خطبة عن (يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا)
يناير 10, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (احْذَرُوا فِتْنَةَ النِّسَاءِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران:14]. وروى البخاري في صحيحه: (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ – رضي الله عنهما – عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ»، وفي رواية الترمذي: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِي النَّاسِ فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ». وعند ابن ماجه: «مَا أَدَعُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ».
إخوة الإسلام
إنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ الإِنْسَانَ، وَعَلِمَ مَا فِيهِ مِنْ ضَعْفٍ وَمَيْلٍ، وَأَقَامَ هَذِهِ الدُّنْيَا دَاراً لِلِابْتِلَاءِ وَالاخْتِبَارِ، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الِابْتِلَاءَاتِ الَّتِي تُوَاجِهُ المَرْءَ فِي دِينِهِ، وَثَبَاتِهِ، هِيَ فِتْنَةُ الشَّهَوَاتِ، وَعَلَى رَأْسِهَا: (فِتْنَةَ النِّسَاءِ)، وهي مَا حَذَّرَ مِنْهُ النَّبِيُّ الكَرِيمُ صلى الله عليه وسلم حِينَ قَالَ: «فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ».
وَلَيْسَ المَقْصُودُ بِالتَّحْذِيرِ من (فِتْنَةَ النِّسَاءِ) هو الحَطَّ مِنْ شَأْنِ المَرْأَةِ؛ لا ، بل المرأة هِيَ الأُمُّ الرَّحُومُ، وَهي الزَّوْجَةُ السَّكَنُ، وَهي البِنْتُ الرَّيْحَانَةُ، وَلَكِنَّ المَقْصُودَ هُوَ التَّحْذِيرُ مِنَ “المَيْلِ الغَيْرِ شَّرْعِيِّ”، وَالِانْجِرَافِ وَرَاءَ الشَّهَوَاتِ، الَّتِي تَهْدِمُ البُيُوتَ، وَتُفْسِدُ القُلُوبَ، وَتَقْطَعُ الطَّرِيقَ إِلَى اللهِ،
فالْحَدِيثَ عَنْ فِتْنَةِ النِّسَاءِ لَيْسَ تَقْلِيلًا مِنْ شَأْنِ الْمَرْأَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحْذِيرٌ مِنْ مَزَالِقِ الشَّهَوَاتِ، وَصِيَانَةٌ لِلْمُجْتَمَعِ مِنَ الِانْحِلَالِ، ولَقَدْ أَخْبَرَنَا الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ: أَنَّ هَذِهِ الْفِتْنَةَ هِيَ أَخْطَرُ مَا يُهَدِّدُ دِينَ الرَّجُلِ وَعِفَّتَهُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ فِتْنَةً: لِأَنَّهَا تَسْتَمِيلُ الْقُلُوبَ، وَتُعْمِي الْأَبْصَارَ، وَتَقُودُ إِلَى مَهَالِكِ الرَّدَى، إِذَا لَمْ تُضْبَطْ بِضَوَابِطِ الشَّرْعِ الْحَنِيفِ، فَالْمَرْأَةُ إِذَا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ، لِيَجْعَلَ مِنْهَا سَهْمًا مَسْمُومًا، يُصِيبُ بِهِ دِينَ السَّالِكِينَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وحيث أنَّنَا نَعِيشُ فِي زَمَنٍ تَعَدَّدَتْ فِيهِ سُبُلُ الغِوَايَةِ، وَصَارَتِ الفِتْنَةُ تَدْخُلُ عَلَى المَرْءِ فِي بيته ومِخْدَعِهِ، عَبْرَ هَذِهِ الشَّاشَاتِ، وَالمَوَاقِعِ، وصَارَ التَّبَرُّجُ يُسَمَّى “أَنَاقَةً”، وَالخُضُوعُ بِالقَوْلِ يُسَمَّى “لَبَاقَةً”، وَالاخْتِلَاطُ المُسْتَهْتَرُ يُسَمَّى “رُقِيّاً”، وَالحَقِيقَةُ أَنَّ هَذِهِ “خُطُوَاتُ الشَّيْطَانِ” الَّتِي تَبْدَأُ بِنَظْرَةٍ، فَمُحَادَثَةٍ، فَمَوْعِدٍ، ثُمَّ يَقَعُ مَا لَا تُحْمَدُ عُقْبَاهُ، فسِهَام إِبْلِيسَ المَسْمُومَةَ تَنْطَلِقُ مِنْ “النَّظَرِ”؛ وَلِذَلِكَ كَانَ الأَمْرُ الإِلَهِيُّ: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (30): (31) النور، فلَمْ يَأْمُرِ اللهُ بِغَضِّ البَصَرِ تَقْيِيداً لِلْحُرِّيَّةِ، بَلْ تَطْهِيراً لِلرُّوحِ، فَإِنَّ العَيْنَ مِرْآةُ القَلْبِ، فَإِذَا غَضَّ العَبْدُ بَصَرَهُ، كَسَا اللهُ قَلْبَهُ نُوراً وَحَلَاوَةً، يَجِدُهَا فِي قلبه وصَلَاتِهِ وَذِكْرِهِ.
وتَأَمَّلُوا فِي تَارِيخِ الْأُمَمِ قَبْلَنَا؛ كَيْفَ تَسَاقَطَتْ حُصُونُهَا، حِينَ تَفَشَّى فِيهَا التَّبَرُّجُ وَالِاخْتِلَاطُ، قَالَ ﷺ: «فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» [رواه مسلم].
فوَيْحَكَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ!، أَتَظُنُّ نَفْسَكَ مَعْصُومًا أَمَامَ سَيْلِ الْمُغْرِيَاتِ؟، فإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْدَأُ بِخُطْوَةٍ، وَالْقُرْآنُ الْكَرِيمُ لَمْ يَقُلْ “لَا تَزْنُوا”، بَلْ قَالَ: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء:32]؛ فَحَرَّمَ كُلَّ الْوَسَائِلِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَيْهِ، مِنْ خَلْوَةٍ مُحَرَّمَةٍ، أَوْ كَلَامٍ خَاضِعٍ، أَوْ نَظَرٍ مَسْمُومٍ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ النَّجَاةَ مِنْ (فِتْنَةِ النِّسَاءِ) تَكُونُ بِأَمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ: أَوَّلُهُمَا “غَضُّ الْبَصَرِ”؛ فَهُوَ خَطُّ الدِّفَاعِ الْأَوَّلِ، قَالَ تَعَالَى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} [النور :30]. وَالثَّانِي “الِاسْتِعْفَافُ وَالزَّوَاجُ”؛ ففي الصحيحين: (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – شَبَابًا لاَ نَجِدُ شَيْئًا فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهُ – صلى الله عليه وسلم – «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»
أَمَّا إِطْلَاقُ الْعَنَانِ لِلْعَيْنِ، لِتَرْعَى فِي حِمَى الْمُحَرَّمَاتِ، فَإِنَّهُ يُورِثُ الْقَلْبَ حَسْرَةً وَظُلْمَةً، وَيُضْعِفُ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، وفي سنن الترمذي: (عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ قَالَ «يَا عَلِيُّ لاَ تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ»، فَكَيْفَ يَلْتَذُّ بِطَاعَةِ اللَّهِ مَنْ يَمْلَأُ عَيْنَهُ مِنْ خِيَانَةِ الْأَعْيُنِ؟،
واعلموا أن (فِتْنَةَ النِّسَاءِ) قَدْ عَظُمَ خَطَرُهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ، حَيْثُ صَارَ النظر الْحَرَامُ يُعْرَضُ فِي الْبُيُوتِ: عَبْرَ الْهَوَاتِفِ، وَالشَّاشَاتِ، والمواقع، ووسائل التواصل، فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ رَاعٍ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ فِي رَعِيَّتِهِ، فَلَا يَسْمَحُ لِأَهْلِ بَيْتِهِ بِتَبَرُّجٍ يُغْضِبُ الرَّحْمَنَ، وَلَا بِتَسَاهُلٍ فِي الِاخْتِلَاطِ يُدَنِّسُ الْعِرْضَ، وإِنَّ الْغَيْرَةَ عَلَى الْمَحَارِمِ مِنْ شِيَمِ الرِّجَالِ، وَمَنْ لَا غَيْرَةَ لَهُ لَا خَيْرَ فِيهِ، فَصُونُوا أَعْرَاضَكُمْ، وَاحْفَظُوا أَبْصَارَكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وتأملوا قول الله تَعَالَى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:33]. والحديث النبوي: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ» [رواه مسلم].
فالْوُقُوع فِي فِتْنَةِ النَّسَاءِ يُهْلِكُ الْفَرْدَ، وَيُدَمِّرُ الْأُسَرُ، ونَحْنُ الْيَوْمَ نَرَى كَيْفَ أُصِيبَ الْكَثِيرُ بِمَرَضِ “الْإِدْمَانِ الِالِكْتُرُونِيِّ” عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ، مِمَّا أَدَّى إِلَى تَقْطِيعِ الْأَرْحَامِ، وَفَشْوِ الطَّلَاقِ، وَضَيَاعِ الْقِيَمِ، والنَّجَاةُ -عِبَادَ اللَّهِ- فِي صِدْقِ الِالْتِجَاءِ إِلَى اللَّهِ، وَفِي مِلْءِ الْأَوْقَاتِ بِالنَّافِعِ مِنَ الْعَمَلِ، فإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الْإِيمَانِ، مَلَأَتْهُ الشَّهَوَاتُ.
فتُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ عَنْ كُلِّ نَظْرَةٍ حَرَامٍ، وَعَنْ كُلِّ خَلْوَةٍ آثِمَةٍ، واسألوا الله تعالى أن يطَهِّر قُلُوبَنَا ، وَيحَصِّن فُرُوجَنَا، وَأن يعْصِمنَا مِنَ الْفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وأن يرْزقْنَا الْعِفَّةَ وَالْكَفَافَ، وَأن يجْعَلنَا مِمَّنْ يَخْشَاه فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (احْذَرُوا فِتْنَةَ النِّسَاءِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء:32]، فتَأَمَّلُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَقْرَبُوا}، وَلَمْ يَقُلْ “لَا تَفْعَلُوا”. فهَذَا يَعْنِي أَنَّ لِلزِّنَا دَوَاعِيَ وَأَسْبَاباً وَأَبْوَاباً، يَجِبُ عَلَى المُؤْمِنِ أَنْ يغلقها ، وأن يَبْتَعِدَ عَنْهَا، فَالمَكَانُ الَّذِي فِيهِ رِيبَةٌ لَا تَدْخُلْهُ، وَالصَّحَابَةُ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي الأَعْرَاضِ لَا تُجَالِسْهُمْ، وَالمَوَاقِعُ الَّتِي تَعْرِضُ الفِتَنَ لَا تَنْقُرْ عَلَيْهَا.
وَأقدم هذه رِسَالَة إِلَى حَرَائِرِ المُسْلِمِينَ: اتَّقِينَ اللهَ فِي أَنْفُسِكُنَّ، وَفِي شَبَابِ المُسْلِمِينَ، واعلمن أن الحِجَاب لَيْسَ قِطْعَةَ قُمَاشٍ، بَلْ هُوَ حَيَاءٌ وَسِتْرٌ وَعِفَّةٌ، فكُونِي مِفْتَاحاً لِلْخَيْرِ، وَلَا تَكُونِي سَبَباً فِي فِتْنَةِ عَبْدٍ، كَانَ قَلْبُهُ مَوْصُولاً بِاللهِ.
واعلموا أنَّ الفِتْنَةَ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الفَوَاحِشِ الكُبْرَى، بَلْ أَعْظَمُهَا مَا كَانَ “مُسْتَتِراً”؛ فَالخَلْوَةُ بِالأَجْنَبِيَّةِ بَابٌ لِلشَّرِّ لَا يُغْلَقُ بَعْدَهُ أَبَداً، وفي سنن الترمذي: (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ « الْحَمْوُ الْمَوْتُ ». قَالَ وَفِى الْبَابِ عَنْ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَإِنَّمَا مَعْنَى كَرَاهِيَةِ الدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ عَلَى نَحْوِ مَا رُوِىَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ». وَمَعْنَى قَوْلِهِ «الْحَمْوُ». يُقَالُ هُوَ أَخُو الزَّوْجِ كَأَنَّهُ كَرِهَ لَهُ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا). وفي صحيح مسلم: (أن ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- يَخْطُبُ يَقُولُ «لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ وَلاَ تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ».
فالشَّيْطَانُ لَا يَأْتِي لِيَقُولَ “ازْنِ”، بَلْ يَأْتِي لِيَقُولَ “هِيَ مِثْلُ أُخْتِكَ” أَوْ “تَحَدَّثْ مَعَهَا فِي الدِّينِ” أَوْ “هِيَ زَمِيلَةُ عَمَلٍ”، حَتَّى يَسْلُبَ مِنَ القَلْبِ الغَيْرَةَ وَالحَيَاءَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
النَّجَاةُ النَّجَاةَ!، فالنَّجَاةُ تَكُونُ بِتَقْوِيَةِ الِاتِّصَالِ بِاللهِ، وَبغض البصر، وبِالزَّوَاجِ الحَلَالِ لِمَنِ اسْتَطَاعَ، وَبِالصَّوْمِ لِمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ، وسَلُوا اللهَ دَائِماً “العَفَافَ”، وَتَذَكَّرُوا أَنَّ السَّبْعَةَ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، مِنْهُمْ: «رَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ».
فاللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا، وَحَصِّنْ فُرُوجَنَا، وَاعْصِمْنَا مِنَ الفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. اللَّهُمَّ ارزُقْنَا العِفَّةَ وَالحَيَاءَ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَخَافُ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى.
الدعاء
