خطبة عن قوله تعالى ( وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا )
يناير 10, 2026خطبة عن (احْذَرُوا فِتْنَةَ النِّسَاءِ)
يناير 11, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) (73) النساء. وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟» قَالَ: حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ». قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ»، فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ) [رواه البخاري ومسلم].
إخوة الإسلام
(يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) [النساء:73]: فإنَّ هذه العبارةَ التي نَقَلَها القرآنُ الكريم، جَاءَتْ في سِياقِ ذَمِّ المنافقينَ، الَّذين لا يَنظرونَ إلا لِحُطامِ الدنيا؛ فإذا غَنِمَ المسلمونَ مالاً، أو نَالوا مَنْصباً، تحسّرَ المنافقُ، لا نَدماً على فواتِ الطاعة، بل حُزناً على فواتِ الغنيمة.
ولكن قَوْلَ القَائِلِ: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا}، فهِيَ عِبَارَةٌ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا حَسْرَةً عَلَى فَوَاتِ السَّبْقِ، وَتَمَنِّياً لِلْحُوقِ بِرَكْبِ الفَائِزِينَ، وَإِنَّ الفَوْزَ العَظِيمَ لَيْسَ فِي حُطَامِ دُنْيَا زَائِلَةٍ، وَلَا فِي مَنَاصِبَ فَانِيَةٍ، بَلْ هُوَ فِي مُصَاحَبَةِ الَّذِينَ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، إِنَّهُ تَمَنِّي الصَّادِقِينَ أَنْ يَكُونُوا مَعَ الرَّعِيلِ الأَوَّلِ، ومَعَ مَنْ بَذَلُوا المُلْجَةَ وَالمَالَ لِنُصْرَةِ هَذَا الدِّينِ، ولَكِنَّ العِبْرَةَ -عِبَادَ اللهِ- لَيْسَتْ بِالتَّمَنِّي الـمُجَرَّدِ، بَلْ بِالسَّعْيِ الَّذِي يُبَلِّغُ كَرَامَةَ الـمَعِيَّةِ.
والمؤمن الحَقَّ، يستلهمُ من هذه الكلماتِ مَعنىً آخَرَ أسمى وأعلى؛ إنَّها صرخةُ المُقَصِّرِ حِينَ يَرى السَّابِقِينَ قد بَلغوا المنزلةَ العالية، إنَّها تَمَنِّي الصَّادقِ الذي حَبَسَهُ العُذرُ عن ركبِ الصالحين، فالفوزُ العظيمُ ليسَ في دِرهمٍ يُجْمَع، ولا في جاهٍ يُرْفَع، بل الفوزُ كلُّ الفوزِ في أن تكونَ في زُمْرَةِ الأبرار، تحتَ لِواءِ سَيِّدِ المُرْسَلِين.
أَتَدْرُونَ مَعَ مَنْ يَتَمَنَّى المُؤْمِنُ أَنْ يَكُونَ؟، إنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ مَعَ الصَّحَابَةِ في صِدْقِهِم، ومَعَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِم: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} الأحزاب:23. ويَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي ثَبَاتِهِ، وَعُمَرَ فِي عَدْلِهِ، وَعُثْمَانَ فِي حَيَائِهِ، وَعَلِيٍّ فِي شَجَاعَتِهِ.
وتَمَنِّي العَبْدِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ يَجِبُ أَنْ يَتْبَعَهُ عَمَلٌ؛ فَلَيْسَ الإِيمَانُ بِالتَّمَنِّي، وَلَا بِالتَّحَلِّي، وَلَكِنَّ مَا وَقَرَ فِي القَلْبِ، وَصَدَّقَهُ العَمَلُ، فمَنْ أَرَادَ أَنْ يَفُوزَ مَعَهُمْ، فَلْيَسْلُكْ طَرِيقَهُمْ، وَلْيَصْبِرْ عَلَى لَأْوَاءِ الدُّنْيَا كَمَا صَبَرُوا، فإنَّ الرَّكْبَ قَدْ مَضَى، وَالمِضْمَارَ لَا يَزَالُ مَفْتُوحاً، وَالمُنَادِي يُنَادِي: هَلْ مِنْ مُشَمِّرٍ لِلْجَنَّةِ؟.
وقَوْلُ القَائِلِ: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا}، يبينه حديث النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ». وفي صحيح البخاري: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ – رضي الله عنه – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ فَقَالَ «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلاَّ كَانُوا مَعَكُمْ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ قَالَ «وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ»،
وهكذا يتبين لنا أنَّ الصِّدْقَ فِي قَوْلِ: “يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ” يُبَلِّغُ العَبْدَ أَعْلَى المَقَامَاتِ، وفي مسند أحمد: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ «لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ فَسَمِعَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِىَ هَذَا فَعَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ فِيهِ هَذَا وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَهُوَ يُهْلِكُهُ فِي الْحَقِّ فَقَالَ رَجُلٌ يَا لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِىَ هَذَا فَعَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ فِيهِ هَذَا»،
وفيه أيضا: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَثَلُ هَذِهِ الأُمَّةِ مَثَلُ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْماً فَهُوَ يَعْمَلُ بِهِ فِي مَالِهِ فَيُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْماً وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالاً فَهُوَ يَقُولُ لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ مَا لِهَذَا عَمِلْتُ فِيهِ مَثْلَ الَّذِى يَعْمَلُ ». قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «فَهُمَا فِي الأَجْرِ سَوَاءٌ)
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وقَوْلُ القَائِلِ: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا}، فإنَّ الدُّنْيَا مَيْدَانُ سِبَاقٍ، وَالأَيَّامُ مَرَاحِلُ، وَالمَوْفَّقُ مَنْ نَظَرَ إِلَى النِّهَايَةِ لَا إِلَى البِدَايَةِ، فكُنْ مَعَ اللهِ بِقَلْبِكَ، يَكُنِ اللهُ مَعَكَ بِمَعُونَتِهِ، وَاجْعَلْ دُعَاءَكَ الدَّائِمَ: “اللَّهُمَّ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ المُوَحِّدِينَ، وَلَا تَجْعَلْنِي مِنَ الخَالِفِينَ المَحْرُومِينَ”.
واعلموا أنَّ سَبِيلَ الفَوْزِ العَظِيمِ مَرْسُومٌ وَاضِحٌ؛ وإنَّهُ سَبِيلُ الطَّاعَةِ وَالِاتِّبَاعِ، فلَا تَحْزَنْ إِذَا لَمْ تَلْحَقْ بِزَمَنِ النُّبُوَّةِ بِجَسَدِكَ، فَإِنَّكَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَلْحَقَ بِهِمْ بِرُوحِكَ وَمَنْهَجِكَ، فمَنْ عَاشَ عَلَى السُّنَّةِ، حُشِرَ مَعَ صَاحِبِ السُّنَّةِ.
وليكن معلوما أنَّ الحَسْرَةَ الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ أَنْ يَفُوتَكَ عَرْضٌ مِنَ الدُّنْيَا، بَلِ الحَسْرَةُ أَنْ تَقِفَ يَوْمَ القِيَامَةِ فَتَرَى أُنَاساً كَانُوا مَعَكَ فِي الدُّنْيَا، يَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ، وَيَشْرَبُونَ كَمَا تَشْرَبُ، قَدِ ارْتَقَوْا فِي دَرَجَاتِ الجَنَّةِ، وَبَقِيتَ أَنْتَ مَحْرُوماً بِسَبَبِ تَفْرِيطِكَ، هُنَاكَ سَتَقُولُ بِقَلْبٍ مُحْتَرِقٍ: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ}، سَتَتَمَنَّى لَوْ كُنْتَ مَعَهُمْ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ، مَعَهُمْ فِي حِلَقِ الذِّكْرِ، مَعَهُمْ فِي صِلَةِ الأَرْحَامِ، مَعَهُمْ فِي كَفِّ اللِّسَانِ عَنِ الحَرَامِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وقَوْلُ القَائِلِ: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا}، فوَيْحَكَ أَيُّهَا الـمُتَمَنِّي وأنت عن الطاعات بعيد!، أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مَعَهُمْ وَأَنْتَ تُضِيعُ الصَّلَوَاتِ؟ أَتُرِيدُ الفَوْزَ مَعَهُمْ وَأَنْتَ تَغْرَقُ فِي الشَّهَوَاتِ؟، واعلم أنَّ “يَا لَيْتَنِي” التِي يَقُولُهَا المُؤْمِنُ بِحُرْقَةٍ، تَدْفَعُهُ لِلْعَمَلِ، وَتُحَرِّكُ فِيهِ لَوَاعِجَ الشَّوْقِ لِلِاقْتِدَاءِ بِنبينا مُحَمَّدٍ ﷺ وَصَحَابَتِهِ الكِرَامِ.
وتَأَمَّلُوا فِي أَحْوَالِ السَّلَفِ الصَّالِحِ؛ كَيْفَ كَانَتْ أَرْوَاحُهُمْ تَتُوقُ لِتِلْكَ المَعِيَّةِ العَلِيَّةِ، لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الطَّرِيقَ لِلفَوْزِ العَظِيمِ يَمُرُّ بِمُخَالَفَةِ الهَوَى، وَالصَّبْرِ عَلَى البَلَاءِ، وَالثَّبَاتِ عِنْدَ اللِّقَاءِ، فإِنَّ مَعِيَّةَ الأَخْيَارِ تُنَالُ بِالتَّشَبُّهِ بِهِمْ، كَمَا قِيلَ: “فَتَشَبَّهُوا إِنْ لَمْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ.. إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالكِرَامِ فَلاحُ”.
إِنَّ النَّجَاةُ وَالفَوْزُ العَظِيمُ فِي زَمَانِنَا هَذَا، يَكُونُ بِأَنْ نَكُونَ مَعَهُمْ فِي “المَنْهَجِ”، ومَعَهُمْ فِي “العَقِيدَةِ”، ومَعَهُمْ فِي “الأَخْلَاقِ”، فإِذَا فَاتَتْكَ صُحْبَةُ أَبْدَانِهِمْ، فَلَا تَفُتْكَ صُحْبَةُ أَرْوَاحِهِمْ، وَأَعْمَالِهِمْ، فَالمَرْءُ مَحْشُورٌ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، فَانْظُرْ مَنْ تُحِبُّ؟، وَمَنْ تَقْتَفِي أَثَرَهُ؟
وقَوْلُ القَائِلِ: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا}، فتَذَكَّرُوا أَنَّ طَرِيقَ الفَوْزِ العَظِيمِ مَحْفُوفٌ بِالمَكَارِهِ، فمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الرُّسُلِ فِي الجَنَّةِ، فَلْيَحْمِلْ رِسَالَتَهُمْ فِي الأَرْضِ، ومَنْ أَرَادَ مَقَامَ الصِّدِّيقِينَ، فَلْيَلْزَمِ الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقاً، ومَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الشُّهَدَاءِ، فَلْيَسْأَلِ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ مِنْ قَلْبِهِ، فإِنَّ الحَيَاةَ مَيْدَانٌ لِلسِّبَاقِ، وَالغَايَةُ هِيَ مَقْعَدُ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، فَطُوبَى لِمَنْ كَانَ هَمُّهُ لُحُوقاً بِالرَّكْبِ الـمُقَدَّسِ، وَعَمَلُهُ كَعَمَلِ النَّاجِينَ الصَّالِحِينَ.
فَاتَّقُوا اللهَ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الفَوْزَ العَظِيمَ هُوَ رِضَا اللهِ وَالجَنَّةُ، ولَا تَبِيعُوا البَاقِيَةَ بِالفَانِيَةِ، وَلَا تَرْضَوْا بِالدُّونِ وَأَنْتُمْ تَبْتَغُونَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى، وتَصَفَّحُوا سِيَرَ السَّابِقِينَ، وَاعْرِفُوا لِلْفَضْلِ أَهْلَهُ، لَعَلَّكُمْ أَنْ تَكُونُوا مَعَهُمْ غَداً فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء:69]. وقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور:52]. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَعْمَلُ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ أَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ.. فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» [رواه الطبراني في الكبير].
فإِنَّ الفَوْزَ العَظِيمَ حَقِيقَةٌ تَتَجَلَّى يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، حِينَهَا يَنْدَمُ الـمُفَرِّطُونَ، وَيَفْرَحُ الـمُخْبِتُونَ، ونَحْنُ اليَوْمَ نَعِيشُ فُرْصَةً لَنْ تَتَكَرَّرَ، فالأيام تَمْضِي مِنْ أَعْمَارِنَا، وَالسَّاعَةُ تَقْتَرِبُ، والنَّجَاةُ كُلُّ النَّجَاةِ فِي أَنْ نَجْعَلَ مَشَاعِرَنَا وَقُلُوبَنَا مُعَلَّقَةً بِمَا يُرْضِي اللهَ، فلَا تَكُنْ مَعَ الغَافِلِينَ، وَلَا مَعَ الـمُتَخَاذِلِينَ، بَلْ كُنْ مَعَ اللهِ يَكُنِ اللهُ مَعَكَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وقَوْلُ القَائِلِ: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا}، فإِنَّ تَمَنِّيَ مَعِيَّةِ الصَّالِحِينَ يَسْتَوْجِبُ نَبْذَ أَهْلِ الفَسَادِ وَالضَّلَالِ، فلَا يَجْتَمِعُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ حُبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَحُبُّ أَعْدَائِهِ، فمَنْ أَرَادَ الفَوْزَ العَظِيمَ، فَلْيُوَالِ مَنْ وَالَى اللهَ، وَلْيُعَادِ مَنْ عَادَى اللهَ، واجْعَلُوا أَبْنَاءَكُمْ يَعْرِفُونَ مَنْ هُمُ “الَّذِينَ مَعَهُمْ”، عَرِّفُوهُمْ: بِخَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وَمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَأُمِّ عُمَارَةَ؛ حَتَّى تَنْبُتَ فِي قُلُوبِهِمْ رَغْبَةُ الفَوْزِ الـحَقِيقِيِّ.
فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنَا إِلَى حُبِّكَ. اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا بَرْدَ عَفْوِكَ، وَلَا حَلَاوَةَ مُنَاجَاتِكَ، وَاجْعَلْنَا يَوْمَ القِيَامَةِ فِي زُمْرَةِ الـمُتَّقِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالـمُسْلِمِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الـمُوَحِّدِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِـجَمِيعِ الـمُسْلِمِينَ. {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة:201].
الدعاء
