرَتْ، وَإِذَا كَانَ الدِّرْهَمُ قَدْ أَصْبَحَ مِعْيَاراً لِلْوَلَاءِ وَالبَرَاءِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الخَلْقِ، فَإِنَّ المَوْعِدَ هُوَ لِقَاءُ اللهِ، قَالَ تَعَالَى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110]. فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَأَعِدُّوا لِتِلْكَ الأَحْوَالِ إِيمَاناً رَاسِخاً ،وَعَمَلاً صَالِحاً، وَثَبَاتاً يَقِيكُمْ مَزَالِقَ الفِتَنِ.
الدعاء
