خطبة عن (فَلاَ تَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَكَ)
يناير 27, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) (52)، (53) الشورى. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:123]. وَفي الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ» [صحيح البخاري].
إخوة الإسلام
إِنَّ مَدَارَ الطُّمَأْنِينَةِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ يَرْتَكِزُ عَلَى يَقِينِهِ بِأَنَّ مَقَالِيدَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِيَدِ خَالِقِهَا، فَكُلُّ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ، وَكُلُّ رِفْعَةٍ وَخَفْضٍ، وَكُلُّ مَنْحٍ وَمَنْعٍ، إِنَّمَا هُوَ بِتَدْبِيرِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ،
وقَوْلهُ تَعَالَى: ﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ لَيْسَ مُجَرَّدَ إِخْبَارٍ عَنْ نِهَايَةِ الزَّمَانِ، بَلْ هُوَ تَقْرِيرٌ لِحَقِيقَةِ الْأَزَلِ وَالْأَبَدِ؛ فَأُمُورُ الرِّزْقِ، وَأُمُورُ الصِّحَّةِ، وَأُمُورُ النَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ وغيرها، كُلُّهَا مَرْدُّهَا إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾: فعِنْدَمَا يَسْتَقِرُّ فِي نَفْسِ الْعَبْدِ أَنَّ الْأُمُورَ تَصِيرُ إِلَى اللَّهِ، يَتَحَرَّرُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْخَلْقِ، فَلَا يَرْجُو غَيْرَ اللَّهِ، وَلَا يَخْشَى إِلَّا اللَّهَ، ويعلم أنَّ الشَّدَائِدَ مَهْمَا عَظُمَتْ، وَالْكُرُوبَ مَهْمَا اشْتَدَّتْ، فلهَا نِهَايَةٌ تَرْجِعُ فِيهَا إِلَى لُطْفِ اللَّهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَقَدْ عَلَّمَنَا النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْيَقِينَ حِينَ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ» [سنن الترمذي].
وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾: فمَصِير الْأُمُورِ إِلَى اللَّهِ يَعْنِي: أَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلتَّقْوَى، وَأَنَّ الْبَاطِلَ مَهْمَا انْتَفَشَ فَإِلَى زَوَالٍ، فَكُلُّ مُؤَامَرَةٍ، وَكُلُّ كَيْدٍ، وَكُلُّ ظُلْمٍ، لَهُ مَوْعِدٌ يَقِفُ فِيهِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَكَمِ الْعَدْلِ، فَلْيَطْمَئِنَّ الْمَظْلُومُ، وَلْيَحْذَرِ الظَّالِمُ؛ فَإِنَّ الْمَرْجِعَ إِلَى مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾: فتَأَمَّلُوا لَفْظَ “تَصِيرُ”؛ إِنَّهُ يَعْنِي أَنَّ الأُمُورَ قَدْ تَمُرُّ بِمَحَطَّاتٍ مِنَ التَّعْقِيدِ، وَقَدْ تَتَشَابَكُ فِيهَا الأَسْبَابُ، وَقَدْ تَبْدُو لِلنَّاظِرِ أَنَّهَا خَرَجَتْ عَنِ السَّيْطَرَةِ، ولَكِنَّهَا فِي نِهَايَةِ المَطَافِ تَنْصَبُّ عِنْدَ خَالِقِهَا وَمُدَبِّرِهَا، فلَا يَشُذُّ عَنْ سُلْطَانِهِ ذَرَّةٌ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالُ خَرْدَلَةٍ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾: فإِنَّ هَذِهِ الحَقِيقَةَ تَبُثُّ فِي قَلْبِ المُؤْمِنِ ثَلَاثَ رَسَائِلَ عَظِيمَةً:
الرسالة الأولى: رَسَالَةُ الطُّمَأْنِينَةِ: حِينَ تَعْلَمُ أَنَّ أُمُورَكَ -رِزْقَكَ، صِحَّتَكَ، مُسْتَقْبَلَ أَوْلَادِكَ- كُلَّهَا تَصِيرُ إِلَى رَبٍّ رَحِيمٍ، فَإِنَّكَ تَنَامُ قَرِيرَ العَيْنِ، فإِذَا كَانَتِ الأُمُورُ بِيَدِ اللهِ، فَلَا خَوْفَ مِمَّا فِي أَيْدِي البَشَرِ.
الرسالة الثانية: رَسَالَةُ العَدْلِ: فقَدْ يَظْلِمُ الظَّالِمُ وَيَبْطِشُ، وَقَدْ يَغِيبُ العَدْلُ فِي مَوَازِينِ الأَرْضِ، لَكِنَّ العَزَاءَ أَنَّ “الأُمُورَ تَصِيرُ إِلَى اللهِ”، فهُنَاكَ الحِسَابُ الدَّقِيقُ، وَهُنَاكَ يُرَدُّ كُلُّ حَقٍّ إِلَى صَاحِبِهِ.
والرسالة الثالثة: رَسَالَةُ التَّسْلِيمِ: فمَا دَامَتِ الأُمُورُ سَتَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي النِّهَايَةِ، فَلِمَاذَا لَا نُسَلِّمُ لَهُ فِي البِدَايَةِ؟، ولِمَاذَا نُجَادِلُ فِي القَدَرِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مَآلَنَا إِلَيْهِ؟، فإنَّ العَبْدَ قَدْ يَكْرَهُ أَمْراً وَهُوَ فِيهِ صَلَاحُهُ، وَقَدْ يُحِبُّ أَمْراً وَهُوَ فِيهِ هَلَاكُهُ، ولَكِنَّ الرَّبَّ الَّذِي تَصِيرُ إِلَيْهِ الأُمُورُ يَعْلَمُ الغَيْبَ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، وتأملوا قِصَّةَ مُوسَى وَالخَضِرِ؛ وكَيْفَ بَدَتِ الأُمُورُ فِي ظَاهِرِهَا شَرّاً (خَرْقُ السَّفِينَةِ، قَتْلُ الغُلَامِ)، ولَكِنَّ مَآلَهَا عِنْدَ اللهِ كَانَ خَيْراً مَحْضاً.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ [الروم:4]. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» [صحيح مسلم]. فإِنَّ مُقْتَضَى الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْأُمُورَ تَصِيرُ إِلَى اللَّهِ هُوَ التَّسْلِيمُ التَّامُّ لِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، فَلَا تَتَسَخَّطْ عَلَى مَقْدُورٍ، وَلَا تَيْأَسْ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، فَكَمْ مِنْ أَمْرٍ كَرِهْتَهُ كَانَ فِيهِ نَجَاتُكَ، وَكَمْ مِنْ بَابٍ أُغْلِقَ فِي وَجْهِكَ فَتَحَ اللَّهُ لَكَ بَعْدَهُ أَبْوَاباً مِنَ الْخَيْرِ لَمْ تَكُنْ تَحْتَسِبُهَا، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) النحل: (74).
وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾: فإِنَّ الغَفْلَةَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ هِيَ سَبَبُ “الهَلَعِ” الَّذِي نَرَاهُ اليَوْمَ، فالنَّاسُ يَخَافُونَ مِنَ الفَقْرِ، وَيَخَافُونَ مِنَ المَرَضِ، وَيَخَافُونَ مِنَ المَوْتِ؛ لِأَنَّهُمْ نَسُوا أَنَّ هَذِهِ الأُمُورَ كُلَّهَا لَهَا “صَاحِبٌ” يُدَبِّرُهَا، فمَنْ أَيْقَنَ أَنَّ الأُمُورَ تَصِيرُ إِلَى اللهِ، اسْتَغْنَى بِاللهِ عَمَّنْ سِوَاهُ، وَرَأَى الدُّنْيَا بِحَجْمِهَا الحَقِيقِيِّ؛ مَمَرّاً لَا مَقَرّاً، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود:123].
وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾: فإِذَا كَانَتِ الأُمُورُ تَصِيرُ إِلَى اللهِ، فَمَا الوَاجِبُ عَلَيْنَا؟، الوَاجِبُ علينا: هُوَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ فِي خِتَامِ آيَةِ هُودٍ: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} هود:123، فاِشْتَغِلْ بِمَا أَمَرَكَ اللهُ بِهِ، وَلَا تَنْشَغِلْ بِمَا ضَمِنَهُ اللهُ لَكَ، وأَدِّ مَا عَلَيْكَ مِنَ العِبَادَةِ، ثُمَّ اتْرُكِ النَّتَائِجَ لِلْمُدَبِّرِ سُبْحَانَهُ، فقَوْلَنَا: “إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ” يَقْتَضِي أَنْ نُحْسِنَ العَمَلَ، لِكَيْ نَلْقَى اللهَ وَهُوَ رَاضٍ عَنَّا، فَإِذَا كَانَ مَصِيرُ ظُلْمِكَ سَيَرْجِعُ إِلَيْهِ، وَمَصِيرُ صَدَقَتِكَ سَيَرْجِعُ إِلَيْهِ، وَمَصِيرُ صَلَاتِكَ سَيَرْجِعُ إِلَيْهِ؛ فَانْظُرْ بِمَاذَا تَلْقَى رَبَّكَ غَداً؟.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾: فاجْعَلُوا نَصْبَ أَعْيُنِكُمْ أَنَّ الدُّنْيَا مَمَرٌّ، وَأَنَّ كُلَّ مَا فِيهَا مِن جَاهٍ أَوْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ هُوَ عَارِيَةٌ سَتُرَدُّ إِلَى صَاحِبِهَا، فَارْبِطُوا قُلُوبَكُمْ بِالْبَاقِي سُبْحَانَهُ، وَأَحْسِنُوا الْعَمَلَ لِيَوْمِ الْعَرْضِ عَلَيْهِ، فَإِذَا صَارَتِ الْأُمُورُ إِلَى اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ، فَلَا يَنْفَعُ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.
واعلموا أنَّ الثِّقَةَ بِتَدْبِيرِ اللَّهِ هِيَ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ وَالْمِحَنِ، فَاسْتَمْسِكُوا بِحَبْلِ اللَّهِ، وَثِقُوا بِأَنَّ الْخَيْرَ فِيمَا اخْتَارَهُ اللَّهُ، وَأَنَّ كُلَّ عَسِيرٍ إِذَا صَارَ إِلَى اللَّهِ هَانَ، وَكُلَّ كَبِيرٍ إِذَا رُجِعَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ صَغُرَ، قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:54].
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرجَعُ الْأُمُورُ} [الحديد:5]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا وَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ…»، ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} الليل(5): (7).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾: فمن فوائد الآية الكريمة: تعظيم شأن دين الله الذي يدعو إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن فوائد الآية الكريمة: عموم ملك الله واختصاصه بهذا الملك، ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الأمور كلها تصير إلى الله أي ترجع إليه، خلقا وملكا وتدبيرا وحكما، فكل شيء يرجع إلى الله، فإذا اختلفنا في حكم في مسألة من مسائل العلم إلى من نرجع؟ إلى الله، وإذا كان يوم القيامة يبعث الخلائق ويرجعون إلى الله، إذن تصير الأمور يعني كل الأمور تصير إلى الله وترجع إليه، فهو منه المبتدأ وإليه المنتهى تبارك وتعالى.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فسلم لربك يا طالب الوصول، فالأمر كله له، وسلم نفسك لله وحده يأمرها وينهاها بما هو أنفع وأصلح لها، فهو سبحانه عليم حكيم، وضع يديك ورجليك في قيود الشريعة الفضية لتتحرر من ذل العبودية لغير الله، فسلم تسلم فالأمر كله لله.
قال الشيخ ابن سعدي في تفسيره: (أعظم مساعد للعبد على القيام بما أمر به، الاعتماد على ربه، والاستعانة بمولاه على توفيقه للقيام بالمأمور، فلذلك أمر الله تعالى بالتوكل عليه فقال: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) الشعراء:217. والتوكل هو اعتماد القلب على الله تعالى، في جلب المنافع، ودفع المضار، مع ثقته به، وحسن ظنه بحصول مطلوبه، فإنه عزيز رحيم، بعزته يقدر على إيصال الخير، ودفع الشر عن عبده، وبرحمته به، يفعل ذلك)،
فَاتَّقُوا اللهَ، وَرِيحُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الهَمِّ وَالتَّدْبِيرِ الزَّائِدِ، وثِقُوا بِمَوْعُودِ اللهِ، وَأَيْقِنُوا أَنَّ مَا قَدَّرَهُ اللهُ لَكُمْ هُوَ عَيْنُ الحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَلَوْ بَدَا لَكُمْ خِلَافُ ذَلِكَ، فاللَّهُمَّ يَا مَنْ إِلَيْهِ تَصِيرُ الأُمُورُ، اصْرِفْ أُمُورَنَا إِلَى خَيْرِ مَآلٍ، واجْعَلْ عَاقِبَةَ أَمْرِنَا رُشْداً، ونَعُوذُ بِكَ مِنْ شَتَاتِ الأَمْرِ، وَمِنْ ضِيقِ الصَّدْرِ، وَمِنْ تَقَلُّبِ الدَّهْرِ، وثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى التَّوَكُّلِ عَلَيْكَ، وَارْزُقْنَا الرِّضَا بِقَضَائِكَ، وَبَارِكْ لَنَا فِي قَدَرِكَ، حَتَّى لَا نُحِبَّ تَعْجِيلَ مَا أَخَّرْتَ وَلَا تَأْخِيرَ مَا عَجَّلْتَ.
الدعاء
