خطبة عن (انتبه: فالله يختبرك فيما آتاك)
يناير 21, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) (38) الزمر، وقال تعالى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) (129) التوبة، وفي صحيح البخاري: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِىَ فِي النَّارِ حَسْبيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)، وفي سنن أبي داود وغيره: (عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ. فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ».
إخوة الإسلام
قوله تعالى: (حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ): عِنْوَانُ خُطْبَتِنَا اليَوْمَ لَيْسَ مُجَرَّدَ ذِكْرٍ نُرَدِّدُهُ بِالأَلْسِنَةِ، بَلْ هُوَ “قَانُونُ النَّصْرِ” وَ “سِيَاجُ الأَمَانِ”، فحِينَ تَقُولُ: “حَسْبِيَ اللهُ”، فَأَنْتَ تُعْلِنُ بِكُلِّ ثِقَةٍ أَنَّ اللهَ وَحْدَهُ “كَافِيَّ”، وَأَنَّ قُوَّتَهُ فَوْقَ كُلِّ قُوَّةٍ، وَأَنَّ تَدْبِيرَهُ يَغْلِبُ كُلَّ كَيْدٍ.
وَحِينَ تَقُولُ: “وَنِعْمَ الوَكِيلُ”، فَأَنْتَ تُسَلِّمُ زِمَامَ أُمُورِكَ لِمَنْ لَا تَضِيعُ عِنْدَهُ الوَدَائِعُ، لِلْقَوِيِّ الَّذِي لَا يُغْلَبُ، وَلِلْعَلِيمِ الَّذِي لَا يَغْفَلُ.
(حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ): إِنَّهَا كَلِمَةُ الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ الخَلْقِ، وَالِالْتِجَاءِ الصَّادِقِ إِلَى الخَالِقِ، وهَذِهِ الكَلِمَةَ نَقُولُهَا حِينَ تَضِيقُ بِنَا الدُّنْيَا بِمَا رَحُبَتْ، ونَقُولُهَا حِينَ يَتَكَالَبُ الأَعْدَاءُ، وَحِينَ يُظْلَمُ المَظْلُومُ وَلَا جَابِرَ لَهُ إِلَّا اللهُ، ونَقُولُهَا حِينَ تَنْسَدُّ الأَبْوَابُ فِي وُجُوهِنَا، فَنَطْرُقُ بَابَ السَّمَاءِ بِيَقِينِ “حَسْبُنَا اللهُ”.
(حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ): لهجة بها ألسن الأنبياء والرسل (عليهم صلوات الله وسلامه)، ففي الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ: قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالُوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ}» [رواه البخاري]، فالخَلِيل إِبْرَاهِيم (عليه السلام) حين جُرِّدَ مِنْ ثِيَابِهِ، وَوُضِعَ فِي المَنْجَنِيقِ، وَالنَّارُ تَضْطَرِمُ أَمَامَهُ، وَجَاءَهُ جِبْرِيلُ يَسْأَلُهُ: “أَلَكَ حَاجَةٌ؟”، فَكَانَ الجَوَابُ القَاطِعُ: «أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا، وَأَمَّا إِلَى اللهِ فَنَعَمْ.. حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ». وهُنَا تَغَيَّرَتْ قَوَانِينُ الكَوْنِ، وَصَدَرَ الأَمْرُ الإِلَهِيُّ:{قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} الأنبياء: (69)،
ورسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، حينما سمعوا بخبر كفار قريش في غزوة أحد، قَالَ اللهُ تَعَالَى عنهم: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَد جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران:173-174].
فكَلِمَة: “حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ” هِيَ كَلِمَةُ الِاسْتِنْصَارِ بِالخَالِقِ، حِينَ تَنْقَطِعُ حِبَالُ الخَلَائِقِ، وَهِيَ مَلَاذُ الخَائِفِينَ، وَسَلْوَى الـمَحْزُونِينَ، و “حَسْبِيَ اللَّهُ” تَعْنِي: اللهُ كَافِيَّ، فَلَا أَحْتَاجُ لِغَيْرِهِ، وَ”نِعْمَ الوَكِيلُ” تَعْنِي: نِعْمَ مَنْ فَوَّضْتُ إِلَيْهِ أَمْرِي، وَنِعْمَ مَنْ يَتَوَلَّى شُؤُونِي،
(حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ): إِنَّهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ ذِكْرٍ بِاللِّسَانِ، بَلْ هِيَ عَقِيدَةٌ تَمْلأُ الجَنَانَ، وتَجْعَلُ العَبْدَ يَسِيرُ فِي الأَرْضِ بِقَلْبٍ مُعَلَّقٍ بِالسَّمَاءِ، فلَا يَهَابُ جَبَّاراً، وَلَا يَخْشَى فَقْراً، لِأَنَّهُ اعْتَصَمَ بِالقَوِيِّ العَزِيزِ، وَفي الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ، وَاسْتَمَعَ الْإِذْنَ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ فَيَنْفُخَ؟» فَكَأَنَّ ذَلِكَ ثَقُلَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُمْ: «قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا» [رواه الترمذي وأصله في البخاري].
أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ
فإذا كانت (حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ): هِيَ حِصْنٌ مِنَ الهُمُومِ، وَسِلَاحٌ عَلَى الخُصُومِ، فصبرا أَيُّهَا المَكْرُوبُ، وَأيُّهَا المهموم، وأَيُّهَا المَظلوم، أَتَضِيقُ بِكَ السُّبُلُ وَمَعَكَ مِفْتَاحُ الكِفَايَةِ؟، أَتَلْجَأُ إِلَى مَخْلُوقٍ ضَعِيفٍ مِثْلِكَ وَرَبُّكَ يَقُولُ: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}؟ الزمر:36،
واعلم أنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الأَسْبَابِ وَحْدَهَا هُوَ عَيْنُ الخِذْلَانِ، وَإِنَّ تَرْكَ الأَسْبَابِ كُلِّيَّةً هُوَ عَيْنُ التَّوَاضُعِ المَذْمُومِ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ يَعْمَلُ بِيَدِهِ وَيَتَوَكَّلُ بِقَلْبِهِ، و “حَسْبِيَ اللَّهُ” تَقُولُهَا حِينَ تَنْسَدُّ أَمَامَكَ الأَبْوَابُ، فَتُفْتَحُ لَكَ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فالنَّجَاةُ فِي التَّفْوِيضِ، وَالعِزَّةُ فِي الِافْتِقَارِ إِلَى المَلِكِ الجَبَّارِ.
والله تعالى هو “نِعْمَ الوَكِيلُ”: فهُوَ مَنْ يَقُومُ بِمَصَالِحِكَ حِينَ تَعْجِزُ أَنْتَ عَنْهَا، وَهُوَ الذِي يَدْفَعُ عَنْكَ مَا لَا طَاقَةَ لَكَ بِهِ، فكَمْ مِنْ مِحْنَةٍ انْقَلَبَتْ بِمِنْحَةٍ بِفَضْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ!، وَكَمْ مِنْ كَيْدٍ رَدَّهُ اللهُ فِي نُحُورِ الكَائِدِينَ حِينَ رُفِعَتْ صَيْحَةُ “حَسْبُنَا اللَّهُ”!،
فكَيْفَ تَخْشَى غَدًا وَاللهُ هُوَ مَالِكُ الغَدِ؟، فإِنَّ عَدَمَ اليَقِينِ بِكِفَايَةِ اللهِ يُورِثُ ذُلَّ النَّفْسِ وَاضْطِرَابَ القَلْبِ، ولَقَدْ عَلَّمَنَا القُرْآنُ أَنَّ الجَزَاءَ عَلَى هَذِهِ الكَلِمَةِ عَظِيمٌ، فقال تعالى: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} [آل عمران:174]. فهَذَا هُوَ الضَّمَانُ الإِلَهِيُّ لِكُلِّ مَنْ فَوَّضَ وَتَوَكَّلَ.
أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ
(حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ): فإِنَّ مَيْدَانَ هَذِهِ الكَلِمَةِ لَيْسَ فِي الرَّخَاءِ فَحَسْبُ، بَلْ عِنْدَ اشْتِدَادِ الخُطُوبِ، فإِذَا قَلَّ المَالُ، وإِذَا تَكَالَبَ الأَعْدَاءُ، وإِذَا غَلَبَكَ المَرَضُ، وإِذَا ظُلِمْتَ وَلَا نَاصِرَ لَكَ؛ فَقُلْ “حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ”، فَهِيَ بَرِيدُ النَّصْرِ، وَعُنْوَانُ الفَرَجِ، وَإِنَّمَا يُسْلَبُ العَبْدُ الكِفَايَةَ حِينَ يَرْكَنُ إِلَى حَوْلِهِ وَطَوْلِهِ، فَيَكِلُهُ اللهُ إِلَى ضَعْفِهِ،
(حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ): فَاجْعَلُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ هِيَ ذُخْرَكُمْ فِي كُلِّ حَالٍ، وَلْتَكُنْ شِعَارَكُمْ فِي الصَّبَاحِ وَالـمَسَاءِ، فَمَنْ كَانَ اللهُ حَسْبَهُ فَقَدْ أَدْرَكَ الخَيْرَ كُلَّهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق:3]. وَفي الحديث: (عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ الـمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» [رواه أبو داود].
ونَحْنُ في هذا الزمان، وفي تلك المرحلة، التي يمر بها العالم العربي، والأمة الإسلامية جمعاء، وَالعَالَمُ مِنْ حَوْلِنَا يَمُوجُ بِتَحَدِّيَاتٍ، لَا يَعْلَمُ مَدَاهَا إِلَّا اللهُ، فَمَا أَحْوَجَنَا أَنْ نُعِيدَ لِقُلُوبِنَا سَكِينَةَ التَّوَكُّلِ!، “فاللهُ يَلُومُ عَلَى العَجْزِ”؛ فَلَا تَتَقَاعَسْ، وَلَا تَيْئَسْ، وَلَا تَقُلْ “لَا فَائِدَةَ”، ولكن اعْمَلْ وَاجْتَهِدْ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ لَا قُدْرَةَ لَكَ عَلَيْهِ، فَهِيَ سَاعَةُ الفَرَجِ بِقَوْلِكَ “حَسْبِيَ اللَّهُ”، فهَذِهِ الكَلِمَةُ لَيْسَتْ لِلْعَاجِزِينَ الـمُتَوَاكِلِينَ، بَلْ هِيَ لِلـمُؤْمِنِينَ الـمُكَافِحِينَ، الذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ.
(حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ): فاجْعَلُوها نُورًا فِي حَيَاتِكُمْ؛ وفِي تَرْبِيَةِ أَوْلَادِكُمْ، وفِي طَلَبِ أَرْزَاقِكُمْ ،وفِي الثَّبَاتِ عَلَى دِينِكُمْ، فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ تَوَكَّلَ عَلَيْكَ فَكَفَيْتَهُ، وَاسْتَنْصَرَ بِكَ فَنَصَرْتَهُ، واكْفِنَا هَمَّ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاجْعَلْنَا فِي ضَمَانِكَ وَأَمَانِكَ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
(حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ): إنها لَيْسَتْ كَلِمَةَ عَجْزٍ، بَلْ هِيَ ذُرْوَةُ الإِيجَابِيَّةِ، فهِيَ تَعْنِي أَنَّنِي بَذَلْتُ سَبَبِي، ثُمَّ تَرَكْتُ التَّدْبِيرَ لِرَبِّي، فالمَظْلُومُ حِينَ يَقُولُهَا، يَفْتَحُ اللهُ لَهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ ففي سنن الترمذي وغيره: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ وَالإِمَامُ الْعَادِلُ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الْغَمَامِ وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ»، فهَذِهِ الكَلِمَةَ هِيَ “سِلَاحُ الأَعْزَلِ” وَ “قُوَّةُ المُسْتَضْعَفِ” فَاحْذَرُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- دَعْوَةَ المَظْلُومِ حِينَ يَقُولُ: “حَسْبِيَ اللهُ فِيكَ”، فَهِيَ رَصَاصَةٌ لَا تُخْطِئُ مَرْمَاهَا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ ثَمَرَةَ قَوْلِ “حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ” جَاءَتْ فِي القُرْآنِ صَرِيحَةً: {فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} [آل عمران:174]. فهَذِهِ هِيَ النَّتِيجَةُ الحَتْمِيَّةُ لِكُلِّ مَنْ فَوَّضَ أَمْرَهُ لِلهِ؛ كِفَايَةٌ تَامَّةٌ، وَفَضْلٌ زَائِدٌ، وَوِقَايَةٌ مِنَ السُّوءِ.
(حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ): تَقُولُهَا قُلُوبُنَا قَبْلَ أَلْسِنَتِنَا، فالتَّوَكُّلُ الحَقِيقِيُّ هُوَ أَنْ يَهْدَأَ بَالُكَ، وَأن يَسْكُنَ رَوْعُكَ، لِأَنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ الوَكِيلَ هُوَ اللهُ، فهَلْ رَأَيْتُمْ أَحَداً وَكَّلَ مُحَامِياً قَوِيّاً ثُمَّ بَقِيَ قَلِقاً؟، فَكَيْفَ بِمَنْ وَكَّلَ رَبَّ العَالَمِينَ؟.
(حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ): قُولُوهَا بِيَقِينِ الصَّادِقِينَ، تَرَوْا مَعَالِمَ الفَرَجِ وَنُورَ المَخْرَجِ، فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ تَوَكَّلَ عَلَيْكَ فَكَفَيْتَهُ، وَاسْتَنْصَرَكَ فَنَصَرْتَهُ، فأَنْتَ حَسْبُنَا فِي كُلِّ كَرْبٍ، وَأَنْتَ وَكِيلُنَا فِي كُلِّ أَمْرٍ، واكْفِنَا هَمَّ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَاجْعَلْ عَاقِبَةَ أُمُورِنَا خَيْراً.
الدعاء
