خطبة عن (إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ)
يناير 28, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (مُضَاعَفَةُ أَجْرِ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِ الْغَفْلَةِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف:205]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:37]. وَفي الحديث: (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» [سنن النسائي].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ مِنَ النَّفَحَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْمِنَحِ الرَّبَّانِيَّةِ، أَنْ جَعَلَ اللَّهُ لِلْعِبَادَةِ فِي أَوْقَاتِ الْغَفْلَةِ مِيْزَةً لَا تَكُونُ فِي غَيْرِهَا، وَأَجْراً يُضَاعَفُ لِمَنْ تَفَرَّدَ بِالطَّاعَةِ حِينَ يَنْشَغِلُ النَّاسُ عَنْهَا، فإِنَّ الشَّأْنَ لَيْسَ فِي أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ حِينَ يَعْبُدُهُ الْجَمِيعُ، وَلَكِنَّ الشَّأْنَ كُلَّ الشَّأْنِ أَنْ تَذْكُرَ اللَّهَ حِينَ يَغْفُلُ الْخَلْقُ، وَأَنْ تَقُومَ لِلَّهِ حِينَ يَنَامُ السَّاهُونَ، لِذَلِكَ كَانَ لِلصِّيَامِ فِي شَعْبَانَ فَضْلٌ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّهُ كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم: (شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ) فهو يَقَعُ بَيْنَ شَهْرٍ حَرَامٍ وَهُوَ رَجَبٌ، وَبَيْنَ شَهْرِ الصِّيَامِ وَهُوَ رَمَضَانُ، فَيَشْتَغِلُ النَّاسُ بِهِمَا وَيَغْفُلُونَ عَنْ شَعْبَانَ، فَكَانَ الْعَمَلُ فِيهِ أَزْكَى وَأَعْظَمَ.
فالْقَاعِدَة الشَّرْعِيَّةَ تَقُولُ: كُلَّمَا كَانَتِ الطَّاعَةُ أَخْفَى وَأَشَقَّ عَلَى النَّفْسِ، لِانْصِرَافِ الْخَلْقِ عَنْهَا، كَانَ أَجْرُهَا أَوْفَرَ، وَمِنْ هُنَا نَفْهَمُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ» [صحيح مسلم]. وَالْهَرْجُ هُوَ وَقْتُ الْفِتَنِ، وَاخْتِلَاطِ الْأُمُورِ وَغَفْلَةِ النَّاسِ عَنِ الْآخِرَةِ، بِانْشِغَالِهِمْ بِالدُّنْيَا وَالْقِيلِ وَالْقَالِ، فَالْمُتَمَسِّكُ بِدِينِهِ فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ، وَالْمُقْبِلُ عَلَى رَبِّهِ حِينَ يَدْبُرُ النَّاسُ، لَهُ أَجْرٌ يُشْبِهُ أَجْرَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، الَّذِينَ تَرَكُوا دِيَارَهُمْ نُصْرَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ.
وَمِنْ أَبْوَابِ هَذَا الْأَجْرِ الْمُضَاعَفِ: ذِكْرُ اللَّهِ فِي الْأَسْوَاقِ؛ حَيْثُ تَرْتَفِعُ الْأَصْوَاتُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَتَتَعَلَّقُ الْقُلُوبُ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، فَمَنْ نَطَقَ بِذِكْرِ اللَّهِ هُنَاكَ، كَانَ كَالشَّجَرَةِ الْخَضْرَاءِ بَيْنَ الشَّجَرِ الْيَابِسِ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الثَّوَابِ مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ، ففي سنن الترمذي، وصححه الألباني: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكُ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ».
وَمن صور العبادة المضاعف أجرها في وقت الغفلة: عِبَادَةُ اللَّيْلِ، حِينَ يغفل ويَنَامُ النَّاسُ، وَتَهْدَأُ الْأَصْوَاتُ، فَيَنْزِلُ الرَّحْمَنُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَلَا يَجِدُ إِلَّا قُلُوباً يَقِظَةً، خَشَعَتْ لَهُ فِي وَقْتِ الْغَفْلَةِ، فَيُعْطِيهَا سُؤْلَهَا، وَيُجِيرُهَا مِنْ نَارِهِ، ففي صحيح البخاري: (عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. أَوْ دَعَا اسْتُجِيبَ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلاَتُهُ»، وفي صحيح مسلم: (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ فَيَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ فَلاَ يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ». وفي سنن أبي داود: (عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ السُّلَمِىِّ أَنَّهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ قَالَ «جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَصَلِّ مَا شِئْتَ فَإِنَّ الصَّلاَةَ مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الصُّبْحَ)، وفي سنن الترمذي: (يَقُولُ صلى الله عليه وسلم: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ الْحِكْمَةَ مِنْ عِظَمِ أَجْرِ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِ الْغَفْلَةِ تَعُودُ إِلَى أُمُورٍ: أَوَّلُهَا: أَنَّهَا أَشَقُّ عَلَى النَّفْسِ؛ فَإِنَّ الْمُتَابَعَةَ لِلنَّاسِ سَهْلَةٌ، أَمَّا الِانْفِرَادُ عَنْهُمْ فَيَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ وَيَقِينٍ. ثَانِيُهَا: أَنَّهَا أَبْعَدُ عَنِ الرِّيَاءِ؛ فَحِينَ تَعْبُدُ اللَّهَ وَالنَّاسُ غَافِلُونَ، لَا يَكُونُ بَاعِثُكَ إِلَّا حُبُّ اللَّهِ وَتَعْظِيمُهُ. ثَالِثُهَا: أَنَّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ الْعُبَّادِ هُمْ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِمُ الْبَلَاءَ عَنِ الْأَرْضِ؛ فَبِذِكْرِهِمْ تَنْزِلُ الرَّحَمَاتُ فِي أَوْقَاتِ السَّخَطِ.
ونَحْنُ فِي هذا الزمان، بِمَا فِيهِ مِنْ ضَجِيجِ التِّكْنُولُوجِيَا، وَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الَّتِي اسْتَلَبَتِ الْعُقُولَ وَالْأَوْقَاتَ، نَعِيشُ غَفْلَةً مُسْتَمِرَّةً، فَالَّذِي يَخْلُو بِرَبِّهِ لِيَقْرَأَ وِرْدَهُ، أَوَّ الَّذِي يَغُضُّ بَصَرَهُ فِي زَمَنِ التَّبَرُّجِ، أَوْ الَّذِي يَصْدُقُ فِي حَدِيثِهِ حِينَ عَزَّ الصِّدْقُ، كُلُّ هَؤُلَاءِ يَنَالُونَ أَجْرَ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِ الْغَفْلَةِ.
وليكن معلوما أنَّ التَّفَرُّدَ بِالطَّاعَةِ، يَنْفِي عَنِ الْعَبْدِ صِفَةَ الْإِمَّعَةِ، وَيَجْعَلُهُ رَبَّانِيّاً، يَدُورُ مَعَ مَرْضَاةِ اللَّهِ حَيْثُ دَارَتْ، لَا حَيْثُ دَارَ النَّاسُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:16]. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْآخِرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ» [سنن الترمذي].
فلَا تَحْتَقِرُوا مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئاً فِي أَوْقَاتِ الشَّغْلِ وَاللَّهْوِ؛ فَذِكْرٌ خَفِيٌّ فِي زِحَامِ السُّوقِ، أَوْ رَكْعَتَانِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، أَوْ صِيَامُ يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ وَالنَّاسُ مُنْشَغِلُونَ بِمَلَذَّاتِهِمْ، قَدْ يَكُونُ هُوَ السَّبَبُ فِي نَجَاتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وكُونُوا كَالنَّحْلِ لَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى الطَّيِّبِ، وَلَا يَزِيدُهُ كَثْرَةُ الذُّبَابِ إِلَّا تَمَسُّكاً بِخَلِيَّتِهِ وَإِنْتَاجِ شَهْدِهِ.
وتَعَرَّفُوا إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكُمْ فِي الشِّدَّةِ، وَاعْمُرُوا أَوْقَاتَ الْغَفْلَةِ بِالطَّاعَةِ، لِتَكُونَ لَكُمْ نُوراً يَوْمَ تُظْلِمُ الْقُبُورُ، فاللَّهُمَّ أَيْقِظْ قُلُوبَنَا مِنْ غَفْلَتِهَا، وَارْزُقْنَا طَاعَتَكَ فِي كُلِّ آنٍ وَحِينٍ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:41-42].
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (مُضَاعَفَةُ أَجْرِ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِ الْغَفْلَةِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
إِنَّ الطَّاعَةَ حِينَ يَنْشَغِلُ النَّاسُ بِدُنْيَاهُمْ، وَتَسْتَوْلِي الغَفْلَةُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، هِيَ العِبَادَةُ الَّتِي تَرْفَعُ صَاحِبَهَا إِلَى مَقَامَاتِ الصِّدِّيقِينَ، فإِنَّ اللهَ يُبَاهِي بِمَنْ يَذْكُرُهُ حِينَ نَسِيَهُ الخَلْقُ، وَبِمَنْ يَقُومُ لَهُ حِينَ ينَام النَّاسُ.
ومن أسرار مُضَاعَفَةِ الأَجْرِ وَقْتَ الغَفْلَةِ: الإِخْلَاصُ المَحْضُ: فَالعَبْدُ حِينَ يَتَعَبَّدُ وَالنَّاسُ غَافِلُونَ، لَا يَكُونُ هُنَاكَ مَجَالٌ لِلرِّيَاءِ، أَوْ لِأَنْ يَرَاهُ أَحَدٌ، إِنَّمَا هُوَ حُبٌّ خَالِصٌ لِلهِ، ومنها: مُشَقَّةُ التَّفَرُّدِ: أَنْ تَكُونَ “غَرِيباً” بِطَاعَتِكَ وَسْطَ لَاهِينَ، هِيَ مُجَاهَدَةٌ عَظِيمَةٌ لِلنَّفْسِ.
ومن أسرار طاعة الله تعالى في وقت الغفلة: دَفْعُ البَلَاءِ عَنِ الأُمَّةِ: فَبِذِكْرِ الذَّاكِرِينَ فِي وَقْتِ الغَفْلَةِ، يَرْحَمُ اللهُ أَهْلَ الأَرْضِ جَمِيعاً. فمن قصص الفتوحات الاسلامية: أن محمد بن واسع الأسدي، وهو من التابعين الذين جمعوا بين العلم والزهد والعبادة، قد خرج مع القائد: قتيبة بن مسلم تجاه كابل، وقبل المعركة قال: التمسوا لي محمد بن واسع، فأتوا، وإذا محمد بن واسع قد توضأ، واتكأ على رمحه، ورفع سبابته إلى السماء، يتمتم ويدعو الحي القيوم بالنصر: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) [آل عمران:126]، فعادوا وأخبروا قتيبة بن مسلم، فتهلل وجهه، وقال: والله الذي لا إله إلا هو! لأصبع محمد بن واسع خيرٌ عندي من مائة ألف سيفٍ شهير ومائة ألف بطل طرير، وبدأت المعركة ونصر الله المسلمين)
ولِلْعِبَادَةِ فِي وَقْتِ الغَفْلَةِ صُوَرٌ عَمَلِيَّةٌ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَمْلأَ بِهَا صَحَائِفَنَا، ومنها: صَلَاةُ الضُّحَى: حِينَ يَشْتَدُّ الحَرُّ وَيَنْغَمِسُ النَّاسُ فِي أَعْمَالِهِمْ وَتِجَارَتِهِمْ، وهِيَ صَلَاةُ “الأَوَّابِينَ” الَّذِينَ رَجَعُوا إِلَى اللهِ فِي عِزِّ الِانْشِغَالِ، ومنها: ذِكْرُ اللهِ فِي المَجَالِسِ اللَّاهِيَةِ: حِينَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ فِي عُرُوضِ الدُّنْيَا وَتَفَاهَاتِ الأَخْبَارِ، كُنْ أَنْتَ مَنْ يَسْتَغْفِرُ فِي سِرِّهِ، أَوْ يُسَبِّحُ، فَتَكُونُ أَنْتَ “الحَيُّ” بَيْنَ “الأَمْوَاتِ”؛ فَفي الصحيحين: (قَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «مَثَلُ الَّذِى يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ»،
فَتَحَيَّنُوا أَوْقَاتَ الغَفْلَةِ لِتَرْفَعُوا أَرْصِدَتَكُمْ عِنْدَ خَالِقِكُمْ، ولَا تَنْتَظِرُوا أَنْ يَسِيرَ النَّاسُ كُلُّهُمْ نَحْوَ المَسْجِدِ لِتَسِيرُوا، بَلْ سَابِقُوا حَتَّى لَوْ كُنْتُمْ وَحْدَكُمْ، فاللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ. واجْعَلْنَا مِنَ الذَّاكِرِينَ لَكَ حِينَ يَغْفُلُ الغَافِلُونَ، وَمِنَ القَائِمِينَ لَكَ حِينَ يَنَامُ النَّائِمُونَ، ونَبِّهْ قُلُوبَنَا مِنَ الغَفْلَةِ، وَارْزُقْنَا الإِخْلَاصَ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، وَاجْعَلْ أَعْمَالَنَا خَالِصَةً لِوَجْهِكَ الكَرِيمِ، يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
الدعاء
