خطبة عن (سَبِيلُ الرُّشْدِ وسَبِيلُ الْغَيِّ)
يناير 25, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
روى الإمام مسلم في صحيحه: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا».
وفي سنن الترمذي: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلاَلِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ»،
وفي رواية أحمد: «حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ»،
وفي مسند أحمد: (قَالَ صلى الله عليه وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا وَاعْقِلُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ». فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَعْرَابِ مِنْ قَاصِيَةِ النَّاسِ وَأَلْوَى بِيَدِهِ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ انْعَتْهُمْ لَنَا – يَعْنِي صِفْهُمْ لَنَا – فَسُرَّ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِسُؤَالِ الأَعْرَابِيِّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «هُمْ نَاسٌ مِنْ أَفْنَاءِ النَّاسِ وَنَوَازِعِ الْقَبَائِلِ لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ مُتَقَارِبَةٌ تَحَابُّوا فِي اللَّهِ وَتَصَافَوْا يَضَعُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْهَا فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نُوراً وَثِيَابَهُمْ نُوراً يَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَفْزَعُونَ وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ»
إخوة الإسلام
إِنَّ مَشَاهِدَ يوم الْقِيَامَةِ مَهُولَةٌ، وَشَدَائِدَهَا عَظِيمَةٌ، حَيْثُ يُفْزَعُ النَّاسُ وَيَذْهَلُونَ، ولَكِنَّ هناك فِئَةً مِنَ الْبَشَرِ يَكُونُونَ فِي مَأْمَنٍ مِنَ الْخَوْفِ، وَفِي رِفْعَةٍ مِنَ الْمَكَانَةِ، يَجْلِسُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ وَثِيَابُهُمْ، حَتَّى يَتَمَنَّى مَنْزِلَتَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَعْلَى مَقَامًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، بَلْ إِعْجَابًا بِهَذَا الْفَضْلِ، الَّذِي نَالُوهُ بِأَعْمَالٍ جَلِيلَةٍ، كَانُوا يَقُومُونَ بِهَا فِي الدُّنْيَا،
والسؤال: مَنْ هَؤُلَاءِ القوم؟، وَمَا هِيَ صِفَاتُهُمْ الَّتِي أَوْصَلَتْهُمْ إِلَى هَذِهِ الْمَنَابِرِ النُّورَانِيَّةِ؟، والجواب: أَوَّلُ رُوَّادِ هَذِهِ الْمَنَابِرِ هُمُ: “الْمُقْسِطُونَ”؛ هم أَهْلُ الْعَدْلِ، الَّذِينَ لَا يَجُورُونَ، ولا يحيدون عن الحق، ولا يظلمون الناس، لذا يَقُولُ ﷺ: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ – وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ – الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا» [صحيح مسلم].
والقسط والْعَدْل لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى الْقَاضِي في المحكمة، أَوْ صَاحِبِ السُّلْطَةِ (رئيس أو ملك)، بَلْ هو يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ وَلِيَ أَمْرًا؛ فمنهم الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ مَعَ زَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَالْمُدِيرُ مَعَ مُوَظَّفِيهِ، وَالتَّاجِرُ مَعَ عُمَلَائِهِ، فَمَنْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَرَاقَبَ اللَّهَ فِي رَعِيَّتِهِ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُجْلِسَهُ عَلَى مَنَابِرِ الْعِزِّ وَالنُّورِ.
أَمَّا الصِّنْفُ الثَّانِي الَّذِي يُزَاحِمُ عَلَى تِلْكَ الْمَنَابِرِ، فَهُمُ “الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ“، هم أنَاسٌ لَمْ تَجْمَعْهُمْ مَصْلَحَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ، وَلَا قَرَابَةٌ نَسَبِيَّةٌ، بَلْ جَمَعَهُمْ حُبُّ اللَّهِ وَتَعْظِيمُ جَلَالِهِ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ» [سنن الترمذي]. إِنَّهَا الْمَحَبَّةُ الصَّافِيَةُ الَّتِي تَتَجَلَّى فِي التَّبَاذُلِ وَالتَّزَاوُرِ وَالنَّصِيحَةِ فِي اللَّهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَخَاهُ لِأَنَّهُ طَائِعٌ لِرَبِّهِ، وَوَالَاهُ لِأَجْلِ دِينِهِ، فَقَدْ وَثَّقَ عُرَى الْإِيمَانِ، وَاسْتَحَقَّ ظِلَّ الْعَرْشِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ.
وتَأَمَّلُوا فِي هَذَا الْمَشْهَدِ النَّبَوِيِّ؛ حِينَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ يَسْأَلُ عَنْ هَؤُلَاءِ، فَسُرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِسُؤَالِهِ وَقَالَ: «هُمْ نَاسٌ مِنْ أَفْنَاءِ النَّاسِ وَنَوَازِعِ الْقَبَائِلِ، لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ مُتَقَارِبَةٌ، تَحَابُّوا فِي اللَّهِ وَتَصَافَوْا، يَضَعُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْهَا، فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نُورًا وَثِيَابَهُمْ نُورًا، يَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَفْزَعُونَ» [مسند أحمد].
وعَالَمنَا الْيَوْمَ، بِمَا فِيهِ مِن تَقَطُّعِ الْأَوَاصِرِ وَغَلَبَةِ الْمَادِّيَّاتِ، هو أَحْوَجُ مَا يَكُونُ إِلَى هَذَا “التَّصَافِي” الرُّوحِيِّ، والحب في الله، وأَنْ نُحِبَّ بَعْضَنَا لِلَّهِ، وَنَجْتَمِعَ عَلَى طَاعَتِهِ، لِنَنْجُوَ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ.
لَقَدْ أَصْبَحَتِ القُلُوبُ اليَوْمَ جَافِيَةً، وَتَقَطَّعَتِ الأَرْحَامُ، وَتَنَافَسَ النَّاسُ عَلَى لُعَاعَةِ الدُّنْيَا، فَنَسُوا أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى نُورِ القِيَامَةِ يَمُرُّ بِقُلُوبٍ صَافِيَةٍ وَأَيْدٍ عَادِلَةٍ، فمَنْ أَرَادَ أَنْ لَا يَفْزَعَ إِذَا فَزِعَ النَّاسُ، فَلْيُطَهِّرْ قَلْبَهُ مِنَ الحَسَدِ، وَلْيَمْلأْهُ بِالمَحَبَّةِ لِإِخْوَانِهِ المُؤْمِنِينَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
مَا أَجْمَلَهُ مِنْ مَشْهَدٍ! “وُجُوهُهُمْ نُورٌ، وَثِيَابُهُمْ نُورٌ، يَفْزَعُ النَّاسُ وَلَا يَفْزَعُونَ”، هَذَا هُوَ الأَمْنُ الحَقِيقِيُّ، وَهَذِهِ هِيَ الوَلَايَةُ الرَّبَّانِيَّةُ، قال تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} يونس (62): (64).
فإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَكُونَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ المَنَابِرِ، فَعَلَيْنَا بِثَلَاثٍ: الأولى: الِاجْتِهَادُ فِي العَدْلِ: فكُنْ عَادِلاً فِي بَيْتِكَ، لَا تُفَضِّلْ وَلَداً عَلَى وَلَدٍ، وَلَا تَظْلِمْ زَوْجَةً، وَلَا تَبْخَسْ أَجِيراً حَقَّهُ، فالعَدْلُ هُوَ رِدَاءُ النُّورِ يَوْمَ العَرْضِ.
والثانية: إِحْيَاءُ سُنَّةِ “التَّزَاوُرِ وَالتَّبَاذُلِ”: كَمَا فِي حَدِيثِ أَحْمَدَ: «حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ». فزُرْ أَخَاكَ لَا لِحَاجَةٍ عِنْدَهُ، بَلْ لِأَنَّكَ تُحِبُّهُ فِي اللهِ، واعْطِ المَالَ وَالمَعُونَةَ لِأَنَّ اللهَ أَمَرَكَ، لَا لِتَنَالَ مَدِيحاً.
والثالثة: سَلَامَةُ الصَّدْرِ: فهَؤُلَاءِ القَوْمُ لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ، ولَكِنْ تَصَافَتْ قُلُوبُهُمْ، فنَقِّ قَلْبَكَ مِنْ كُلِّ غِلٍّ، وَاجْعَلْ حُبَّكَ وَبُغْضَكَ لِلهِ وَفِي اللهِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد:19]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد:12]. وفي مسند أحمد: (قَالَ صلى الله عليه وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا وَاعْقِلُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ». فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَعْرَابِ مِنْ قَاصِيَةِ النَّاسِ وَأَلْوَى بِيَدِهِ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ انْعَتْهُمْ لَنَا – يَعْنِي صِفْهُمْ لَنَا – فَسُرَّ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِسُؤَالِ الأَعْرَابِيِّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «هُمْ نَاسٌ مِنْ أَفْنَاءِ النَّاسِ وَنَوَازِعِ الْقَبَائِلِ لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ مُتَقَارِبَةٌ تَحَابُّوا فِي اللَّهِ وَتَصَافَوْا يَضَعُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْهَا فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نُوراً وَثِيَابَهُمْ نُوراً يَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَفْزَعُونَ وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ»
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ الْوُصُولَ إِلَى تِلْكَ الْمَنَابِرِ لَيْسَ بِالْأَمَانِيِّ، بَلْ بِمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ عَلَى خُلُقَيْنِ عَظِيمَيْنِ: “الْعَدْلُ” وَ “الْحُبُّ فِي اللَّهِ”، فَالْعَدْلُ يَحْتَاجُ إِلَى قُوَّةٍ فِي الْحَقِّ، وَإِنْ كَانَ عَلَى حِسَابِ النَّفْسِ، وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ يَحْتَاجُ إِلَى سَلَامَةِ صَدْرٍ، وَتَجَرُّدٍ عَنِ الْأَهْوَاءِ، فمَنْ أَرَادَ النُّورَ يَوْمَ الظُّلُمَاتِ، فَلْيَبْذُلِ النُّورَ فِي الدُّنْيَا بِإِنْصَافِ الْمَظْلُومِينَ، وَبَسْطِ الْيَدِ بِالْعَطَاءِ، وَالِابْتِسَامَةِ فِي وُجُوهِ الْإِخْوَانِ تَعَبُّدًا لِلَّهِ تَعَالَى.
فلْنَسْعَ أَنْ نَكُونَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَغْبِطُهُمُ الصَّفْوَةُ مِنَ الْبَشَرِ، ولْنُطَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الشَّحْنَاءِ، وَأَيْدِيَنَا مِنَ الظُّلْمِ، واجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ وَمَجَالِسَكُمْ مَنَابِرَ لِلصِّدْقِ وَالْمَوَدَّةِ، ولَا تَجْعَلُوا الْخُصُومَاتِ تَقْطَعُ حِبَالَ الْوُدِّ الْإِيمَانِيِّ، وتَذَكَّرُوا أَنَّ النَّاسَ يَفْزَعُونَ يَوْمَ الزِّحَامِ، وَأَصْحَابُ هَذِهِ الْمَنَابِرِ آمِنُونَ مُطْمَئِنُّونَ، لَا لِقُوَّتِهِمْ، بَلْ لِأَنَّهُمْ “أَوْلِيَاءُ اللَّهِ”، واعلموا أن الْعَدْل زِينَة الْأَقْوِيَاءِ، وَالْمَحَبَّةُ شِعَارُ الْأَتْقِيَاءِ، وَكِلَاهُمَا طَرِيقٌ إِلَى الْقُرْبِ مِنَ الرَّحْمَنِ.
فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الْمُتَحَابِّينَ فِيكَ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيكَ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيكَ، وَاجْعَلْنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، فِي ظِلِّ عَرْشِكَ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّكَ،
اللَّهُمَّ اجْعَلْ وُجُوهَنَا نُوراً يَوْمَ تَنْطَفِئُ الأَنْوَارُ، وَأَظِلَّنَا فِي ظِلِّ عَرْشِكَ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّكَ. اللَّهُمَّ نَقِّ قُلُوبَنَا مِنَ الغِلِّ وَالحَسَدِ، وَاجْمَعْ شَمْلَنَا عَلَى طَاعَتِكَ، وَارْزُقْنَا مَنَازِلَ الصَّفْوَةِ الَّتِي يَغْبِطُهَا النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ.
الدعاء
