خطبة عن (احْذَرُوا فِتْنَةَ النِّسَاءِ)
يناير 11, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) (18): (21) الاسراء، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر:2]. (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ» [رواه مسلم].
إخوة الإسلام
تعالوا نتدبر قوله تعالى: {وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} (20) الاسراء؛ فإِنَّنَا نَقِفُ مَعَ حَقِيقَةٍ كُبْرَى، تَمْلأُ الْقُلُوبَ رَجَاءً، وَالنُّفُوسَ طُمَأْنِينَةً؛ وَهِيَ أَنَّ خَزَائِنَ اللهِ مَلأَى، وَأَنَّ يَدَهُ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، فالآية تعني أن عطاء الله تعالى لَيْسَ مَمْنُوعاً، وَلَا مَنْقُوصاً عَنْ أَحَدٍ، ولا مقصورا على أحد دون غيره، بَرّاً كَانَ أَوْ فَاجِراً، فِي هَذِهِ الدُّنْيَا،
فَاللهُ -جَلَّ جَلَالُهُ- هُوَ الْجَوَادُ، الذِي عَمَّ بِفَضْلِهِ جَمِيعَ الْبَرِيَّاتِ، وَأَفَاضَ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعَمِهِ السَّابِغَاتِ، فَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ، إِلَّا وَعَطَاؤُهُ يَبْلُغُهَا، وَمَا مِنْ نَفَسٍ يَتَرَدَّدُ، إِلَّا وَبِإِمْدَادِهِ يَسْتَمِرُّ، إِنَّهُ الْعَطَاءُ الذِي لَا تَمْنَعُهُ السُّدُودُ، وَلَا تَحُدُّهُ الْحُدُودُ، قال تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) هود:6، وقال تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (60) العنكبوت، وعَطَاء اللهِ يَتَنَزَّلُ مَعَ حُسْنِ الظَّنِّ بِهِ، فَمَا ظَنُّكَ بِرَبٍّ يَقُولُ: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ} الحجر:21، فالخَزَائِنُ عِنْدَهُ، وَالمَفَاتِيحُ بِيَدِهِ، فَلِمَاذَا اليَأْسُ؟، وَلِمَاذَا الحُزْنُ؟، وَلِمَاذَا النَّظَرُ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ؟.
فقوله تعالى: {وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا}: هِيَ بَلْسَمٌ لِكُلِّ مَحْرُوم، وَأَمَلٌ لِكُلِّ مَهْمُوم؛ فَاللهُ يُخْبِرُنَا أَنَّ سَحَائِبَ كَرَمِهِ لَا تَمْنَعُهَا السُّدُود، وَلَا تَقِفُ دُونَهَا القُيُود، وليكن معلوما أنَّ عَطَاءَ اللهِ نَوْعَانِ: عَطَاءٌ عَامٌّ؛ وَهُوَ الرِّزْقُ وَالصِّحَّةُ وَالمَالُ وَالخَلْقُ، وَهَذَا يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ الخَلَائِقِ، وَعَطَاءٌ خَاصٌّ؛ وَهُوَ أَنْ يَهَبَكَ اللهُ الإِيمَانَ، وَأَنْ يَشْرَحَ صَدْرَكَ لِلْقُرْآنِ، وَأَنْ يَرْزُقَكَ السَّكِينَةَ وَالرِّضَا، وَهَذَا هُوَ العَطَاءُ الأَبْقَى وَالأَرْقَى وهو للمؤمنين خاصة.
وتَأَمَّلُوا فِي سَعَةِ هَذَا الْعَطَاءِ؛ فَهُوَ عَطَاءٌ يَشْمَلُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ، أَمَّا عَطَاءُ الدُّنْيَا: فَقَدْ جَعَلَهُ اللهُ مُشْتَرَكاً، يَرْزُقُ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَمَنْ كَفَرَ، وَيُعْطِي مَنْ أَطَاعَهُ وَمَنْ عَصَاهُ؛ رَحْمَةً بِخَلْقِهِ، وَإِقَامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، فقال تعالى: (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) الاسراء: (20)،
ولما دعا نبي الله إبراهيم (عليه السلام) ربه أن يرزق أهل مكة قال: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) البقرة:126، فماذا قال الله له: (قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) البقرة: (126)،
فيَا لَهُ مِنْ كَرَمٍ يَعْجَزُ عَنْهُ الوَصْفُ!، حَتَّى الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ، وَالَّذِينَ نَسُوهُ، وَالَّذِينَ جَارُوا فِي أَرْضِهِ، يَمُدُّهُم بِالصِّحَّةِ، وَيَمُدُّهُم بِالرِّزْقِ، وَيَمُدُّهُم بِالهَوَاء، فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالُ عَطَائِهِ لِمَنْ عَصَاه، فَكَيْفَ بِعَطَائِهِ لِمَنْ وَحَّدَهُ وَاتَّبَعَ هُدَاه؟.
وقوله تعالى: (وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا): فالْعَطَاءُ الْحَقِيقِيُّ، وَالْمَنْحَةُ الْعُظْمَى: هِيَ عَطَاءُ الدِّينِ وَالْهِدَايَةِ، وَذَلِكَ لَا يُعْطِيهِ اللهُ إِلَّا لِمَنْ أَحَبَّ، وفي مسند أحمد: ( قال صلى الله عليه وسلم: (وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعْطِى الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لاَ يُحِبُّ وَلاَ يُعْطِى الدِّينَ إِلاَّ لِمَنْ أَحَبَّ فَمَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ)،
وقد يضيق الله تعالى على عبده المؤمن في الرزق، ليدخر له العطاء الأكبر في الدار الآخرة، ففي الصحيحين: ( يقول عمر بن الخطاب حين زار رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته: (ثُمَّ رَفَعْتُ بَصَرِي فِي بَيْتِهِ ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ غَيْرَ أَهَبَةٍ ثَلاَثَةٍ. فَقُلْتُ ادْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَأُعْطُوا الدُّنْيَا، وَهُمْ لاَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وَكَانَ مُتَّكِئًا. فَقَالَ «أَوَفِى شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا».
فوَيْحَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ!، أَتَظُنُّ أَنَّ الْعَطَاءَ مَحْصُورٌ فِي دِرْهَمٍ وَدِينَارٍ؟، بَلْ إِنَّ أَعْظَمَ عَطَاءِ رَبِّكَ هُوَ أَنْ يَشْرَحَ صَدْرَكَ لِلإِسْلَامِ، وَأَنْ يَجْعَلَ لِسَانَكَ رَطْباً بِذِكْرِهِ، وَأَنْ يُوَفِّقَكَ لِسَجْدَةٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، بل مِنْ أَعْظَمِ عَطَايَا اللهِ الَّتِي لَا تُحْظَر: عَطَاءُ “الهِدَايَةِ”: أَنْ يَنْشَرِحَ صَدْرُكَ لِلصَّلَاةِ بَيْنَمَا غَيْرُكَ مَحْرُوم، وَعَطَاءُ “السَّكِينَةِ”: أَنْ تَنَامَ قَرِيرَ العَيْنِ فِي كُوخٍ بَيْنَمَا يَتَقَلَّبُ صَاحِبُ القَصْرِ عَلَى جَمْرِ القَلَق، وَعَطَاءُ “العَافِيَةِ”: أَنْ تَمْشِيَ عَلَى قَدَمَيْكَ بَيْنَمَا يَتَمَنَّى غَيْرُكَ لَحْظَةَ وُقُوف، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ حِجَاب، وهَذَا هُوَ الْعَطَاءُ الذِي لَا يَنْقَطِعُ خَيْرُهُ، وَلَا يَبِيدُ أَثَرُهُ.
والمتأمل في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا): فَعطَاء اللهِ لَا يَتَقَيَّدُ بِالأَسْبَابِ المَادِّيَّةِ الَّتِي نَعْرِفُهَا، فانْظُرُوا فِي كِتَابِ رَبِّكُمْ: فنبي الله زَكَرِيَّا (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بَلَغَ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا، وَامْرَأَتُهُ عَاقِر، وَالأَسْبَابُ البَشَرِيَّةُ تَقُولُ “مُسْتَحِيل”، ولَكِنَّ العَطَاءَ الرَّبَّانِيَّ لَيْسَ مَحْظُورًا؛ فَقَالَ اللهُ: {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ} مريم:7.
وَمَرْيَمُ (عَلَيْهَا السَّلَامُ) كَانَتْ فِي المِحْرَابِ، فَيَأْتِيهَا رِزْقُهَا مِنْ غَيْرِ سَعْيٍ مَنْظُور، فَيَسْأَلُهَا زَكَرِيَّا: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} آل عمران: (37)،
وقوله تعالى: (وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا): فإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَسْبَابُ ، ظَنُّوا أَنَّ عَطَاءَ اللهِ قَدْ حُظِرَ عَنْهُمْ، وَهَذَا مِنْ قِصَرِ النَّظَرِ، وَضَعْفِ الْيَقِينِ، فَإِنَّ اللهَ قَدْ يَمْنَعُكَ لِيُعْطِيَكَ، وَقَدْ يَحْرِمُكَ لِيَصُونَكَ، فالْمَنْعُ مِنْهُ -سُبْحَانَهُ- هُوَ عَيْنُ الْعَطَاءِ، إِذَا كَانَ فِيهِ صَلَاحُ دِينِكَ، فَالْخَزَائِنُ بِيَدِهِ، وَالْأَمْرُ إِلَيْهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَنْفَعُ عِبَادَهُ، قال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى:27].
وقَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللهِ السَّكَنْدَرِيُّ: “رُبَّمَا أَعْطَاكَ فَمَنَعَكَ، وَرُبَّمَا مَنَعَكَ فَأَعْطَاكَ، وَمَتَى فَتَحَ لَكَ بَابَ الفَهْمِ فِي المَنْعِ، صَارَ المَنْعُ عَيْنَ العَطَاءِ”.
فَكَمْ مِنْ مَالٍ لَوْ جَاءَكَ لَأَطْغَاكَ، وَكَمْ مِنْ مَنْصِبٍ لَوْ نِلْتَهُ لَأَهْلَكَكَ!، فَثِقْ بِرَبِّكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ بَابَهُ مَفْتُوحٌ لِلسَّائِلِينَ، وَفَضْلَهُ مَبْذُولٌ لِلرَّاغِبِينَ، وَعَطَاءَهُ لَيْسَ لَهُ مَنْفَدٌ، فَاللهُ سُبْحَانَهُ حَكِيمٌ فِي عَطَائِهِ، حَكِيمٌ فِي مَنْعِه، فقَدْ يَمْنَعُكَ لِيُعْطِيَكَ مَا هُوَ خَيْرٌ لَك، أَوْ يَدَّخِرُ لَكَ العَطَاءَ فِي يَوْمٍ تَكُونُ فِيهِ أَفْقَرَ مَا تَكُونُ إِلَيْه، وفي سنن الترمذي: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو اللَّهَ بِدُعَاءٍ إِلاَّ اسْتُجِيبَ لَهُ فَإِمَّا أَنْ يُعَجَّلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا أَنْ يُدَّخَرَ لَهُ فِي الآخِرَةِ وَإِمَّا أَنْ يُكَفَّرَ عَنْهُ مِنْ ذُنُوبِهِ بِقَدْرِ مَا دَعَا مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ أَوْ يَسْتَعْجِلُ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُ قَالَ «يَقُولُ دَعَوْتُ رَبِّي فَمَا اسْتَجَابَ لِي». وفي رواية: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا». قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ؟ قَالَ: «اللهُ أَكْثَرُ»، نَعَمْ.. فاللهُ أَكْثَرُ عَطَاءً، وَأَكْثَرُ جُوداً، وَأَكْثَرُ كَرَماً.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وقوله تعالى: (وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا): فمِنْ عَظِيمِ عَطَاءِ رَبِّكَ أَنَّهُ يَجْزِي عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيراً، وَيَقْبَلُ مِنَ التَّائِبِ أَوْبَتَهُ، وَلَوْ كَانَتْ بَعْدَ عُمُرٍ مِنَ الْعِصْيَانِ، وعَطَاؤُهُ مُبْتَدِئٌ بِلَا سُؤَالٍ، فَكَيْفَ بِالْعَطَاءِ إِذَا رُفِعَتِ الأَكُفُّ بِالابْتِهَالِ؟، فالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مَشْحُونَةٌ بِمَظَاهِرِ كَرَمِهِ؛ فَالْمَطَرُ يَصُبُّ، وَالزَّرْعُ يَنْبُتُ، وَالْأَرْزَاقُ تُسَاقُ إِلَى الضَّعِيفِ الذِي لَا حِيلَةَ لَهُ، كَمَا تُسَاقُ إِلَى الْقَوِيِّ الذِي بَلَغَ مَبْلَغَهُ، فَاسْتَشْعِرُوا عِظَمَ هَذَا الإِلَهِ، الذِي لَا يُبْخِلُهُ سُؤَالُ السَّائِلِينَ، وَلَا تُنْفِدُ خَزَائِنَهُ نَفَقَاتُ الْمُسْرِفِينَ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم:34]. وفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ»، (وَقَالَ: يَدُ اللَّهِ مَلْأَى، لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ» [رواه البخاري ومسلم]. (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ» [رواه مسلم].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ونَحْنُ الْيَوْمَ فِي عَالَمٍ تَتَسَارَعُ فِيهِ الْمَخَاوِفُ الِاقْتِصَادِيَّةُ، وَالْقَلَقُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ الذِي يَقْرَأُ قَوْلَ رَبِّهِ: {وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا}، لَا يَعْرِفُ الْيَأْسُ إِلَى قَلْبِهِ سَبِيلاً ، لأنَّه يعلم أن عَطَاءَ اللهِ لَا يَرْتَبِطُ بِمَقَايِيسِ الْبَشَرِ، وَلَا بِتَقَلُّبَاتِ الْأَسْوَاقِ، بَلْ هُوَ مَرْبُوطٌ بِتَقْوَى اللهِ وَالثِّقَةِ بِهِ، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:2-3].
فَلْتَكُنْ ثِقَتُكُمْ بِمَا عِنْدَ اللهِ أَوْثَقَ مِمَّا فِي أَيْدِيكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الرَّزَّاقَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، فكَمْ مِنْ ضَائِقَةٍ فُرِجَتْ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ صَاحِبُهَا!، وَكَمْ مِنْ مَرِيضٍ أَيِسَ الأَطِبَّاءُ مِنْ شِفَائِهِ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ عَطَاءُ الشَّافِي، فَقَامَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ!.
وإذَا كَانَ هَذَا عَطَاؤُهُ فِي دَارِ الفَنَاء، فَمَا ظَنُّكُمْ بِعَطَائِهِ فِي دَارِ البَقَاء؟، هُنَاكَ حَيْثُ يَقُولُ لِأَهْلِ الجَنَّة: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} (108) هود، أَيْ غَيْرَ مَقْطُوع.
ففِي الحياة الدُّنْيَا: الصِّحَّةُ يَعْقُبُهَا مَرَض، وَالشَّبَابُ يَعْقُبُهُ هَرَم، وَالمَالُ قَدْ يَعْقُبُهُ فَقْر، أَمَّا عَطَاءُ الآخِرَةِ: فَهُوَ الكَمَالُ الَّذِي لَا نَقْصَ فِيه، وَالخُلُودُ الَّذِي لَا مَوْتَ بَعْدَه، ففي الصحيحين: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ – رضي الله عنه – قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ)، وفي الصحيحين: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ. يَقُولُونَ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ هَلْ رَضِيتُمْ فَيَقُولُونَ وَمَا لَنَا لاَ نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ. فَيَقُولُ أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالُوا يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا».
أيها المسلمون
واعلموا أنَّ الشُّكْرَ هُوَ مِصْيَدَةُ النِّعَمِ، وَهُوَ السَّبِيلُ لِاسْتِدَارِ مَزِيدٍ مِنَ الْعَطَاءِ، فَمَنِ اسْتَقَلَّ عَطَاءَ رَبِّهِ حُرِمَ بَرَكَتَهُ، وَمَنْ شَكَرَ عَلَى الْقَلِيلِ أَفَاضَ اللهُ عَلَيْهِ الْكَثِيرَ، قَالَ تَعَالَى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} إبراهيم:7، فالشُّكْرُ يَقِيدُ النِّعَمَ المَوْجُودَة، وَيَجْلِبُ النِّعَمَ المَفْقُودَة، فَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَا فُقِد، بَلِ انْظُرُوا إِلَى مَا أُعْطِيتم، سَتَجِدُونَ أَنَّ عَطَاءَ اللهِ مُحِيطٌ بِكُمْ، مِنْ فَوْقِكُمْ، وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ.
الدعاء
