خطبة عن (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ)
يناير 24, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (سَبِيلُ الرُّشْدِ وسَبِيلُ الْغَيِّ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) (146) الأعراف، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ» [رواه مسلم].
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع هذه الآية من كتاب الله العزيز، وقوله تعالى: (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا) (146) الأعراف، وبداية: فإِنَّ اللَّهَ -جَلَّ جَلَالُهُ- بَيَّنَ لِلْبَشَرِ طَرِيقَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا:
الأول: “سَبِيل الرُّشْدِ”: وهُوَ طَرِيقُ الْعِلْمِ، وَالْهُدَى، وَالِاسْتِقَامَةِ، وهُوَ سبيل الِاسْتِمْسَاك بِأَمْرِ اللَّهِ، وَالْوُقُوف عِنْدَ حُدُودِهِ، وَالنَّظَر فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ بِنُورِ الْإِيمَانِ، وهُوَ طَرِيق الحَقِّ، وأَنْ تَعْرِفَ اللهَ فَتَعْبُدَهُ، وَتَعْرِفَ الحَلَالَ فَتَأْتِيَهُ، وَتَعْرِفَ الحَرَامَ فَتَجْتَنِبَه، والرُّشْدُ: هُوَ مِيزَانُ العَقْلِ حِينَ يَخْضَعُ لِوَحْيِ السَّمَاءِ،
وَالثاني: “سَبِيل الْغَيِّ”: وهُوَ طَرِيقُ الْجَهْلِ، وَالضَّلَالِ وَالْهَوَى، والتَّخَبُّطُ فِي ظُلُمَاتِ الشَّهَوَاتِ ،وَالِانْسِيَاقُ خَلْفَ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، حَتَّى يَقَعَ الْعَبْدُ فِي مَهَاوِي الرَّدَى، وهُوَ طريق التَّمَادِي فِي الضَّلَالِ، مَعَ العِلْمِ بِبُطْلَانِهِ، وانْطِفَاءُ نُورِ البَصِيرَةِ، حَتَّى يَرَى المَرْءُ القَبِيحَ حَسَناً، وَالمَعْرُوفَ مُنْكَراً.
وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ النَّاسُ بِحَسَبِ قَبُولِهِمْ لِلْحَقِّ، أَوْ إِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ؛ فَالْمُوَفَّقُ مَنْ أَبْصَرَ الرُّشْدَ فَاتَّبَعَهُ، وَالْمَخْذُولُ مَنْ رَأَى الْغَيَّ فَاتَّخَذَهُ سَبِيلًا،
ومِنْ أَعْظَمِ مَظَاهِرِ سَبِيلِ الرُّشْدِ: طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، وأَنْ تَبْنِيَ حَيَاتَكَ عَلَى مِيزَانِ الآخِرَةِ، لَا عَلَى مِيزَانِ الْمُتْعَةِ الْعَابِرَةِ، أَمَّا سَبِيلُ الْغَيِّ: فَهُوَ تِلْكَ السُّبُلُ الْمُتَفَرِّقَةُ، التِي تَدْعُو إِلَى الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَانْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ، وَالِاغْتِرَارِ بِالدُّنْيَا، فكَمْ مِنْ انسان يَرَى الْحَقَّ وَاضِحاً كَالشَّمْسِ، ولَكِنَّ كِبْرَهُ يَمْنَعُهُ مِنَ الِاتِّبَاعِ، وَهَوَاهُ يَدْفَعُهُ لِلِابْتِدَاعِ!، فسَبِيلَ الْغَيِّ يُزَيِّنُهُ الشَّيْطَانُ بِأَسْمَاءٍ بَرَّاقَةٍ، فَيُسَمِّي الضَّلَالَ تَنْوِيراً، وَالْفِسْقَ تَحَرُّراً، لِيَصْرِفَ النَّاسَ عَنْ صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ.
وصور سبيل الرشد، وسبيل الغي، في حياتنا كثيرة ومتعددة: فالمَال الحَلَال هُوَ سَبِيلُ رُشْدٍ وَإِنْ قَلَّ، وَالمَالَ الحَرَامَ سَبِيلُ غَيٍّ وَإِنْ كَثُرَ، وحِفْظ الجَوَارِحِ رُشْدٌ، وَإِطْلَاقَهَا فِي الحَرَامِ غَيٌّ، وَمِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ “الرُّشْدِ”: أَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ “رَشِيداً” فِي قَوْلِهِ؛ فَلَا يَنْطِقُ إِلَّا بِخَيْرٍ، وَأَنْ يَكُونَ “رَشِيداً” فِي مَالِهِ؛ فَلَا يُنْفِقُهُ إِلَّا فِيمَا يُرْضِي اللهَ، فانْظُرُوا إِلَى قَوْلِ قَوْمِ شُعَيْبٍ لَهُ -عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ-: {إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} هود:87. فَقَدْ عَرَفُوا أَنَّ دَعْوَتَهُ لِلْعَدْلِ فِي المِكْيَالِ وَالمِيزَانِ هِيَ “الرُّشْدُ”، ولَكِنَّ كِبْرَهُمْ وعنادهم وكفرهم مَنَعَهُمْ مِنْ مِثْلِ هَذَا الرُّشْدِ.
أَمَّا صُوَرُ “الْغَيِّ” فَهِيَ خَدَّاعَةٌ: فقَدْ يَأْتِيكَ الغَيُّ فِي صُورَةِ “نَصِيحَةٍ”؛ كَمَا فَعَلَ إِبْلِيسُ مَعَ آدَمَ حِينَ قَالَ له: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ} طه:120. فكَانَ هَذَا هُوَ مَحْضُ الغَيِّ، ولَكِنَّهُ لُبِسَ لِبَاسَ الرُّشْدِ، وَمِنْ هُنَا نَعْلَمُ: أَنَّ الغَيَّ يَحْتَاجُ إِلَى “فِرَاسَةٍ إِيمَانِيَّةٍ” لِكَشْفِهِ؛ فَكُلُّ مَنْ دَعَاكَ إِلَى مَعْصِيَةٍ بِاسْمِ “الحُرِّيَّةِ”، أَوْ إِلَى تَرْكِ فَضِيلَةٍ بِاسْمِ “التَّطَوُّرِ”، فَإِنَّمَا يَدْعُوكَ إِلَى سَبِيلِ الغَيِّ.
وسبيل الرُّشْد يَحْتَاجُ إِلَى “مُجَاهَدَةٍ”، بَيْنَمَا سبيل الغَيُّ يَنْزَلِقُ فِيهِ المَرْءُ بِسُهُولَةٍ، لِأَنَّهُ يُوَافِقُ الهَوَى، وسَبِيل الرُّشْدِ مَحْفُوفٌ بِالْمَكَارِهِ، ولَكِنَّ عَاقِبَتَهُ الْفَلَاحُ، وَأما سَبِيل الْغَيِّ فمَحْفُوفٌ بِالشَّهَوَاتِ، ولَكِنَّ نِهَايَتَهُ الْخُسْرَانُ، وسبيل الرشد هو سبيل الجنة، وسبيل الغي هو سبيل جهنم وبئس المصير، وفي الصحيحين: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ».
فوَيْحَكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ الغافل!، كَيْفَ تُبَدِّلُ الذِي هُوَ أَدْنَى بِالذِي هُوَ خَيْرٌ؟، وكَيْفَ تَرَى نُورَ الْوَحْيِ أَمَامَكَ، ثُمَّ تَخْتَارُ عَمَى الْهَوَى؟، فالْغَيّ يَبْدَأُ حِينَ يَتَكَبَّرُ الْقَلْبُ عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْحَقِّ، فَيُعَاقِبُهُ اللَّهُ بِالصَّرْفِ عَنْ آيَاتِهِ، فَلَا يَنْتَفِعُ بِمَوْعِظَةٍ، وَلَا يَرْتَدِعُ بِعِبْرَةٍ، قَالَ تَعَالَى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة:256]. ويقول الله تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) (146) الأعراف، فَالطَّرِيقُ بَيِّنٌ، وَالْحُجَّةُ قَائِمَةٌ، وَالْمَصِيرُ مَرْهُونٌ بِاخْتِيَارِكَ.
وليكن معلوما: أنَّ الْعِلْمَ هُوَ مِفْتَاحُ الرُّشْدِ، وَأن الْجَهْلَ هُوَ بَابُ الْغَيِّ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْلُكَ سَبِيلَ الرَّاشِدِينَ، فَعَلَيْهِ بِلُزُومِ كِتَابِ اللَّهِ، تَدَبُّراً وَعَمَلًا، فَالْقُرْآنُ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، وَيُبَصِّرُ الْعِبَادَ بِمَوَاضِعِ الزَّلَلِ، قال تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) (9)، (10) الاسراء،
فوَيْحَكَ أيها الغافل! أَتَبْحَثُ عَنِ الرُّشْدِ عِنْدَ غَيْرِ خَالِقِكَ؟، أَتَلْتَمِسُ الْهُدَى فِي مَنَاهِجِ الْبَشَرِ الْقَاصِرَةِ، وَتَتْرُكُ مَنْهَجَ الْخَبِيرِ الْبَصِيرِ؟، فإِنَّ السَّعَادَةَ كُلَّ السَّعَادَةِ فِي لُزُومِ غَرْزِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالثَّبَاتِ عَلَى مَنْهَجِ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ، الذِينَ وُصِفُوا بِأنهم الراشدون، قال تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (7)، (8) الحجرات
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وجاء في الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا، ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}» [رواه أحمد والنسائي].
وقوله تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) (146) الأعراف، فالمتأمل فِي أَحْوَالِ النَّاسِ، الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللهُ فِي سُورَةِ الأَعْرَافِ؛ فهَؤُلَاءِ الَّذِينَ صُرِفَتْ قُلُوبُهُمْ عَنِ الآيَاتِ، إِذَا رَأَوْا “سَبِيلَ الرُّشْدِ” -وَهُوَ طَرِيقُ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ- أَعْرَضُوا عَنْهُ وَاسْتَثْقَلُوهُ، وَإِذَا رَأَوْا “سَبِيلَ الْغَيِّ” -وَهُوَ طَرِيقُ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ وَالكِبْرِ- سَارَعُوا إِلَيْهِ وَاتَّخَذُوهُ مَنْهَجاً،
والسؤال: لِمَاذَا يَخْتَارُ الناس سبيل “الْغَيَّ”، وَيَتْرُكُوا سبيل “الرُّشْدَ”؟، والجواب: إن السَّبَب جَاءَ فِي خِتَامِ الآيَةِ، قال تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} (146) الأعراف، فالغَفْلَةُ -يَا عِبَادَ اللهِ- هِيَ الدَّاءُ العُضَالُ؛ فَالإِنْسَانُ حِينَ يَغْفُلُ عَنْ لِقَاءِ اللهِ، وَيَغْفُلُ عَنْ حَقِيقَةِ الدُّنْيَا، يَضِلُّ بَوْصَلَتَهُ، فَيَسْلُكُ سَبِيلَ التَّائِهِينَ.
ومن الملاحظ : أنَّ سَبِيلَ الرُّشْدِ وَاضِحٌ، كَأَنَّهُ الشَّمْسُ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ، وَلَكِنَّ دُونَهُ “قُطَّاعَ طُرُقٍ”: فنَفْسٌ أَمَّارَةٌ، وَشَيْطَانٌ مُرِيدٌ، وَدُنْيَا غَرُورٌ، وَأَعْظَم مَطْلَبٍ لِلْمُؤْمِنِ هُوَ أَنْ يَسْأَلَ اللهَ الرُّشْدَ؛ فَمِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» رواه الترمذي، وَأَهْلُ الكَهْفِ حِينَ انْقَطَعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ نَادَوْا: {رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} الكهف:10. فمَنْ وُفِّقَ لِلسَّيْرِ فِي سَبِيلِ الرُّشْدِ، جَعَلَ اللهُ لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ، وَرَزَقَهُ فُرْقَاناً يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ فِي زَمَنِ الِالْتِبَاسِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وتدبروا قول الله تَعَالَى: {قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا} [البقرة:256]. فقَدْ بَيَّنَ اللهُ لَنَا الطَّرِيقَيْنِ بَيَاناً شَافِياً؛ فَلَمْ يَعُدْ لِأَحَدٍ عُذْرٌ فِي مَنْكَبٍ عَنِ الحَقِّ، فالِاخْتِيَار بَيْنَ الرُّشْدِ وَالغَيِّ هُوَ قَرَارٌ تَتَّخِذُهُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ؛ حِينَ يُؤَذَّنُ لِلصَّلَاةِ، وحِينَ تُعْرَضُ عَلَيْكَ شُبْهَةٌ، وحِينَ تَتَعَامَلُ مَعَ الخَلْقِ، فإِيَّاكُمْ وَالِاغْتِرَارَ بِكَثْرَةِ السَّالِكِينَ فِي سَبِيلِ الغَيِّ؛ فَقَدْ قَالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: “لَا تَسْتَوْحِشْ طَرِيقَ الحَقِّ لِقِلَّةِ السَّالِكِينَ، وَلَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الهَالِكِينَ”، فإِنَّ العِبْرَةَ لَيْسَتْ بِالأَكْثَرِيَّةِ، بَلْ بِالمُوَافَقَةِ لِلشَّرْعِ وَأَمْرِ اللهِ، وتَأَمَّلُوا فِي لَطِيفِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}[البقرة:256].. فلَمْ يَقُلْ “بَانَ”، بَلْ “تَبَيَّنَ”؛ وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الفَرْقَ صَارَ جَلِيّاً واضحا وقاطِعاً، ولَا يَلْتَبِسُ إِلَّا عَلَى مَنْ أَعْمَى اللهُ بَصِيرَتَهُ، فسَبِيل الرُّشْدِ مَحْفُوفٌ بِالمَكَارِهِ، ولَكِنَّ عَاقِبَتَهُ الجَنَّةُ، وَسَبِيلَ الغَيِّ مَحْفُوفٌ بِالشَّهَوَاتِ، ولَكِنَّ مُنْتَهَاهُ إلى النَّار.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (سَبِيلُ الرُّشْدِ وسَبِيلُ الْغَيِّ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول اللهُ تَعَالَى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة:186]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» [رواه أبو داود].
ولا يخفى على عاقل: أننا فِي زَمَنٍ اخْتَلَطَتْ فِيهِ الْأُمُورُ، وَكَثُرَ فِيهِ دُعَاةُ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، والنَّجَاةُ -عِبَادَ اللَّهِ- فِي صِدْقِ الِاسْتِجَابَةِ لِلَّهِ: “لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ”؛ فهَذَا هُوَ الرَّجَاءُ الذِي نَنْشُدُهُ، فالرُّشْدُ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَعْلُومَةٍ فِي الرَّأْسِ، بَلْ هُوَ نُورٌ فِي الْقَلْبِ، وَعَمَلٌ فِي الْجَوَارِحِ، وإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الرَّاشِدِ وَالْغَاوِي يَتَجَلَّى عِنْدَ الْفِتَنِ؛ فَالرَّاشِدُ يَثْبُتُ كَالْجَبَلِ، وَالْغَاوِي يَمِيلُ مَعَ كُلِّ رِيحٍ.
والسؤال: كَيْفَ نَسْلَمُ مِنْ سَبِيلِ الغَيِّ وَنَحْنُ نَعِيشُ فِي زَمَنٍ تَلَاطَمَتْ فِيهِ الفِتَنُ؟، والجواب: أَوَّلاً: بالِاعْتِصَامُ بِالوُحْيَيْنِ؛ فَاللهُ سَمَّى القُرْآنَ رُشْداً، فقال تعالى: {يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ} الجن:2. فَمَنْ كَانَت لَهُ مَعَ القُرْآنِ صُحْبَةٌ، كَانَ لَهُ مِنَ الرُّشْدِ نَصِيبٌ. ثَانِيًا: صُحْبَةُ الرَّاشِدِينَ؛ فَإِنَّ المَرْءَ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فإِذَا كَانَ جَلِيسُكَ يَدُلُّكَ عَلَى المَسْجِدِ، وَيُذَكِّرُكَ بِالآخِرَةِ، فَأَنْتَ فِي سَبِيلِ الرُّشْدِ، وَإِذَا كَانَ يُهَوِّنُ عَلَيْكَ المَعَاصِي، فَاحْذَرْ، فَقَدْ وَضَعْتَ قَدَمَكَ عَلَى أَوَّلِ سَبِيلِ الغَيِّ.
وتَذَكَّرُوا أَنَّ خَاتِمَةَ سَبِيلِ الرُّشْدِ هِيَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً} (7) الحجرات. فَالفَضْلُ لِلهِ أَنْ مَنَّ عَلَيْكُمْ بِالهِدَايَةِ، وَتَذَكَّرُوا أَنَّ الغَيَّ يَنْتَهِي بِأَصْحَابِهِ إِلَى النَّدَمِ حِينَ يَقُولُونَ: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} الملك:10.
فَيَا مَنْ سَلَكَ سَبِيلَ الغَيِّ سِنِيناً، أَقْصِرْ، فَإِنَّ بَابَ الرُّشْدِ مَفْتُوحٌ لِلتَّائِبِينَ، وَيَا مَنْ ثَبَتَ عَلَى سَبِيلِ الرُّشْدِ، اسْتَمْسِكْ، فَإِنَّ المَوْعِدَ الحَوْضُ، وَالمُلْتَقَى الجَنَّةُ.
أيها المسلمون
واجْعَلُوا دُعَاءَكُمْ دَائِماً: “اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ”، فَمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ الرُّشْدَ، فَقَدْ حِيزَ لَهُ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ تُرِكَ لِغَيِّهِ، فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً، وتَمَسَّكُوا بِدِينِكُمْ، وَاحْفَظُوا أَبْنَاءَكُمْ مِنْ سُبُلِ الْغَيِّ، التِي تُزَيَّنُ لَهُمْ لَيْلَ نَهَار، واِلْزَمُوا صِرَاطَ اللهِ المُسْتَقِيمَ، وَتَعَوَّذُوا بِهِ مِنْ مَزَالِقِ الْغَيِّ وَالضَّلَالِ، وسَلُوهُ الثَّبَاتَ حَتَّى المَمَاتِ؛ فَإِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ. فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الرُّشْدِ وَالسَّدَادِ، وَجَنِّبْنَا طَرِيقَ الغَيِّ وَالفَسَادِ.
الدعاء
