خطبة عن (فَالْحُكْمُ لِلَّهِ)
يناير 31, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، وَشَرُّ الْبَرِيَّةِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) (6): (8) البينة، وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ، وَشَرُّكُمْ مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ» [سنن الترمذي].
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع (خَيْرُ الْبَرِيَّةِ وَشَرُّ الْبَرِيَّةِ)، وبداية: “فالبَرِيَّةُ”: هِيَ الخَلِيقَةُ؛ وَقَدْ قَسَمَ اللَّهُ الْخَلِيقَةَ فِي كِتَابِهِ العزيز إِلَى فَرِيقَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: (خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، وَشَرُّ الْبَرِيَّةِ)، وَوَصَفَهُمَا بِأَدَقِّ الْأَوْصَافِ وَأَبْلَغِهَا،
فَأَمَّا “خَيْرُ الْبَرِيَّةِ“: فَهُمُ الَّذِينَ اجْتَمَعَ فِيهِمْ أَصْلَانِ عَظِيمَانِ: إِيمَانٌ صَادِقٌ بِاللَّهِ، وَعَمَلٌ صَالِحٌ يُصَدِّقُ هَذَا الْإِيمَانَ، فهَؤُلَاءِ هُمْ خِيَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ الْخَالِقِ، فلَيْسَ لِأَمْوَالِهِمْ، وَلَا لِأَنْسَابِهِمْ، وَلَا لِأَلْوَانِهِمْ، بَلْ لِمَا اسْتَقَرَّ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَمَا ظَهَرَ عَلَى جَوَارِحِهِمْ مِنَ الِانْقِيَادِ لِشَرْعِ اللَّهِ تعالى، فصِفَةَ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ تَبْدَأُ مِنْ طَهَارَةِ الِاعْتِقَادِ، وَتَنْتَهِي بِحُسْنِ الْأَخْلَاقِ مَعَ النَّاسِ، ففي الصحيحين : قال صلى الله عليه وسلم: (مِنْ خِيَارِ النَّاسِ أَحْسَنَهُمْ قَضَاءً»، وفي صحيح مسلم: (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ )، وفيه أيضا: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ فَخِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلاَمِ إِذَا فَقُهُوا)، وفي مسند أحمد: «خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ إِذَا رُءُوا ذُكِرَ اللَّهُ)، وقَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ) [سنن الترمذي].
وقد بينت الآيات الكريمة جزاء خير البرية: فجَزَاءُ “خَيْرِ الْبَرِيَّةِ”، الْفَوْزُ الْأَبَدِيُّ؛ فقال تعالى: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) (8) البينة، ولَكِنَّ هَذَا الْجَزَاءَ لَهُ شَرْطٌ، ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي خِتَامِ السُّورَةِ، فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾، فَالْخَشْيَةُ هِيَ الْمُحَرِّكُ لِلْعَمَلِ، وَهِيَ الْعَاصِمُ مِنَ الزَّلَلِ، فمَنْ خَشِيَ اللهَ فِي سِرِّهِ، صَلُحَ عَلَانِيَتُهُ، ومَنْ خَشِيَ اللهَ فِي مَالِهِ، طَابَ مَكْسَبُهُ، ومَنْ خَشِيَ اللهَ فِي عِيَالِهِ، حَسُنَتْ تَرْبِيَتُهُمْ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مِنْ خِيَارِ الْبَرِيَّةِ، فَلْيَجْعَلْ مَقَامَ رَبِّهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ، وَلْيَجْعَلْ هَمَّهُ إِرْضَاءَ مَنْ خَلَقَهُ وَسَوَّاهُ.
أيها المسلمون
وَفِي الْمُقَابِلِ، نَجِدُ الصِّنْفَ الْآخَرَ، وهم الَّذِي وَصَفَهُم اللَّهُ بِأَنَّهُمْ: “شَرُّ الْبَرِيَّةِ“: فَهُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا الْحَقَّ فَأَنْكَرُوهُ، أَوْ جَاءَهُمُ الْهُدَى فَتَوَلَّوْا عَنْهُ، فإِنَّ كُفْرَهُمْ لَمْ يَكُنْ مَحْضَ جَهْلٍ، بَلْ كَانَ جُحُودًا وَاسْتِكْبَارًا، فهَؤُلَاءِ بَلَغُوا مِنَ السُّقُوطِ مَبْلَغًا جَعَلَهُمْ أَدْنَى مَنْزِلَةً مِنَ الْبَهَائِمِ؛ لِأَنَّهُمْ عَطَّلُوا عُقُولَهُمْ وَقُلُوبَهُمْ عَنْ إِدْرَاكِ الْغَايَةِ الَّتِي خُلِقُوا لِأَجْلِهَا، فَصَارُوا شَرَّ مَنْ دَبَّ عَلَى الْأَرْضِ، لِأَنَّهُمْ أَفْسَدُوا فِطْرَةَ اللَّهِ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَأَفْسَدُوا فِي أَرْضِ اللَّهِ بِأَعْمَالِهِمْ،
فشر البرية: الكَفُورُ الَّذِي عَرَفَ اللهَ ثُمَّ أَنْكَرَ، وَأَبْصَرَ آيَاتِهِ ثُمَّ اسْتَكْبَرَ، وشَرُّ البَرِيَّةِ: هُوَ مَنْ عَادَى الحَقَّ، وَأَفْسَدَ فِي الأَرْضِ، وَعَاشَ لِنَفْسِهِ وَشَهَوَاتِهِ، نَاسِياً يَوْمَ العَرْضِ عَلَى رَبِّهِ، وَقَدْ نَزَعَ اللهُ عَنْهُمْ كُلَّ كَرَامَةٍ، حِينَ كَفَرُوا بِهِ، فَصَارُوا أَقَلَّ شَأْناً مِنَ الجَمَادَاتِ، لِأَنَّ الجَمَادَ يُسَبِّحُ بِحَمْدِ اللهِ، وَهَؤُلَاءِ يَجْحَدُونَ بِنِعْمَتِهِ.
(خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، وَشَرُّ الْبَرِيَّةِ): وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم بعض صفاتهم، ففي صحيح مسلم: (وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ»، وفيه أيضا: (وَتَجِدُونَ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ». وفي مسند أحمد: (وَشِرَارُ عِبَادِ اللَّهِ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ الْعَنَتَ»، وقال صلى الله عليه وسلم: (وَشَرُّكُمْ مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ» رواه الترمذي، ومن صفاتهم المعاصرة: (كفر النعمة، والإفساد في الأرض، وترويع الآمنين، وضياع الأمانة)،
ثم بين الله تعالى جزاء شر البرية، فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا) (6) البينة،
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
(خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، وَشَرُّ الْبَرِيَّةِ): ونحن فِي زَمَنٍ تَعَدَّدَتْ فِيهِ المَقَايِيسُ، وَتَبَايَنَتْ فِيهِ المَوَازِينُ؛ فَهَذَا يَقِيسُ النَّاسَ بِمَالِهِمْ، وَذَاكَ بِجَاهِهِمْ، وَآخَرُ بِقُوَّتِهِمْ.. ولكن يَأْتِي القُرْآنُ الكَرِيمُ لِيَضَعَ المِعْيَارَ الحَقِيقِيَّ وَالخَالِدَ لِقِيمَةِ الإِنْسَانِ، فحَصَرَ اللهُ الخَلِيقَةَ كُلَّهَا فِي صِنْفَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: “خَيْرُ البَرِيَّةِ” وَ “شَرُّ البَرِيَّةِ”. فـ”خَيْر البَرِيَّةِ: عَرَفُوا مَقْصِدَ وُجُودِهِمْ: فَلَمْ تَتُهْ أَقْدَامُهُمْ فِي مَتَاهَاتِ الدُّنْيَا، بَلْ جَعَلُوا وِجْهَتَهُمْ لِلهِ، وقَرَنُوا القَوْلَ بِالعَمَلِ: فَلَمْ يَكْتَفُوا بِإِيمَانٍ بَارِدٍ، بَلْ بَرْهَنُوا عَلَيْهِ بِـ “الصَّالِحَاتِ”؛ صَلَاةً، وَصِدْقاً، وَبِرّاً، وَنَفْعاً لِلنَّاسِ، ولِأَنَّهُمْ عَمَّرُوا الأَرْضَ بِالخَيْرِ: فَالمُؤْمِنُ كَالغَيْثِ أَيْنَمَا وَقَعَ نَفَعَ.
ومن خير البرية كما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم: كما في صحيح مسلم: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ»، وقد يكون العبد من خير البرية عند الله، ولكنه غير معروف للناس، ففي صحيح البخاري: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ «مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ. قَالَ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا». فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لاَ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لاَ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لاَ يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا»،
واعلموا أنَّ الكَوْنَ كُلَّهُ يُحِبُّ “خَيْرَ البَرِيَّةِ“؛ فَالمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، وَالشَّجَرُ وَالحَجَرُ يَشْهَدُ لَهُمْ، وَحَتَّى الحِيتَانُ فِي البَحْرِ تُصَلِّي عَلَيْهِمْ.
وَفِي المُقَابِلِ، فَإِنَّ “شَرَّ البَرِيَّةِ” ثَقِيلٌ عَلَى الأَرْضِ، كَرِيهٌ فِي السَّمَاءِ، مَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ حِينَ رَحَلُوا، بَلْ تَنَفَّسَ الوُجُودُ الصُّعَدَاءَ بِهَلَاكِهِمْ.
فكُنْ مِنْ “خَيْرِ البَرِيَّةِ” بِأَنْ تَكُونَ سَلِيماً لِلْمُسْلِمِينَ، نَافِعاً لِلْمُحْتَاجِينَ، مُسْتَسْلِماً لِرَبِّ العَالَمِينَ ،وَاحْذَرِ الظُّلْمَ وَالكِبْرَ وَالإِعْرَاضَ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، لِئَلَّا تَنْزَلِقَ إِلَى هُوِيَّةِ “شَرِّ البَرِيَّةِ” وَأَنْتَ لَا تَشْعُرُ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (خَيْرُ الْبَرِيَّةِ وَشَرُّ الْبَرِيَّةِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ صِفَاتِ “شَرِّ الْبَرِيَّةِ“؛ فَكُلُّ مَعْصِيَةٍ هِيَ جُزْءٌ مِنْ هَذَا الشَّرِّ، وَكُلُّ إِعْرَاضٍ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ هُوَ سُلُوكٌ فِي طَرِيقِهِمْ، وحَيَاتَنَا بِمَا فِيهَا مِنْ فِتَنٍ وَمُغْرِيَاتٍ، تَتَطَلَّبُ مِنَّا تَجْدِيدَ الْعَهْدِ مَعَ اللَّهِ، لِنَكُونَ مِمَّنْ سَبَقَتْ لَهُمُ الْحُسْنَى، فَالْخَيْرِيَّةُ لَيْسَتْ لَقَبًا يُدَّعَى، بَلْ هِيَ وَاقِعٌ يُعَاشُ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَنَفْعِ خَلْقِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:69]. وَفي الحديث: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ» قِيلَ :وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» [صحيح البخاري].
فالْخَيْرِيَّةَ الَّتِي مَدَحَهَا اللَّهُ تَتَجَلَّى فِي سَلَامَةِ الصَّدْرِ، وَنَفْعِ الْبَشَرِ، فَخَيْرُ الْبَرِيَّةِ هُوَ مَنْ كَفَّ أَذَاهُ عَنِ النَّاسِ، وَبَذَلَ نَدَاهُ لِلْمُحْتَاجِينَ، أما الْمُسْلِم الَّذِي يُؤْذِي جِيرَانَهُ، أَوْ يَغُشُّ فِي مُعَامَلَاتِهِ، أَوْ يَسْعَى بِالْفَسَادِ بَيْنَ النَّاسِ، فإنه يَقْتَرِبُ بِأَفْعَالِهِ مِنْ أَوْصَافِ شَرِّ الْبَرِيَّةِ، وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ، فَالْإِيمَانُ لَيْسَ تَمَنِّيًا، وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ وَصَدَّقَهُ الْعَمَلُ.
فلِيَنْظُرْ كُلٌّ مِنَّا فِي صَحِيفَةِ عَمَلِهِ؛ هَلْ نَحْنُ مِمَّنْ يُقَرِّبُونَ النَّاسَ إِلَى اللَّهِ بِأَخْلَاقِهِمْ؟، هَلْ نَحْنُ مِمَّنْ يَجِدُ الْمَسَاكِينُ فِيهِمْ مَلَاذًا وَرَحْمَةً؟، فإِنَّ الطَّرِيقَ لِتَكُونَ مِنْ “خَيْرِ الْبَرِيَّةِ” مَفْتُوحٌ بَابُهُ، وَهُوَ مَيْسُورٌ لِمَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فابْدَأْ بِتَصْحِيحِ نِيَّتِكَ، ثُمَّ أَقِمْ صَلَاتَكَ، وَبِرَّ وَالِدَيْكَ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ، وَاصْدُقْ فِي قَوْلِكَ.
واعلموا أنَّ الدُّنْيَا سَاعَةٌ، وَالْمَوْعِدَ الْقِيَامَةُ، وَهُنَاكَ سَيَنْكَشِفُ الْغِطَاءُ، وَيَتَمَيَّزُ الْخَبِيثُ مِنَ الطَّيِّبِ، فَلْنَسْعَ جَاهِدِينَ أَنْ نَحْشُرَ فِي زُمْرَةِ الَّذِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ، نَسَبًا إِلَى الْإِيمَانِ، وَخَيْرِ النَّاسِ نَفْعًا لِلْإِنْسَانِ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:96].
فَاتَّقُوا اللهَ، وَتَنَافَسُوا فِي أَعْمَالِ الخَيْرِ، واجْعَلُوا أَهْدَافَكُمْ فِي الدُّنْيَا أَنْ تَكُونُوا مِمَّنْ يُشَارُ إِلَيْهِمْ بِالبَنَانِ فِي صَلَاحِ الدِّينِ وَطِيبِ الخُلُقِ. فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ خَيْرِ البَرِيَّةِ، وَأَعِذْنَا أَنْ نَكُونَ مِنْ شَرِّ البَرِيَّةِ. وارْزُقْنَا الإِيمَانَ الصَّادِقَ، وَالعَمَلَ الصَّالِحَ المُتَقَبَّلَ. واجْعَلْنَا مِمَّنْ رَضِيتَ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْكَ. وأَصْلِحْ فَسَادَ قُلُوبِنَا، وَثَبِّتْنَا عَلَى الهُدَى حَتَّى نَلْقَاكَ وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا.
الدعاء
