خطبة عن (حِزْبُ اللَّهِ وَحِزْبُ الشَّيْطَانِ)
يناير 18, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (لاَ تَكُنْ مِثْلَ فُلاَنٍ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} [النحل:92]. وروى البخاري في صحيحه: (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ – رضي الله عنهما – قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «يَا عَبْدَ اللَّهِ، لاَ تَكُنْ مِثْلَ فُلاَنٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ».
إخوة الإسلام
عِنْوَانُ خُطْبَتِنَا اليَوْمَ نِدَاءٌ نَبَوِيٌّ خَالِدٌ، وَوَصِيَّةٌ جَامِعَةٌ لِمَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ: «لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ» وهذه الوصية لَيْسَتْ مُجَرَّدَ قِصَّةٍ عَنْ رَجُلٍ مَجْهُولٍ، بَلْ هِيَ تَحْذِيرٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أَنْ يَقَعَ فِي فخِّ “الِانْتِكَاسِ” بَعْدَ الإِقْبَالِ، وَفِي مَرَضِ “الفُتُورِ” بَعْدَ الحَمَاسِ. فَقَدْ كَانَ “فُلَانٌ” هَذَا صَاحِبَ هِمَّةٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، وَيُجَافِي جَنْبَهُ عَنِ المَضَاجِعِ، وَيُنَاجِي رَبَّهُ فِي السَّحَرِ، ولَكِنَّهُ تَرَاخَى، ثُمَّ تَكَاسَلَ، ثُمَّ انْقَطَعَ، فَجَاءَ التَّحْذِيرُ النَّبَوِيُّ، لِيُعَلِّمَنَا أَنَّ العِبْرَةَ لَيْسَتْ بِالبِدَايَاتِ المُحْرِقَةِ فَحَسْبُ، بَلْ بِالنِّهَايَاتِ المُشْرِقَةِ، وَليعلمنا أَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ،
وَجَاءَ التَّحْذِيرُ النَّبَوِيُّ لِيُعَلِّمَنَا أَنَّ مَطْلَبَ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى الطَّاعَةِ هُوَ أَشْرَفُ مَقَامَاتِ العُبُودِيَّةِ، وَإِنَّ المُدَاوَمَةَ عَلَى العَمَلِ الصَّالِحِ -وَإِنْ قَلَّ- هِيَ السَّبِيلُ لِنَيْلِ مَحَبَّةِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، فَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: «لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ» دَرْسٌ بَلِيغٌ فِي خُطُورَةِ النُّكُوصِ عَنِ الخَيْرِ، وَالتَّرَاجُعِ عَنِ الفَضَائِلِ بَعْدَ اعْتِيادِهَا، فالنَفْس مَطْبُوعَةٌ عَلَى التَّقَلُّبِ، ولَكِنَّ الفَوْزَ لِمَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ قَدَمُهُ عَلَى صِرَاطِ اللهِ، فَلَمْ تَهْزِزْهَا رِيَاحُ التَّكَاسُلِ، وَلَمْ تُعْطِلْهَا غُيُومُ الفُتُورِ.
أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ
«لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ»: تَأَمَّلُوا فِي هَذِهِ النَّصِيحَةِ النَّبَوِيَّةِ؛ فَهي تحذرنا من ترك الطاعة بعد الاجتهاد، فَإِنَّ تَرْكَ الطَّاعَةِ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهَا دَلِيلٌ عَلَى خَلَلٍ فِي العَزِيمَةِ، أَوْ رُكُونٍ إِلَى الدُّنْيَا، فاحذر أَيُّهَا الـمُؤْمِنُ أَن تَبْنِي ثُمَّ تَهْدِمُ، أو تُقْبِلُ عَلَى اللهِ أَيَّامًا، ثُمَّ تَهْجُرُ بَابَهُ أَعْوَامًا، فإِنَّ الخَيْرَ كُلَّ الخَيْرِ فِي الدَّيْمُومَةِ، كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- في وصف عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كَانَ عَمَلُهُ ﷺ دِيمَةً” [رواه البخاري]، أَيْ: مُسْتَمِرًّا كَالـمَطَرِ الدَّائِمِ، فالنَّجَاةُ فِي الثَّبَاتِ، وَالـمُصِيبَةُ فِي الِارْتِدَادِ إِلَى كَسَلِ العَادَاتِ.
واعلموا أنَّ لِلتَّكَاسُلِ عَنِ الطَّاعَاتِ أَسْبَابًا، يَنْبَغِي الحَذَرُ مِنْهَا: فَمِنْهَا طُولُ الأَمَلِ، وَالغَفْلَةُ عَنْ هَادِمِ اللَّذَّاتِ، وَمُخَالَطَةُ أَهْلِ الدُّنْيَا الذِينَ يُزَهِّدُونَ فِي الآخِرَةِ، فكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ كَانَ يَحْفَظُ القُرْآنَ فَهَجَرَهُ، وَكَمْ مِنْ شَابٍّ كَانَ يَشْهَدُ الصَّلَوَاتِ فِي الجَمَاعَةِ فَفَقَدَتْهُ الـمَسَاجِدُ!، فهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ يُقَالُ لَهُمْ: «لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ»، فإِنَّمَا تُؤْتَى النُّفُوسُ مِنْ قِبَلِ عُجْبِهَا بِأَعْمَالِهَا، فَتَفْتُرُ، أَوْ مِنْ قِبَلِ ذُنُوبٍ تَرَاكَمَتْ، فَثَقُلَتْ بِهَا الأَبْدَانُ عَنِ الـمَحَارِيبِ، قَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} (16) الحديد،
«لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ»: فالمُدَاوَمَة عَلَى الطَّاعَةِ هِيَ حِصْنُكَ مِنَ الفِتَنِ؛ فَإِذَا اعْتَدْتَ القِيَامَ، أوَ الصِّيَامَ، أوَ الذِّكْرَ، وصَارَتْ هَذِهِ الأَعْمَالُ لَكَ سِيَاجًا يَمْنَعُكَ مِنَ الوُقُوعِ فِي المُحَرَّمَاتِ، فداوم عليها، فكَيْفَ تَرْضَى لِنَفْسِكَ النُّقْصَانَ بَعْدَ التَّمَامِ؟، فإِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُدَاوِمِينَ، وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» [رواه البخاري]. فَالقَلِيلُ الـمُسْتَمِرُّ خَيْرٌ مِنَ الكَثِيرِ الـمُنْقَطِعِ، لِأَنَّ القَلِيلَ الـمُسْتَمِرَّ يُبْقِي القَلْبَ حَيًّا، مُتَّصِلًا بِخَالِقِهِ، مُسْتَعِدًّا لِلِقَائِهِ، فَاجْعَلُوا لَكُمْ أَوْرَادًا لَا تَحِيدُونَ عَنْهَا، وَعَزَائِمَ لَا تَنْثَنُونَ دُونَهَا.
أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99]. وَفي الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا لَنْ يُدْخِلَهُ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» [رواه البخاري]، فـ «لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ»: فَالعُمُرُ يَنْطَوِي بِنَا سَرِيعًا، والثَّبَات مَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ هُوَ عُنْوَانُ الصِّدْقِ، ولَا تَكُنْ مِمَّنْ يَسْبِقُ فِي البِدَايَاتِ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ فِي الـمُنْتَصَفِ، فالنَّجَاةُ -عِبَادَ اللهِ- فِي أَنْ نَكُونَ مَعَ اللهِ فِي كُلِّ حَالٍ؛ فِي الشَّبَابِ وَالهَرَمِ، وفِي الغِنَى وَالفَقْرِ، وفِي الصِّحَّةِ وَالمَرَضِ، فإِنَّ فُلَانًا الذِي تَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ خَسِرَ لَذَّةً لَا تَعْدِلُهَا لَذَّةُ الدُّنْيَا، فَلَا تَخْسَرْ مَكَانَكَ عِنْدَ اللهِ، بِسَبَبِ سَاعَةِ كَسَلٍ، أَوْ غَفْلَةِ هَوَى.
أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ
ومِمَّا يُعِينُ عَلَى المُدَاوَمَةِ: الِاقْتِصَادُ فِي العَمَلِ بِحَيْثُ لَا تَكُدُّ ولا تكلف نَفْسَكَ بِمَا لَا تُطِيقُ فَتَمَلُّ، ففي صحيح البخاري: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو – رضي الله عنهما – عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ». قَالَ أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا» فَقَالَ «اقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ». قَالَ إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ. فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ فِي ثَلاَثٍ)، وفي الصحيحين: (أن عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ – رضى الله عنهما – قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «يَا عَبْدَ اللَّهِ أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ». فَقُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «فَلاَ تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ». فَشَدَّدْتُ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً. قَالَ «فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَلاَ تَزِدْ عَلَيْهِ». قُلْتُ وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ – عَلَيْهِ السَّلاَمُ – قَالَ «نِصْفَ الدَّهْرِ». فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم).
ومِمَّا يُعِينُ عَلَى المُدَاوَمَةِ: دُعَاءُ اللهِ بِالثَّبَاتِ، فقد كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النبي ﷺ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» [رواه الترمذي]. وما يعين على المداومة: قضاء الفوائت: فإذا فاتك ورد من الليل أو عمل، فاقضِهِ في وقت لاحق، فإن أجر القضاء كأجر الأداء، وهذا يُعين على عدم ترك الشيء بالكلية، ففي مسند أحمد: (أن النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ وِرْدِهِ – أَوْ قَالَ مِنْ جُزْئِهِ – مِنَ اللَّيْلِ فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلاَةِ الْفَجْرِ إِلَى الظُّهْرِ فَكَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنْ لَيْلَتِهِ»، وفي سنن الدارمي: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ فَاتَهُ الْوِتْرُ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَقْضِهِ مِنَ الْغَدِ ».
ومِمَّا يُعِينُ عَلَى المُدَاوَمَةِ: تنويع الطاعات: فلا تقتصر على نوع واحد من العبادة، فالتنويع بين الصيام، والصلاة، والصدقة، وغيرها، يجعل العبادة أسهل وأكثر استمرارًا، كما ورد في قصة أبي بكر الصديق، ففي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا». قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه أَنَا. قَالَ «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً ». قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه أَنَا. قَالَ «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا». قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه أَنَا. قَالَ «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا». قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه أَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ».
ومِمَّا يُعِينُ عَلَى المُدَاوَمَةِ: مصاحبة الصالحين: فخالط أهل الخير الذين يذكرونك بالله، ويشجعونك على الطاعة، وابتعد عن رفقاء السوء، ففي الصحيحين: (عَنْ أَبِي مُوسَى – رضي الله عنه – عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً»، وفي سنن الترمذي: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ».
ومِمَّا يُعِينُ عَلَى المُدَاوَمَةِ: تذكر الموت والآخرة: فالتفكر في قرب الأجل، ولقاء الله تعالى، يجعلك أكثر جدية في الطاعة، ففي سنن الترمذي: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ». يَعْنِى الْمَوْتَ)، فَجَدِّدُوا العَهْدَ مَعَ رَبِّكُمْ، وَتَمَسَّكُوا بِخُطَى الصَّالِحِينَ السَّابِقِينَ، وَلْتَكُنْ هِمَّتُكُمْ مَوْصُولَةً بِالسَّمَاءِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (لاَ تَكُنْ مِثْلَ فُلاَنٍ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
«لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ»: فلِمَاذَا يَنْكُصُ البَعْضُ عَلَى أَعْقَابِهِمْ؟، ولِمَاذَا نَرَى المَسَاجِدَ تَعْمُرُ فِي مَوَاسِمِ الطَّاعَاتِ ثُمَّ تَهْجُرُ؟، إِنَّ الآفَةَ تَكْمُنُ فِي “الغُرُورِ بِالعَمَلِ”، أَوْ فِي “مُجَالَسَةِ أَهْلِ الغَفْلَةِ”، أَوْ فِي “إِتْعَابِ النَّفْسِ فَوْقَ طَاقَتِهَا” حَتَّى تَمَلَّ وَتَنْفِرَ، فالمُدَاوَمَةُ عَلَى الطَّاعَةِ هِيَ شِعَارُ المُؤْمِنِ الصَّادِقِ، وهِيَ الَّتِي تَبْنِي السَّدَّ المَنِيعَ أَمَامَ الشَّهَوَاتِ، فحِينَ تُدَاوِمُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، أَوْ صِيَامِ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ، أَوْ وِرْدٍ مِنَ القُرْآنِ، فَأَنْتَ فِي “رِبَاطٍ” دَائِمٍ مَعَ اللهِ، أَمَّا الِانْقِطَاعُ، فَهُوَ فَتْحُ ثُغْرَةٍ لِلشَّيْطَانِ، لِيُعِيدَكَ إِلَى مَاشِئْتَ مِنَ الغَيِّ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران:200].
«لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ»: فقد أمر الله تعالى نبيه بالاستقامة، فقال تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ} هود:112. فإنَّ الطَرِيقَ إلى الجَنَّةِ مَسَافَةٌ طَوِيلَةٌ، لَا تُقْطَعُ بِالرَّكْضِ السَّرِيعِ، ثُمَّ السُّقُوطِ، بَلْ بِالخُطَى الثَّابِتَةِ الرَّزِينَةِ، و “أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا” ، وفي مسند أحمد: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ فَكَانَ لاَ يَأْتِيهَا كَانَ يَشْغَلُهُ الصَّوْمُ وَالصَّلاَةُ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ «صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ». قَالَ إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى قَالَ لَهُ «صُمْ يَوْماً وَأَفْطِرْ يَوْماً». وَقَالَ لَهُ «اقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ». قَالَ إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ «اقْرَأْهُ فِي كُلِّ خَمْسَ عَشْرَةَ». قَالَ إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ « اقْرَأْهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ». حَتَّى قَالَ «اقْرَأْهُ فِي كُلِّ ثَلاَثٍ». وَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَةً وَلِكُلِّ شِرَةٍ فَتْرَةً فَمَنْ كَانَتْ شِرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ »
«لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ»: فعليكم بِالقَصْدِ وَالِاعْتِدَالِ؛ كَمَا في الصحيحين: قَالَ صلى الله عليه وسلم: «خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ»، فَإِنَّ تَرْكَ الطَّاعَةِ بَعْدَ اعْتِيَادِهَا هُوَ نَوْعٌ مِنْ “عُقُوبَةِ اللهِ” لِلْعَبْدِ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْكُرِ النِّعْمَةَ حَقَّ شُكْرِهَا، فَاشْكُرُوا اللهَ عَلَى تَوْفِيقِهِ لَكُمْ لِلصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ بِالِاسْتِمْرَارِ فِيهِمَا، وفي مسند أحمد: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ ذُكِرَ لَرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- رِجَالٌ يَنْصِبُونَ فِي الْعِبَادَةِ مِنْ أَصْحَابِهِ نَصَباً شَدِيداً. قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «تِلْكَ ضَرَاوَةُ الإِسْلاَمِ وَشِرَتُهُ وَلِكُلِّ ضَرَاوَةٍ شِرَةٌ وَلِكُلِّ شِرَةٌ فَتْرَةٌ فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلأُمٍّ مَا هُوَ وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى مَعَاصِي اللَّهِ فَذَلِكَ الْهَالِكُ»
فاللَّهُمَّ يَا مُثَبِّتَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، وأَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، ولَا تَجْعَلْنَا مِثْلَ فُلَانٍ الذِي نَقَضَ غَزْلَهُ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا، واجْعَلْ حياتنا اسْتِقَامَة وَثَبَات وَيَقِين.
الدعاء
