خطبة عن الدنيا وحديث ( مَا لِي وَلِلدُّنْيَا مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ ظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا)
فبراير 14, 2026الخطبة الأولى (مفسدات النية) مختصرة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
روى البخاري في صحيحه: (أن رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»،
إخوة الإسلام
إن النية الصالحة للعمل الصالح كانت سببا في نجاة الثلاثة الذين سدت الصخرة عليهم الغار، فذكر كل منهم عملا صالحا ثم قال (اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّى فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً)، فكانت النتيجة (فَفَرَجَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُمْ فَخَرَجُوا يَتَمَاشَوْنَ » رَوَاهُ مُسْلِمٌ
والمرأة البغيّ من بني إسرائيل سقت كلبًا فغفر الله لها وذلك بسبب نية الرحمة الصادقة في قلبها، والعامل البسيط يخرج طلبًا للرزق الحلال ليعفّ نفسه وأهله، فيُكتب له أجر المجاهد إذا احتسب النية. ففي سنن البيهقي: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تَبُوكًا فَمَرَّ بِنَا شَابٌّ نَشِيطٌ يَسُوقُ غُنَيْمَةً لَهُ فَقُلْنَا : لَوْ كَانَ شَبَابُ هَذَا وَنَشَاطُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْهَا فَانْتَهَى قَوْلُنَا حَتَّى بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ :« مَا قُلْتُمْ؟ ». قُلْنَا : كَذَا وَكَذَا. قَالَ :« أَمَا إِنَّهُ إِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى عِيَالٍ يَكْفِيهِمْ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ». وفي رواية: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :«وَمَا سَبِيلُ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ قُتِلَ؟؟؟؟، مَنْ سَعَى عَلَى وَالِدَيْهِ فَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَنْ سَعَى عَلَى عِيَالِهِ فَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَنْ سَعَى عَلَى نَفْسِهِ لِيُعِفَّهَا فَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ سَعَى عَلَى التَّكَاثُرِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ».
وإصلاح النية فيه مجاهدة وصعوبة، ولكن الله تعالى ييسره على من أخلص، فتصفية العمل من الآفات أشد من العمل نفسه، وقد قال ﷺ كما في صحيح مسلم: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِى آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ»،
وفي مسند أحمد، قال صلى الله عليه وسلم: «لَقَلْبُ ابْنِ آدَمَ أَشَدُّ انْقِلاَباً مِنَ الْقِدْرِ إِذَا اجْتَمَعَتْ غَلْياً»، فتصحيح النية يشق على النفس، وتحتاج القضية فيه إلى معالجة، وأحياناً يحدث أن بعض الناس يبدأ بالعمل لغير الله، فيوفقه الله، وتدركه رحمة الله، فيغير نيته، فتذهب النية الباطلة، وتحل بدلاً منها النية الطيبة، قال مجاهد رحمه الله: “طلبنا العلم ومالنا فيه كثير نية، ثم رزقنا الله تعالى فيه تصحيح النية”، وقال صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلاَ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ». وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ، وفي رواية: «إِنَّ اللَّهَ لاَ
يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ».
والنية في العمل قد تجعل الحلال حراما، وقد تجعل المباح محظورا، فمثلا: الزواج عمل مشروع، ويحث عليه الدين، وأمرنا به سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، والصداق أو المهر ركن من أركان النكاح، ويجوز دفعه مقدما أو تأخيره، ولكن، إذا نوى الرجل أن لا يدفع الصداق المؤخر لمن أراد نكاحها، أصبح هذا الرجل زانيا بهذه المرأة ،وليس زوجا لها بالحلال ،لمجرد نيته الصادقة بعدم دفع الصداق لهذه المرأة ،بعد الدخول بها،
ومثال آخر: فمعلوم لنا أن الدين مباح، ولكن، من استدان دينا، وهو ينوي عدم السداد، أصبح هذا الشخص سارقا لهذ المال، والشاهد على المثالين السابقين ما رواه الإمام أحمد في مسنده: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «أَيُّمَا رَجُلٍ أَصْدَقَ امْرَأَةً صَدَاقاً وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُرِيدُ أَدَاءَهُ إِلَيْهَا فَغَرَّهَا بِاللَّهِ وَاسْتَحَلَّ فَرْجَهَا بِالْبَاطِلِ لَقِىَ اللَّهَ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَهُوَ زَانٍ وَأَيُّمَا رَجُلٍ ادَّانَ مِنْ رَجُلٍ دَيْناً وَاللَّهُ يَعْلَمُ مِنْهُ إِنَّهُ لاَ يُرِيدُ أَدَاءَهُ إِلَيْهِ فَغَرَّهُ بِاللَّهِ وَاسْتَحَلَّ مَالَهُ بِالْبَاطِلِ لَقِىَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَهُوَ سَارِقٌ»،
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية (مفسدات النية)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
أما عن مفسدات النية: فأولها الرياء: وهو أن يعمل الإنسان العمل الصالح ليراه الناس، فهذا لا أجر له يوم القيامة، ففي صحيح مسلم: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ».
ومن مفسدات النية: السمعة: وهي أن يعمل العمل الصالح ليسمع الناس به. ففي الصحيحين: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ».
ومن مفسدات النية: حبّ الثناء، وطلب المدح. قال شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله: (لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء)، وفي الصحيحين: (مَدَحَ رَجُلٌ رَجُلاً عِنْدَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- – قَالَ – فَقَالَ «وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ»
والسؤال: كيف نُصلح نياتنا؟: والجواب: بكثرة ذكر الله، فبذكر الله تعالى تطيب القلوب ، وتخلص النيات،
وكذلك استحضار الدار الآخرة، والوقوف بين يدي الله قبل كل عمل. فهذا كله يجعلك تعمل العمل الصالح لله تعالى.
وتصلح النية: بتجديد النية كلما نُسيَت أو أخطأت، والدعاء بـ«اللهم اجعل عملي كله صالحًا، ولوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحدٍ غيرك فيه شيئًا».
وفي سنن ابن ماجه: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا عَلَى الإِخْلاَصِ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَعِبَادَتِهِ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، مَاتَ وَاللَّهُ عَنْهُ رَاضٍ».
الدعاء
