خطبة عن (أدب الاختلاف ووحدة الصف)
يناير 13, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الِاسْتِعْدَادُ لِلرَّحِيلِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (185) آل عمران، وقال تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) (19) الاسراء، وفي صحيح البخاري: (قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا»، وفيه أيضا: (عن عمر بن الخطاب: (..قُلْتُ ادْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَأُعْطُوا الدُّنْيَا، وَهُمْ لاَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وَكَانَ مُتَّكِئًا. فَقَالَ «أَوَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا»، وفيه أيضا: (قَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِلاَّ الشَّهِيدَ، لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى»
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليَوْمَ -إن شاء الله تعالى- مَعَ (الِاسْتِعْدَاد لِلرَّحِيلِ)، فالرحيل بالمَوْت إلى الدار الآخرة حقيقة لا شك فيها، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) (12): (16) المؤمنون،
والِاسْتِعْدَاد لِلرَّحِيلِ لَيْسَ تَمَنِّيَاً لِلْمَوْتِ، بَلْ هُوَ “تَجْوِيدٌ لِلْحَيَاةِ”، وهُوَ أَنْ تَعِيشَ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، كَمَا أَوْصَى بذلك النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ففي صحيح البخاري: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ – رضي الله عنهما – قَالَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – بِمَنْكِبِي فَقَالَ «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ»،
والِاسْتِعْدَادُ لِلرَّحِيلِ يَعْنِي: أَنْ تَكُونَ حَقِيبَتُكَ الإِيمَانِيَّةُ مَلِيئَةً بِصَالِحِ الأَعْمَالِ، وَأَنْ تَكُونَ ذِمَّتُكَ بَرِيئَةً مِنْ حُقُوقِ العِبَادِ، فَالسَّفَرُ طَوِيلٌ، وَالزَّادُ قَلِيلٌ، وَالمَوْعِدُ عِنْدَ مَلِكٍ جَلِيلٍ، قال تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (281) البقرة، وقال تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (25) آل عمران، وقال تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) (30) آل عمران
والمَوْت لَا يَطْرُقُ بَابَاً لِيَسْتَأْذِنَ، وَلَا يَعْرِفُ شَابَّاً لِقُوَّتِهِ، وَلَا طِفْلَاً لِبَرَاءَتِهِ، وَلَا شَيْخَاً لِكِبَرِهِ، فإِذَا جَاءَ الأَجَلُ، انْقَطَعَ الأَمَلُ، قَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} الأعراف:34.
فَهَلْ نَحْنُ مُسْتَعِدُّونَ للرحيل؟، وهَلْ نَحْنُ مُسْتَعِدُّونَ إِذَا جَاءَنَا مَلَكُ المَوْتِ الآنَ؟، أم سَنَقُولُ: “رَبِّ ارْجِعُونِ”، قال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (99)، (100) المؤمنون
أَمْ سَنَسْتَقْبِلُ الموت بِالبُشْرَى، قال تعالى: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (32) النحل ، وقال تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (73)، (74) الزمر.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ أَوَّلَ خَطَوَاتِ الِاسْتِعْدَادِ لِلرَّحِيلِ هِيَ “التَّوْبَةُ النَّصُوحُ“: أَنْ تَرْجِعَ إِلَى اللهِ مِنْ مَظَالِمِ العِبَادِ، وَمِنْ تَقْصِيرِكَ فِي حَقِّ الخَالِقِ، فلَا تُسَوِّفْ، فَإِنَّ “سَوْفَ” جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ إِبْلِيسَ، فمَنْ ضَمِنَ لَكَ أَنْ تَعِيشَ إِلَى الغَدِ؟، بل مَنْ ضَمِنَ لَكَ أَنْ تُكْمِلَ يَوْمَكَ هَذَا؟، فإِنَّ العَاقِلَ هُوَ مَنْ يُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْ رَحِيلِهِ تَوْبَةً تَمْحُو مَا مَضَى، وَعَزِيمَةً تُصْلِحُ مَا بَقِيَ.
وَمِن خَطَوَاتِ الِاسْتِعْدَادِ لِلرَّحِيلِ: “قَضَاءُ الدُّيُونِ، وَرَدُّ المَظَالِمِ”: فإِنَّ الشَّهِيدَ يُغْفَرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الدَّيْنَ!، فَكَيْفَ بِمَنْ سِوَاهُ؟، ففي صحيح مسلم: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلاَّ الدَّيْنَ». فلَا تَرْحَلْ وَفِي ذِمَّتِكَ دِرْهَمٌ لِإِنْسَانٍ، أَوْ غِيبَةٌ لِمُسْلِمٍ، أَوْ قَطِيعَةٌ لِرَحِمٍ، فطَهِّرْ صَحِيفَتَكَ قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ، فَإِنَّ القِصَاصَ هُنَاكَ بِالحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، لَا بِالدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ، ففي مسند أحمد: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ – أَوْ قَالَ الْعِبَادُ – عُرَاةً غُرْلاً بُهْماً». قَالَ قُلْنَا َمَا بُهْماً قَالَ «لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مِنْ قُرْبٍ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ وَلاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ وَلاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ حَتَّى اللَّطْمَةُ». قَالَ قُلْنَا كَيْفَ وَإِنَّا إِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عُرَاةً غُرْلاً بُهْماً. قَالَ «بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ».
وَمِن خَطَوَاتِ الِاسْتِعْدَادِ لِلرَّحِيلِ: ألا تكون طويل الأمل، وتَأَمَّلُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} الحشر:18. فسَمَّاهُ اللهُ “غَدَاً” لِقُرْبِهِ، فَكَمَا تَسْتَعِدُّ لِسَفَرِ الدُّنْيَا بِتَجْهِيزِ المَتَاعِ وَتَفَقُّدِ الجَوَازِ، فَإِنَّ سَفَرَ الآخِرَةِ يَحْتَاجُ إِلَى “تَقْوَى” لتَكُون هِيَ الزَّادَ، قال تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} البقرة:197.
والِاسْتِعْدَاد يَعْنِي: أَنْ تَمْلأَ حَيَاتَكَ بِالنَّوَافِلِ، وَتُحَافِظَ عَلَى الفَرَائِضِ، وَتَجْعَلَ ذِكْرَ اللهِ أُنْسَاً لَكَ، حَتَّى إِذَا نَزَلَ بِكَ المَوْتُ، كُنْتَ مِمَّنْ يُحِبُّونَ لِقَاءَ اللهِ، فَيُحِبُّ اللهُ لِقَاءَهُمْ، ففي الصحيحين: (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ». فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ فَقَالَ «لَيْسَ كَذَلِكِ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ».
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (الِاسْتِعْدَادُ لِلرَّحِيلِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قال الله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} المؤمنون:115، وفي سنن الترمذي: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ اذْكُرُوا اللَّهَ جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ».
فاعْلَمُوا أَنَّ الدُّنْيَا “دَارُ نَقْلَةٍ” وَلَيْسَتْ “دَارَ خُلُودٍ”، ونَحْنُ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ كَمَسَافِرٍ اسْتَظَلَّ بِظِلِّ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا، فتَأَمَّلُوا فِي أَحْوَالِكُمْ؛ فكُلُّ نَفَسٍ يخرجُ مِنَّا هُوَ خُطْوَةٌ نَحْوَ القبر، وَكُلُّ شَعْرَةٍ بَيْضَاءَ تَنْبُتُ فِي رُؤُوسِنَا هِيَ “نَذِيرُ الرَّحِيلِ”، يَقُولُ سُبْحَانَهُ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} فاطر:5. فالغَرُورُ أَنْ نَنْشَغِلَ بِـ “تَحْسِينِ المَنْزِلِ” وَنَنْسَى “تَجْهِيزَ الرَّحِيلِ”، ونَبْنِي قُصُورَاً لَنْ نَسْكُنَهَا، وَنَجْمَعُ أَمْوَالاً لَنْ نَنْفَقَهَا، وَنَأْمُلُ آجَالاً لَنْ نَبْلُغَهَا،
لقد كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَقُولُ: “كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ.. وَالمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ”. وَكَانَ عُمَرُ يَنْقُشُ عَلَى خَاتَمِهِ: “كَفَى بِالمَوْتِ وَاعِظَاً يَا عُمَرُ”. وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ إِذَا أَمْسَى قَالَ: “نَفْسِي.. لَا تَنْتَظِرِي الصَّبَاحَ”، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ: “نَفْسِي.. لَا تَنْتَظِرِي المَسَاءَ”.
وهَؤُلَاءِ لَمْ يَكُونُوا مُتَشَائِمِينَ، بَلْ كَانُوا “أَذْكِيَاءَ”؛ أَدْرَكُوا أَنَّ الزَّادَ قَلِيلٌ، وَأن السَّفَرَ طَوِيلٌ، وَالمَوْقِفَ عِظِيمٌ، فكَانُوا يَعْمَلُونَ لِلدُّنْيَا بِقَدْرِ بَقَائِهِمْ فِيهَا، وَيَعْمَلُونَ لِلآخِرَةِ بِقَدْرِ خُلُودِهِمْ فِيهَا، فَهَلْ نَحْنُ عَلَى أَثَرِهِمْ؟، أَمْ غَرَّتْنَا الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ؟.
إِنَّ الِاسْتِعْدَادَ لِلرَّحِيلِ يُثْمِرُ فِي القَلْبِ “قِصَرَ الأَمَلِ”، وَ “زُهْدَاً فِي الحَرَامِ”، ومَنْ عَلِمَ أَنَّهُ رَاحِلٌ، فلَا يَظْلِم، وَلَا يَكْذِب، وَلَا يَحْسِد، فكَيْفَ يَحْسِدُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا فِي الدُّنْيَا تُرَابٌ؟، وكَيْفَ يَكْنِزُ المَالَ مِنَ الحَرَامِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ كَفَنَهُ بِلَا جُيُوبٍ؟، فإِنَّ ذِكْرَ المَوْتِ مَا ذُكِرَ فِي كَثِيرٍ إِلَّا قَلَّلَهُ، وَلَا فِي قَلِيلٍ إِلَّا كَثَّرَهُ.
ومن الاستعداد للرحيل: أن تجْعَلُوا لَكُمْ “خَبِيئَةً” مِن عَمَل صَّالِح، تَنْفَعُكُمْ عِنْدَ الرَّحِيلِ، من صَدَقَة جَارِيَة، أو عِلْم يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَد صَالِح يَدْعُو لَكُمْ، فهَذِهِ هِيَ الِاسْتِثْمَارَاتُ الحَقِيقِيَّةُ، الَّتِي تَبْقَى حِينَ تَنْقَطِعُ الأَنْفَاسُ، وَتَذَكَّرُوا أَنَّ المَوْتَ لَيْسَ نِهَايَةً، بَلْ هُوَ بِدَايَةٌ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، فَمَنْ زَرَعَ هُنَا، حَصَدَ هُنَاكَ.
فاِسْتَعِدُّوا لِلِّقَاءِ، فَإِنَّ اللِّقَاءَ قَرِيبٌ، فاللَّهُمَّ أَيْقِظْ قُلُوبَنَا مِنْ غَفْلَتِهَا، واجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ، وَالحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وارْزُقْنَا حُسْنَ الخِتَامِ، وثَبِّتْنَا عِنْدَ السُّؤَالِ، وَآمِنَّا يَوْمَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
الدعاء
