خطبة عن (خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، وَشَرُّ الْبَرِيَّةِ)
فبراير 1, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (وَجلُ القُلُوب)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) (60)، (61) المؤمنون، وقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:2]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:34-35]. وَفي الحديث: (عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ» [سنن أبي داود].
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع قوله تعالى: (قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ): فإِنَّ “الْوَجَلَ” هُوَ تِلْكَ (الِارْتِعَاشَةُ الْإِيمَانِيَّةُ) الَّتِي تُصِيبُ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ تَعْظِيماً لِخَالِقِهِ، وَفَزَعاً مِنْ جَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ، وهِيَ صِفَةُ خَوَاصِّ الْخَلْقِ، وَدَلِيلُ صِدْقِ الْإِيمَانِ؛ فَالْقَلْبُ الَّذِي لَا يَجِلُ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ قَلْبٌ فِيهِ قَسْوَةٌ، وَالنَّفْسُ الَّتِي لَا تَهْتَزُّ لِوَعِيدِ اللَّهِ نَفْسٌ فِيهَا غَفْلَةٌ، والْوَجَل لَيْسَ جُبْناً، بَلْ هُوَ “هَيْبَةٌ” تَقُودُ إِلَى الطَّاعَةِ، وَ”خَوْفٌ” يَحْجِزُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ، فَإِذَا نَطَقَ اللِّسَانُ بِاسْمِ “اللَّهِ”، وَجَدَ الْمُؤْمِنُ فِي دَاخِلِهِ رَعْدَةً مِحْرَابُهَا التَّعْظِيمُ، وَقِبْلَتُهَا الْإِجْلَالُ.
وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) [المؤمنون:60]: فَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ أَهْلَ الْوَجَلِ بِأَنَّهُمْ مَعَ كُلِّ مَا يُقَدِّمُونَهُ مِنْ طَاعَاتٍ، فإنهم يَخَافُونَ أَلَّا تُقْبَلَ مِنْهُمْ؛ والسؤال: لماذا؟؟؟، والجواب: ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾، وقد سَأَلَتْ أم المؤمنين عَائِشَةُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) النَّبِيَّ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: أَهُمُ الَّذِينَ يَسْرِقُونَ وَيَزْنُونَ؟ فَقَالَ: «لَا يَا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ» [سنن الترمذي]، وهَذَا هُوَ الْوَجَلُ الْحَقِيقِيُّ؛ أَنْ تَكُونَ عَظِيمَ الْعَمَلِ، كَبِيرَ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ، لَا تَمُنُّ عَلَى خَالِقِكَ، وَلَا تَأْمَنُ مَكْرَهُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
لِلْقُلُوبِ لُغَة، وَإِنَّ أَرْقَى لُغَاتِ القَلْبِ هِيَ “الوَجَلُ”، فالمُحِبَّ حِينَ يُذْكَرُ مَحْبُوبهُ العَظِيمُ، يَخْضَعُ لَهُ هَيْبَةً وَإِجْلَالاً، وتَأَمَّلُوا في الآية الكريمة: فقد حَصْرَ اللهِ اِلإِيمَانِ الكَامِلِ فِي أَهْلِ الوَجَلِ، فقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال:2].. فلَمْ يَقُلْ (صَلَّتْ أَبْدَانُهُمْ)، بَلْ بَدَأَ بِـ “الوَجَلِ”؛ لِأَنَّ الحَرَكَةَ فِي الصَّلَاةِ بِلَا وَجَلٍ كَجَسَدٍ بِلَا رُوحٍ، فوَجَلُ القلب هُوَ “تِرْمُومِتْرُ” الإِيمَانِ؛ فَإِذَا ذُكِرَ اللهُ أَمَامَكَ، وَلَمْ يَتَحَرَّكْ فِيكَ سَاكِنٌ، فَابْكِ عَلَى قَلْبِكَ، فَإِنَّهُ يَشْكُو قَسْوَةً، يقول الصحابي الجليل (عبدالله بن مسعود) رضي الله عنه: “اطلب قلبك في ثلاثة مواطن: عند سماع القرآن، وفي مجالس الذكر، وفي وقت الخلوة، فإن لم تجده في هذه المواطن، فاعلم أنه لا قلب لك فسل الله قلبًا آخر”
والسؤال: مَا الَّذِي يُورِثُ الوَجَلَ؟، والجواب: المَعْرِفَةُ بِعَظَمَةِ الجَبَّارِ: فمَنْ عَرَفَ أَنَّ الكَوْنَ كُلَّهُ فِي قَبْضَةِ اللهِ، وَأَنَّ السَّمَاوَاتِ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، كَيْفَ لَا يَوْجَلُ قَلْبُهُ؟، ومما يورث الوجل: تَدَبُّرُ القُرْآنِ: فحِينَ تَسْمَعُ الوَعِيدَ، وَتَسْمَعُ أَهْوَالَ القِيَامَةِ، وَتَسْمَعُ نِدَاءَ اللهِ لِلْعِبَادِ، يَنْفُذُ النُّورُ إِلَى مَسَامِ القَلْبِ فَيَهْتَزُّ وَيَرْبُو. ومما يورث الوجل: الخَوْفُ مِنْ عَدَمِ القَبُولِ: وَهَذِهِ أَعْظَمُ صِفَاتِ السَّابِقِينَ؛ يَقُولُ اللهُ عَنْهُمْ: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}. وفي الحديث: (الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُتَقَبَّلَ مِنْهُمْ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ الْوَجَلَ يُورِثُ فِي الْإِنْسَانِ أَدَباً مَعَ اللَّهِ؛ فَلَا يَتَجَرَّأُ عَلَى مَحَارِمِهِ، وَلَا يَتَهَاوَنُ فِي أَوَامِرِهِ، وَنَحْنُ فِي هَذَا الزَّمَانِ، حَيْثُ كَثُرَتِ الشَّوَاغِلُ، وَقَسَتِ الْقُلُوبُ، بِسَبَبِ الِانْغِمَاسِ فِي الْمَادِّيَّاتِ، فنحن أَحْوَجُ مَا نَكُونُ إِلَى أَنْ نَسْأَلَ اللَّهَ قُلُوباً وَجِلَةً، فَالْقَلْبُ الْوَجِلُ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ آيَةً فَيَنْزَجِرُ ،وَيَرَى مَوْعِظَةً فَيَعْتَبِرُ، وهُوَ الْقَلْبُ الَّذِي إِذَا هَمَّ بِظُلْمٍ، تَذَكَّرَ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَارْتَجَفَتْ فَرِائِصُهُ ،وَكَفَّ عَنْ ظُلْمِهِ.
واعْلَمُوا أَنَّ الْوَجَلَ مِنَ اللَّهِ يَعْقِبُهُ أَمْنٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَمَنْ خَافَ اللَّهَ فِي الدُّنْيَا أَمَّنَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، ففي صحيح ابن حبان: (عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يروي عن ربه جل وعلا قال: (وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين، إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة) ، فالْوَجَلَ هُوَ السَّوْطُ الَّذِي يَسُوقُ النَّفْسَ إِلَى الْجَنَّةِ، وَهُوَ النُّورُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ الْعَبْدُ مَوَاضِعَ الزَّلَلِ، فَلْنُفَتِّشْ فِي صُدُورِنَا، هَلْ تَحَرَّكَتْ قُلُوبُنَا عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ؟، هَلْ وَجِلَتْ نُفُوسُنَا عِنْدَ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ؟، فإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَلْنَبْكِ عَلَى قَسَاوَةِ قُلُوبِنَا، وَلْنَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:23]. وَفي الحديث: (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «اقْرَأْ عَلَيَّ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي»، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، قَالَ: «حَسْبُكَ الْآنَ»، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ) [صحيح البخاري]. فهَذَا هُوَ حَالُ سَيِّدِ الْخَلْقِ ﷺ؛ يَبْكِي وَيَجِلُ قَلْبُهُ عِنْدَ سَمَاعِ الْوَحْيِ، وَهُوَ الْمَغْفُورُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ،
فإِنَّ ثَمَرَةَ الْوَجَلِ لَيْسَتْ فَقَطْ فِي الْبُكَاءِ، بَلْ فِي “لِينِ الْقَلْبِ” بَعْدَهُ؛ فَالسَّكِينَةُ تَعْقِبُ الْوَجَلَ، وَالرَّحْمَةُ تَنْزِلُ بَعْدَ الْخَشْيَةِ، فالْمُؤْمِنُ الْوَجِلُ هُوَ أَسْرَعُ النَّاسِ رُجُوعاً عَنِ الْخَطَأِ، وَأَكْثَرُهُمْ مُسَارَعَةً إِلَى الْمَغْفِرَةِ، فاجْعَلُوا لِقُلُوبِكُمْ حَظّاً مِنَ الْخَلْوَةِ بِاللَّهِ، وَتَدَبَّرُوا فِي مَلَكُوتِهِ، وَتَذَكَّرُوا يَوْمَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَالْوَجَلُ سِيَاجٌ يَحْمِي إِيمَانَكُمْ، وَحِصْنٌ يَمْنَعُ عَنْكُمْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ. وَاعْلَمُوا أَنَّ الْقَلْبَ إِذَا وَجِلَ أَمَامَ أَمْرِ اللَّهِ، أَعَزَّهُ اللَّهُ أَمَامَ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ،
ونَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا قُلُوباً وَجِلَةً، وَأَعْيُناً دَامِعَةً، وَنُفُوساً مُخْبِتَةً، وأن يجْعَلْنَا مِمَّنْ إِذَا ذُكِرْت آياته وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُه زَادَتْهُمْ إِيمَاناً. فاللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الْقَسْوَةِ، وَارْزُقْنَا خَشْيَتَكَ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ،
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (وَجلُ القُلُوب)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد:16].فمن الملاحظ أننا في زمن “قَسْوَةِ القُلُوبِ” لأننا نعيش فِي زَمَنِ المَادِيَّاتِ؛ زمن كَثْرَة اللَّغْوِ وَالضَّحِكِ، وَانْشِغَالَ النَّاسِ بِتَفَاهَاتِ الدُّنْيَا، فترتب على ذلك أن جَعَلَ الله القُلُوبَ كَالحِجَارَةِ، فهي تسمع الذكر ولا تخشع، وتسمع المواعظ ولا تخضع، وترى أعينهم الآيات فلا تدمع، وأذكر لكم مَوْقِفَ الصَّحَابَةِ حِينَ وَعَظَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَبَكَوْا حَتَّى بَلُّوا لِحَاهُمْ؛ وكَانَتْ صُدُورُهُمْ تَغْلِي كَالمَرَاجِلِ مِنْ وَجَلِ اللهِ، ففي مسند أحمد: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمُ الْقَالَةُ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ لَقِىَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَوْمَهُ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِى أَصَبْتَ قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَاماً فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُ فِى هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ شَيْءٌ. قَالَ «فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ». قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا إِلاَّ امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي وَمَا أَنَا. قَالَ «فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ ». قَالَ فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ الأَنْصَارَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ. قَالَ فَجَاءَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَىُّ مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَحَمِدَ اللَّهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلاَّلاً فَهَدَاكُمُ اللَّهُ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ». قَالُوا بَلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ. قَالَ «أَلاَ تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ». قَالُوا وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ. قَالَ «أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ أَتَيْتَنَا مُكَذَّباً فَصَدَّقْنَاكَ وَمَخْذُولاً فَنَصَرْنَاكَ وَطَرِيداً فَآوَيْنَاكَ وَعَائِلاً فَآسَيْنَاكَ، أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُم يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْماً لِيُسْلِمُوا وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلاَمِكُمْ، أَفَلاَ تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ فِي رِحَالِكُمْ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلاَ الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَءاً مِنَ الأَنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْباً وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْباً لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ». قَالَ فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْماً وَحَظًّا).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فمَا هِيَ ثَمَرَةُ وَجَلِ القَلْبِ؟، والجواب: الِانْزِجَارُ عَنِ المَعَاصِي: فالقَلْبُ الوَجِلُ إِذَا هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ، انْتَفَضَ ذِكْرُ اللهِ فِيهِ فَقَالَ: “إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ”. ومن ثمرة الوجل: السُّكُونُ وَالطُّمَأْنِينَةُ: فَالقَلْبُ الَّذِي يَوْجَلُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، هُوَ أَسْكَنُ القُلُوبِ وَأَطْمَأَنُّهَا، لِأَنَّ خَوْفَهُ مِنَ الخَالِقِ أَمَّنَهُ مِنْ مَخَاوِفِ المَخْلُوقِينَ. ومن ثمرة الوجل: البُشْرَى الإِلَهِيَّةُ: لَقَدْ بَشَّرَ اللهُ المُخْبِتِينَ الوَجِلِينَ بِالفَلَاحِ وَالجَنَّةِ.
واعلموا أنَّ الوَجَلَ لَيْسَ لَحْظَةً تَنْقَضِي فِي خُطْبَةٍ، بَلْ هُوَ حَالٌ يُصَاحِبُ المُؤْمِنَ فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ، فَتَفَقَّدُوا قُلُوبَكُمْ عِنْدَ قِرَاءَةِ القُرْآنِ، وَعِنْدَ سَمَاعِ المَوَاعِظِ، وَعِنْدَ ذِكْرِ المَوْتِ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ وَجَلاً، فَالإِيمَانُ حَيٌّ، وَإِنْ وَجَدْتُمْ جُمُوداً، فَاسْتَغْفِرُوا اللهَ وَارْجِعُوا إِلَيْهِ.
فاللَّهُمَّ اجْعَلْ قُلُوبَنَا تَوْجَلُ لِذِكْرِكَ، وَتَخْضَعُ لِعَظَمَتِكَ. اللَّهُمَّ لَيِّنْ قَسْوَةَ قُلُوبِنَا، وَارْزُقْنَا رِقَّةً فِي المَشَاعِرِ، وَدَمْعاً فِي المَحَاجِرِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ إِذَا ذُكِرْتَ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُكَ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا. اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ قُلُوبُهُمْ مُعَلَّقَةٌ بِعَرْشِكَ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ.
الدعاء
