خطبة عن (سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ)
يناير 4, 2026خطبة عن (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ)
يناير 6, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (عُلُوِّ الهِمَّةِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران:133]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد:21]. (وَعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ وَأَشْرَافَهَا، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا» [رواه الطبراني في الكبير، وصححه الألباني في صحيح الجامع].
إخوة الإسلام
كثير من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ترغبنا في (عُلُوِّ الهِمَّةِ)، وعُلُوّ الهِمَّةِ: هُوَ اسْتِصْغَارُ مَا دُونَ النِّهَايَةِ مِنَ المَعَالِي، وَهُوَ تِلْكَ القُوَّةُ الكَامِنَةُ الَّتِي تَدْفَعُ المَرْءَ لِيَكُونَ فِي الطَّلِيعَةِ دَائِماً، فلَا يَرْضَى بِالدُّونِ، وَلَا يَقْنَعُ بِالقَلِيلِ مِنَ الفَضَائِلِ، فَالنَّاسُ فِي هِمَمِهِمْ مَعَادِنُ؛ فمِنْهُمْ مَنْ تَعَلَّقَتْ هِمَّتُهُ بِالتُّرَابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَمَتْ هِمَّتُهُ حَتَّى نَاطَحَتِ السَّحَابَ، وَلَقَدْ أَدَّبَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْأَلَ اللهَ أَعْلَى المَرَاتِبِ، فَقَالَ: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ» [رواه البخاري]. وَمَنْ عَلَتْ هِمَّتُهُ فِي السُّؤَالِ، جَدَّتْ خُطَاهُ فِي الفِعَالِ.
وعُلُوّ الهِمَّةِ يَتَجَلَّى فِي مَيَادِينَ شَتَّى، فَأَعْلَاهَا: الهِمَّةُ فِي طَلَبِ مَرْضَاةِ اللهِ، وَالعِلْمِ وَالعَمَلِ، وتَأَمَّلُوا فِي حَالِ الصحابي الجليل (رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) فحِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَلْ»، فَلَمْ يَسْأَلْ مَالاً، وَلَا جَاهاً، وَلَا قَصْراً، بَلْ قَالَ بِهِمَّةٍ تُقَدُّ مِنَ الصَّخْرِ: «أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ». فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟» قَالَ: «هُوَ ذَاكَ». قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» [رواه مسلم]. فلَمْ تَقْنَعْ نَفْسُهُ بِمُجَرَّدِ دُخُولِ الجَنَّةِ، بَلْ طَمَحَتْ إِلَى أَعْلَى مَنَازِلِهَا، وَهَذَا هُوَ شَأْنُ عَالِي الهِمَّةِ؛ لَا يَرَى لِنَفْسِهِ مَقَاماً إِلَّا فِي القِمَّةِ.
وعُلُوّ الْهِمَّةِ يَكُونُ فِي الْعِبَادَةِ: فلَا تَكُنْ هِمَّتُكَ مُجَرَّدَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، بَلْ كُنْ سَبَّاقاً لِلنَّوَافِلِ، حَرِيصاً عَلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ، مُكْثِراً مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَفِي الْعِلْمِ: لَا تَقْنَعْ بِمَا عَرَفْتَ، بَلْ كُنْ طَالِبَ عِلْمٍ نَهِمًا، تَقْرَأُ وَتَتَعَلَّمُ، لِتَنْفَعَ نَفْسَكَ وَأُمَّتَكَ، وَفِي الْعَمَلِ وَالْوَظِيفَةِ: كُنْ مِثَالاً لِلْإِتْقَانِ وَالْإِخْلَاصِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ، فالْأُمَّة الْيَوْمَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى نِيَامٍ، بَلْ تَحْتَاجُ إِلَى هِمَمٍ تَنَطَحُ السَّحَابَ، وَإِلَى عُقُولٍ تُفَكِّرُ لِلْمُسْتَقْبَلِ بِيَقِينِ الصَّادِقِينَ.
وعُلُوّ الهِمَّةِ لَا يَعْرِفُ اليَأْسَ، وَلَا يَعْتَرِفُ بِالعَقَبَاتِ، فانْظُرُوا إِلَى نَبِيِّ اللهِ مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ ) حِينَ قَالَ: {لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} [الكهف:60]. فقوله: (لَا أَبْرَحُ): أَيْ لَنْ أَتَوَقَّفَ، حَتَّى أَبْلُغَ هَدَفِي وَمُبْتَغَايَ فِي طَلَبِ العِلْمِ، وَلَوْ سِرْتُ أَزْمَانًا طَوِيلَةً، وهَكَذَا هِيَ نُفُوسُ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ؛ فهِمَمٌ تَتَوَقَّدُ، وَعَزَائِمُ لَا تَبْرُدُ،
فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ تَقَاعَسُوا عَنْ طَلَبِ الرِّزْقِ، أَوْ فَتَرُوا عَنْ تَرْبِيَةِ الأَبْنَاءِ، أَوْ تَهَاوَنُوا فِي جَمْعِ القُرْآنِ، بِحُجَّةِ الصُّعُوبَةِ أَوْ كِبَرِ السِّنِّ؟، فإِنَّ الهِمَّةَ لَا عُمْرَ لَهَا، وَالصِّدْقَ مَعَ اللهِ يَفْلِقُ الحَجَرَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَمِنْ نَوَاقِضِ عُلُوِّ الهِمَّةِ: الرُّكُونُ إِلَى الدَّعَةِ وَالعَجْزِ، وَقَدْ كَانَ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مِنْ قَوَاطِعِ الهِمَمِ، فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالجُبْنِ وَالبُخْلِ وَالهَرَمِ» [رواه البخاري ومسلم]. فَالكَسَلُ مَقْبَرَةُ الطُّمُوحِ، وَالعَجْزُ قَيْدٌ يَمْنَعُ الرُّوحَ مِنْ التَّحْلِيقِ فِي فَضَاءاتِ المَجْدِ.
وَقَدْ ذَمَّ اللهُ الَّذِينَ تَثَاقَلُوا عَنِ المَعَالِي، فَقَالَ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة:38]. فَمَنْ رَضِيَ بِالأَرْضِ مَسْكَناً، حُرِمَ مِنَ السَّمَاءِ مَكَاةً.
ومن عَوَائِق عُلُوِّ الْهِمَّةِ: “التَّسْوِيفُ”؛ فذَلِكَ الدَّاءُ هو الَّذِي يَقْتُلُ الطُّمُوحَ، “سَأَفْعَلُ.. سَأَبْدَأُ.. سَأَتُوبُ..” فهَذِهِ كَلِمَاتُ الْقَاعِدِينَ، أَمَّا عَالِي الْهِمَّةِ فَقَانُونُهُ: «الْآنَ وَلَا غَدًا».
وَمِنَ الْعَوَائِقِ أَيْضاً “مُصَاحَبَةُ الْبَطَّالِينَ” الَّذِينَ يُثَبِّطُونَ الْعَزَائِمَ، وَيَسْخَرُونَ مِنَ الطَّامِحِينَ. فَكُنْ مَعَ السَّابِقِينَ، وَصَاحِبْ مَنْ إِذَا رَأَيْتَهُ ذَكَّرَكَ بِاللَّهِ حَالُهُ، وَدَلَّكَ عَلَى اللَّهِ مَقَالُهُ.
وعُلُوُّ الْهِمَّةِ يَقْتَضِي مِنْكَ أَنْ تَنْفُضَ غُبَارَ الْعَجْزِ، وَتَتَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِمَّا اسْتَعَاذَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ».
واعْلَمُوا أَنَّ ثَمَرَةَ عُلُوِّ الهِمَّةِ فِي الدُّنْيَا هِيَ: العِزَّةُ وَالرِّيَادَةُ، وَفِي الآخِرَةِ: رِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} [الإسراء:19]. وقَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران:159]. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «المُؤْمِنُ القَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ» [رواه مسلم]. فلَا بُدَّ مِنَ الإِرَادَةِ أَوَّلاً، ثُمَّ السَّعْيِ الَّذِي يُنَاسِبُ عِظَمَ المَطْلُوبِ، فَمَنْ أَرَادَ الفِرْدَوْسَ لَا يَنَامُ الضُّحَى، وَمَنْ نَشَدَ مَعَالِيَ الدِّينِ لَا يَكُونُ هَمُّهُ طَعَاماً وَشَرَاباً وَفُضُولَ مَجَالِسَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وقَوْلهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ» هُوَ دُسْتُورُ عُلُوِّ الهِمَّةِ، فالحِرْصُ الدَّائِمُ عَلَى مَنَافِعِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، ثُمَّ تَتْبِيعُ ذَلِكَ بِالاسْتِعَانَةِ بِاللهِ، ثُمَّ نَفْيُ العَجْزِ.
فَإِيَّاكُمْ وَكَلِمَةَ “لَا أَسْتَطِيعُ” فِيمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ، أَوْ فِيمَا كَلَّفَكُمْ بِهِ مِنْ عِمَارَةِ الأَرْضِ، فإِنَّ الأُمَّةَ اليَوْمَ أَحْوَجُ مَا تَكُونُ إِلَى شَبَابٍ عَالِي الهِمَّةِ، وَإِلَى رِجَالٍ لَا يَقْنَعُونَ بِالفُضُولِ، وَإِلَى نِسَاءٍ يُرَبِّينَ الجِيلَ عَلَى مَعَالِي الأُمُورِ.
وقَدْ كَانَ لِلسَّلَفِ الصَّالِحِ هِمَمٌ تَتَصَاغَرُ عِنْدَهَا الجِبَالُ؛ فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: “لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ: هَلُمَّ فَلْنَسْأَلْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ فَإِنَّهُمُ اليَوْمَ كَثِيرٌ، فَقَالَ: وَاعَجَباً لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! أَتَرَى النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْكَ وَفِي النَّاسِ مَنْ تَرَى مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ؟”. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: “فَتَرَكْتُ ذَلِكَ وَأَقْبَلْتُ عَلَى المَسْأَلَةِ، فَإِنْ كَانَ لَيَبْلُغُنِي الحَدِيثُ عَنِ الرَّجُلِ فَآتِي بَابَهُ وَهُوَ قَائِلٌ (نَائِمٌ)، فَيَسْفِي التُّرَابُ عَلَى وَجْهِي، فَيَخْرُجُ فَيَقُولُ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ مَا جَاءَ بِكَ؟ أَلَا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيَكَ؟ فَأَقُولُ: لَا، أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ”، فَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ بَعْدَ ذَلِكَ يَرَانِي وَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلِي فَيَقُولُ: “كَانَ هَذَا الفَتَى أَعْقَلَ مِنِّي”، تِلْكَ هِيَ الهِمَّةُ الَّتِي صَنَعَتْ أُمَّةً، وَبَنَتْ مَجْداً، وَنَشَرَتْ نُوراً.
فَاتَّقُوا اللهَ وَارْبَؤُوا بِأَنْفُسِكُمْ عَنْ مَرَاتِعِ العَجْزِ، وَاجْعَلُوا هِمَّتَكُمْ فِي مَعَالِي الخِصَالِ، فَإِنَّ العُمُرَ قَصِيرٌ، وَالمَطْلُوبَ جَلِيلٌ، وَاللهُ يُحِبُّ مَنْ إِذَا عَمِلَ عَمَلاً أَتْقَنَهُ، وَمَنْ إِذَا سَارَ إِلَيْهِ أَسْرَعَ، قَالَ تَعَالَى: {وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين:26]. فَلْيَكُنِ التَّنَافُسُ فِي طَاعَةِ الرَّحْمَنِ، وَفِي نَفْعِ الإِنْسَانِ، وَفِي رِفْعَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ بَيْنَ الأُمَمِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (عُلُوِّ الهِمَّةِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
“عُلُوُّ الْهِمَّةِ”: هوَ مِفْتَاحُ كُلِّ نَجَاحٍ، وَعِمَادُ كُلِّ صَلَاحٍ، وَسِرُّ رِفْعَةِ الْأُمَمِ وَالْأَفْرَادِ؛ وهو الْمُحَرِّكُ الدَّاخِلِيُّ للذي يسعى لِتَحْقِيقِ أَعْلَى مَرَاتِبِ الرِّضَا،
“عُلُوُّ الْهِمَّةِ”: هوَ حَقِيقَةُ الْإِنْسَانِ؛ فَمَنْ كَانَتْ هِمَّتُهُ فِي السَّمَاءِ، كَانَ مَلَكِيّاً رَبَّانِيّاً، وَمَنْ كَانَتْ هِمَّتُهُ فِي الطِّينِ، كَانَ أَرْضِيّاً شَهَوَانِيّاً، فإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وَأَشْرَافَهَا، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة:١٠-١١]. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ» [رواه مسلم].
وتَأَمَّلُوا فِي هَذَا التَّوْجِيهِ النَّبَوِيِّ الْعَظِيمِ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ». فهُنَا مَكْمَنُ عُلُوِّ الْهِمَّةِ؛ أَنْ تَعْرِفَ مَا يَنْفَعُكَ فِي دِينِكَ وَدُنْيَاكَ، ثُمَّ تَبْذُلَ لَهُ نَفَسَكَ وَنَفِيسَكَ، فعَالِي الْهِمَّةِ لَا يَعْرِفُ كَلِمَةَ “مُسْتَحِيلٍ”، وَلَا يَسْتَسْلِمُ لِعَقَبَاتِ الطَّرِيقِ.
وإِنَّ الْهِمَّةَ الْعَالِيَةَ هِيَ الَّتِي حَمَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنْ يَقُومَ اللَّيْلَ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، وَهُوَ مَنْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَهِيَ الَّتِي حَمَلَتِ الصَّحَابَةَ الْكِرَامَ عَلَى بَذْلِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ، لِيَصِلَ هَذَا الدِّينُ إِلَيْنَا، لَقَدْ كَانُوا رِجَالاً لَا يَرْضَوْنَ بِمُجَرَّدِ النَّجَاةِ، بَلْ كَانُوا يَتَسَابَقُونَ عَلَى مَقَاعِدِ الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ عُلُوَّ الْهِمَّةِ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ لِحَيَاتِكَ مَعْنًى، فَالْإِنْسَانُ الَّذِي يَعِيشُ لِنَفْسِهِ فَقَطْ يَمُوتُ صَغِيراً، أَمَّا الَّذِي يَعِيشُ لِأُمَّتِهِ وَلِدِينِهِ فَهِمَّتُهُ تُحْيِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فاُنْظُرُوا إِلَى عُلَمَائِنَا: كَالْبُخَارِيِّ وَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ تَيْمِيَّةَ؛ لَقَدْ رَحَلُوا، وَبَقِيَتْ هِمَمُهُمْ تُعَلِّمُ الْأَجْيَالَ، لَقَدْ كَانَتْ هِمَمُهُمْ أَكْبَرَ مِنْ أَعْمَارِهِمْ، فَمَا هِيَ هِمَّتُكَ أَنْتَ؟، ومَاذَا سَتَتْرُكُ بَعْدَكَ؟، وهَلْ سَتَكُونُ رَقْماً زَائِداً فِي حِسَابِ السَّنَوَاتِ؟، أَمْ سَتَكُونُ غَيْثاً نَافِعاً حَيْثُمَا وَقَعَ نَفَعَ؟، واعلم أنَّ الطَّرِيقَ إِلَى الْجَنَّةِ مُحِفُوفٌ بِالْمَكَارِهِ، وَلَا يَقْطَعُهُ إِلَّا أَصْحَابُ الْهِمَمِ الْعَالِيَةِ، الَّذِينَ إِذَا كَلَّتْ أَبْدَانُهُمْ لَمْ تَكِلَّ أَرْوَاحُهُمْ.
فلِنَجْعَلْ مِنْ لقائنا هذا نُقْطَةَ انْطِلَاقٍ، لِتَصْحِيحِ الْمَسَارِ، فمَنْ كَانَتْ هِمَّتُهُ فِي صَلَاتِهِ فَاتِرَةً فَلْيَرْفَعْهَا، وَمَنْ كَانَتْ هِمَّتُهُ فِي بِرِّ وَالِدَيْهِ نَاقِصَةً فَلْيُكْمِلْهَا، وَمَنْ كَانَ يَعِيشُ هَمَّ الدُّنْيَا فَقَطْ فَلْيَجْعَلِ الْآخِرَةَ هِيَ الْمُبْتَغَى.
واعْلَمُوا أَنَّ الْعُمُرَ أَنْفَاسٌ مَعْدُودَةٌ، وَأَنَّ الْأَيَّامَ تَطْوِي الصَّفَحَاتِ سَرِيعاً، وَلَنْ يَبْقَى إِلَّا مَا قَدَّمْتَ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ بِهِمَّةٍ صَادِقَةٍ، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي هِمَمِكُمْ، فَالْجَنَّةُ لَهَا ثَمَنٌ، وَثَمَنُهَا بَذْلُ الْجُهْدِ وَعُلُوُّ الْقَصْدِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الْعَزَائِمِ الَّذِينَ لَا يَلْتَفِتُونَ لِلْخَلْفِ، واعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ.
الدعاء
