خطبة عن (حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)
يناير 22, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (22): (26) المطففين. (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ -يَعْنِي سَوْطَهُ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» [رواه البخاري].
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع قوله تعالى: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (26) المطففين، فإنَّ المتأمّلَ في أحوالِ الخلقِ، يجدُ صِراعاً محموماً، وتكالبًا عجيبًا، على لُعاعةٍ من الدنيا الفانية، فيَتَنافسُ النَّاسُ في مَراكِبِهم، وفي مَساكِنِهم، وفي أرصدَتِهم، بل ويَتَفاخرونَ في مَطاعِمِهم، ومَلابِسِهم، وهَذَا يَتَنَافَسُ فِي جَمْعِ الحُطَامِ، وَذَاكَ يَتَنَافَسُ فِي عُلُوِّ البُنْيَانِ، وَآخَرُ فِي الجَاهِ وَالسُّلْطَانِ،
وَلَكِنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ جَاءَ لِيُصَحِّحَ لنا وِجْهَةَ هَذَا التَّنَافُسِ، وأن يكون في الدرجات العالية في جنات النعيم، فَقَالَ تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}. وفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ مِنَ الأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لاَ يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ. قَالَ «بَلَى وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ».
فقوله تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}: أَيْ: فِي ذَلِكَ النَّعِيمِ الَّذِي لَا يَنْفَدُ، وَتِلْكَ المَنَازِلِ العَالِيَةِ الَّتِي لَا تَزُولُ، فَلْتَشْرَئِبَّ الأَعْنَاقُ، وَلْتَنْبَعِثِ الهِمَمُ، فالتَّنَافُس فِي الدُّنْيَا يُورِثُ الحَسَدَ وَالتَّدَابُرَ، أَمَّا التَّنَافُسُ فِي الآخِرَةِ فَيُورِثُ الصَّفَاءَ، وَالقُرْبَ مِنَ اللهِ،
فاللهَ -عزَّ وجلَّ- الَّذي خَلَقَ هَذِهِ النُّفوسَ، ويَعلمُ ما فِيهَا مِنْ حُبِّ الظُّهورِ والاسْتِباقِ، أرادَ لَهَا مَيْداناً لا يَضيق، وهَدَفاً لا يَفنى، فَنَادَاها: {وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}، أَتَدْري مَا معنى “ذَلِكَ” في الآيةِ؟، إنَّها إِشارةٌ لِكُلِّ مَا سَبَقَ ذِكرُهُ مِنْ “عِلِّيِّينَ”، ومِنَ “النَّعيمِ” المُقيم، ومِنَ “الرَّحيقِ المَختوم” الَّذي خِتامُهُ مِسك، فاللهُ يَدعوكَ لِتُسابِقَ لا لِتَجمَعَ دِرهماً، بل لِتَكونَ رفيقاً لِلمَلَكِ العَلَّام، ولِتَكونَ جاراً لِلنَّبيِّ العَدنان (عليه الصلاة والسلام)، في جَنَّاتٍ ونَهَر، فِي مَقعَدِ صِدقٍ عِندَ مَليكٍ مُقتَدِر.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي أَحْوَالِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، كَيْفَ فَهِمُوا هَذِهِ الآيَةَ: ففي سنن الترمذي: (أن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ نَتَصَدَّقَ فَوَافَقَ ذَلِكَ عِنْدِي مَالاً فَقُلْتُ الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا قَالَ فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ». قُلْتُ مِثْلَهُ وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ». قَالَ أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قُلْتُ وَاللَّهِ لاَ أَسْبِقُهُ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا)،
وفي صحيح مسلم: (قَالَ رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الأَسْلَمِيُّ كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي «سَلْ». فَقُلْتُ أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ «أَوَغَيْرَ ذَلِكَ». قُلْتُ هُوَ ذَاكَ. قَالَ «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». فرَبيعةُ لم يَسأل قَصراً ولا مالاً، بَل نَافَسَ على القُربِ النَّبويِّ في الآخِرة، وهَكذا تَكونُ الهِمَمُ، وهكذا يَكونُ التَّنافُسُ!
وفي مسند أحمد: (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «سَلْنِي أُعْطِكَ». قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْظِرْنِي أَنْظُرْ فِي أَمْرِي. قَالَ «فَانْظُرْ فِي أَمْرِكَ». قَالَ َنَظَرْتُ فَقُلْتُ إنَّ أَمْرَ الدُّنْيَا يَنْقَطِعُ فَلاَ أَرَى شَيْئاً خَيْراً مِنْ شَيْءٍ آخُذُهُ لِنَفْسِي لآخِرَتِي فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ «مَا حَاجَتُكَ». فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْفَعْ لِي إِلَى رَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ فَلْيُعْتِقْنِي مِنَ النَّارِ. فَقَالَ «مَنْ أَمَرَكَ بِهَذَا». فَقُلْتُ لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَمَرَنِي بِهِ أَحَدٌ وَلَكِنِّي نَظَرْتُ فِي أَمْرِي فَرَأَيْتُ أَنَّ الدُّنْيَا زَائِلَةٌ مِنْ أَهْلِهَا فَأَحْبَبْتُ أَنْ آخُذَ لآخِرَتِي. قَالَ «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ»
ومن التَّنَافُس الشَّرِيف: أَنْ يَرَى العَبْدُ غَيْرَهُ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ فِي صَلَاةٍ، أَوْ حِفْظِ قُرْآنٍ، أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ، فَيَأْخُذَهُ الغَارُ الإِيمَانِيُّ لِيَلْحَقَ بِالرَّكْبِ، فالتَّنافُسَ الشَّرعيَّ يَقومُ على عُلوِّ الهِمَّة، والمُتَنافِسُ الحَقيقيُّ هُوَ مَن لا يَرضى بالدُّون، بَل يَسعى لِلفِردوسِ الأَعلى،
فأينَ نَحنُ مِنْ تَنَافُسِ العِبَادِ الزُّهَّاد؟، فقد كَانَ أَحَدُهُم إِذا رَأى جارَهُ يُطيلُ السُّجود، بَكَى وقَال: “أَتَظُنُّونَ أَنَّكُم سَبقتُمونا إِلى الله؟، واللهِ لَنُزاحِمَنَّكُم عَليهِ زِحَاماً، حتَّى تَعلموا أَنَّكُم خَلَّفتُم وراءَكُم رِجَالاً”، وكَانَ الفُضيلُ بنُ عِياض يَقُول: “إِذا رَأيتَ رَجُلاً يَنَافِسُكَ في الدُّنيا فَنافِسهُ في الآخِرة”.
وأَيْنَ التَّنَافُسُ فِي بَرَارِي الطَّاعَاتِ؟، وأَيْنَ المُتَنَافِسُونَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ، حِينَ يَنْقَسِمُ النَّاسُ إِلَى طَائِفَةٍ نَائِمَةٍ، وَطَائِفَةٍ قَائِمَةٍ؟، وأَيْنَ المُتَنَافِسُونَ فِي صَدَقَةِ السِّرِّ؟، وأَيْنَ الَّذِينَ يَحْرِصُونَ عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ؟، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا» [رواه البخاري]. ولَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَتَعَزَّوْنَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِذَا فَاتَتْهُمُ التَّكْبِيرَةُ الأُولَى، فَهَلْ نَحْنُ اليَوْمَ نَتَنَافَسُ عَلَى البَقَاءِ فِي السِّبَاقِ، أَمْ رَضِينَا بِأَنْ نَكُونَ مِنَ الخَوَالِفِ؟،
إِنَّ سِلْعَةَ اللهِ غَالِيَةٌ، وسلعة الله الجنة، وفي سنن ابن ماجه: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ لأَصْحَابِهِ «أَلاَ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لاَ خَطَرَ لَهَا هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلأْلأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ وَقَصْرٌ مَشِيدٌ وَنَهَرٌ مُطَّرِدٌ وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِي مَقَامٍ أَبَدًا فِي حَبْرَةٍ وَنَضْرَةٍ فِي دَارٍ عَالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّةٍ». قَالُوا نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «قُولُوا إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، فَالتَّنَافُس في الجنة يَسْتَوْجِبُ هَجْرَ اللَّذَّاتِ الفَانِيَةِ، والتَّنَافُسُ فيها يَكُونُ بِتَطْهِيرِ القُلُوبِ، وَتَحْسِينِ الأَخْلَاقِ، وَإِغَاثَةِ المَلْهُوفِ، وأَنْ تَمُوتَ وَقَدْ تَرَكْتَ أَثَراً فِي عِبَادِ اللهِ يُذْكَرُ، وَعَمَلاً صَالِحاً يُنْشَرُ، فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ، وَبَادِرُوا بِالأَعْمَالِ قَبْلَ هُجُومِ الآجَالِ.
وَيا مَن تَتَنافَسُونَ عَلى المناصبِ والرُّتَب، أينَ تَنَافُسُكُم عَلى الصَّفِّ الأَول؟، ويا مَن تَتَفاخَرونَ بِكثرةِ الأتباعِ والأموال، أينَ تَفاخُرُكُم بِكثرةِ السَّجداتِ في جَوفِ اللَّيل؟ وأَيُّها التَّاجِرُ، تَنَافَسْ مَعَ اللهِ بِصَدقَةٍ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبّ، وأَيُّها الشَّابُّ، تَنَافَسْ مَعَ أقرانِكَ في حِفظِ آيَةٍ، أَوْ خِدْمَةِ والدٍ، أَوْ كَفالةِ يَتيم.
إنَّ السِّبَاقَ إلى الجنة قد بَدأ، والجَنَّةُ قد أُزلِفت، والمُنادي يُنادي: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران:133]. ولَم يَقُل “امشوا”، بَل قَالَ “سَارِعوا” و “سَابِقوا”، لأنَّ الوَقتَ أَنفَسُ مِن أَنْ يُضَاعَ فِي تَمَهُّلٍ، والآخِرَةُ أَعظَمُ مِن أَنْ يُزاحِمَها فُضولُ النَّومِ والطَّعام.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وتدبروا معي قول اللهُ تَعَالَى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر:32]. فهَذِهِ الآيةَ تَقسِمُ النَّاسَ إِلى ثَلاثِ مَراتِب، وأَعلاها وأَشرفُها هِيَ مَرتبةُ: {سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ}. فَهَل رَضيتَ لِنفسِكَ أَنْ تَكونَ في المُؤخِّرَة؟، لَقَد كَانَ بَعضُ السَّلَفِ يَقُول: “لَو أَنِّي رَأيتُ أَحَداً سَبقَني إِلى اللهِ لَمُتُّ غَمّاً”.
ومن المؤسف أن نرى الناس يتنافسون خَلفَ أسماء وأَخْبارِ المَشاهيرِ، وتَوافِهِ الأُمور، ولكن المُؤمِن الحَقُّ من يَتَركَّضُ خَلفَ رِضوانِ الله، فالتَّنافُس في الدُّنيا يَضيقُ بِمُتَنَافِسيه؛ أَمَّا التَّنافُسُ في الآخِرةِ فَهو سَعَةٌ ورَحمة؛ “فإِنَّ الجَنَّةَ مِائَةُ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ”.
فيا أَيُّها المُسْلِم، لا يَمُرَّنَّ عَلَيكَ يَومٌ إِلا ولَكَ فِيهِ غَرْسٌ في الجَنَّة، أَوْ سَهْمٌ في الخَيرات، فنَافِسْ بِلسانِكَ بالذِّكر، وبِقَلبِكَ بالتَّوكُّل، وبِجَوارِحِكَ بالعَمَل، وكُنْ مِمَّن يُقالُ لَهم يَومَ القِيَامة: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} الحاقة:24.
فَاتَّقُوا اللهَ، واجْعَلوا نُصْبَ أَعيُنِكُم تِلكَ الدَّرَجاتِ العُلى، فإنَّ الرَّجلَ مِن أَهلِ الجَنَّةِ لِيُعطَى مِثلَ الدُّنيا وعَشرَةَ أَمثَالِها، فَمَا بَالُكُم بِمَن سَابَقَ فَقَرُب؟، وما بَالُكُم بِمَن جَاهَدَ فَنَالَ؟.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [الحديد:21]. فَالمُوفَّقُ مَنِ اغْتَنَمَ أَنْفَاسَهُ فِيمَا يُقَرِّبُهُ مِنَ اللهِ، فإِنَّ عُمْرَ الإِنْسَانِ قَصِيرٌ، وَالمَيْدَانَ وَاسِعٌ، فلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَكَ فِي أَمْرِ الدِّينِ، فَتَعْجَبَ بِنَفْسِكَ، بَلِ انْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكَ، لِيَعْلُوَ طُمُوحُكَ، فإِذَا رَأَيْتَ رَجُلاً يَقُومُ اللَّيْلَ، فَقُلْ لِمَ لَا أَكُونُ مِثْلَهُ؟ وإِذَا رَأَيْتَ بَارًّا بِوَالِدَيْهِ، فَنَافِسْهُ فِي البِرِّ،
واعلموا أنَّ التَّنَافُسَ الحَقِيقِيَّ يَظْهَرُ حِينَ تُغْلَقُ الأَبْوَابُ، وَيَنْفَرِدُ العَبْدُ بِرَبِّهِ، فَيُرِيهِ مِنْ صِدْقِهِ مَا لَا يَرَاهُ بَشَرٌ، هُنَاكَ مَيْدَانُ السَّبْقِ! وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ جُمْدَانُ فَقَالَ «سِيرُوا هَذَا جُمْدَانُ سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ». قَالُوا وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ».
واعلموا أنَّ مَيَادِينَ التَّنَافُسِ فِي الْآخِرَةِ مُتَعَدِّدَةٌ: فَمِنْهُمْ مَنْ يُنَافِسُ فِي الصَّدَقَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُنَافِسُ فِي بَرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْبِقُ النَّاسَ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ.
ووَيْحَكَ أَيُّهَا الْمُغْتَرُّ بِالدُّنْيَا!، أَتُسَابِقُ فِي أَمْرٍ إِذَا نِلْتَهُ تَرَكْتَهُ لِغَيْرِكَ، وَتَتْرُكُ السِّبَاقَ فِي أَمْرٍ إِذَا نِلْتَهُ كَانَ لَكَ ذُخْرًا أَبَدِيًّا؟، فإِنَّ الْمُتَنَافِسَ فِي الْآخِرَةِ لَا يَخْسَرُ أَبَدًا، حَتَّى وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ، فَإِنَّ نِيَّتَهُ تُبَلِّغُهُ مَنَازِلَ السَّابِقِينَ، ومِنْ عَظَمَةِ التَّنَافُسِ فِي الدِّينِ أَنَّهُ يَسْمُو بِالرُّوحِ، وَيُطَهِّرُ الْقَلْبَ مِنَ الْحَسَدِ؛ لِأَنَّ خَزَائِنَ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَنْفَدُ، فَسَبْقُ غَيْرِكَ لَا يَعْنِي حِرْمَانَكَ، بَلْ إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَفْرَحُ بِسَبْقِ أَخِيهِ وَيُحَاوِلُ اللُّحَاقَ بِهِ. فَلْتَكُنْ هِمَّتُكَ أَنْ تَكُونَ فِي مُقَدِّمَةِ الرَّكْبِ، فَالْجَنَّةُ مَرَاتِبُ، وَأَعْلَاهَا لِلْمُتَنَافِسِينَ الْمُجِدِّينَ، فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَاجْعَلْ شِعَارَكَ: لَنْ يَسْبِقَنِي إِلَى اللَّهِ أَحَدٌ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ الْخَسَارَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِي صَفْقَةٍ تِجَارِيَّةٍ، وَلَا فِي فَوَاتِ حَظٍّ دُنْيَوِيٍّ، بَلِ الْخَسَارَةُ أَنْ يَمْضِيَ الْعُمُرُ وَأَنْتَ فِي مَؤَخِّرَةِ السَّابِقِينَ، فلِنَجْعَلْ تَنَافُسَنَا فِي الدُّنْيَا وَسِيلَةً لِعِمَارَةِ الْأَرْضِ بِقِيَمِ الْإِسْلَامِ، وَلْنَحْذَرْ مِنَ التَّنَافُسِ الَّذِي يُوَلِّدُ الشَّحْنَاءَ وَالْبَغْضَاءَ.
فَاتَّقُوا اللهَ، وَاجْعَلُوا هَمَّكُمُ الآخِرَةَ يَجْمَعِ اللهُ لَكُمْ شَمْلَكُمْ، وَيَجْعَلْ غِنَاكُمْ فِي قُلُوبِكُمْ، وكُونُوا مِنَ الَّذِينَ قَالُوا: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} طه:84. ونَافِسُوا عَلَى رِضَا اللهِ، فَإِنَّ المُرْبِحَ فِي هَذِهِ التِّجَارَةِ هُوَ مَنْ نَالَ نَظْرَةً مِنْ نُورِ وَجْهِهِ الكَرِيمِ.
الدعاء
