خطبة عن (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ)
مارس 26, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) (141) النساء. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران:١٣٩]. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الإِسْلامُ يَعْلُو وَلا يُعْلَى» رواه الدارقطني
إخوة الإسلام
لقاؤنا الْيَوْمَ -إن شاء الله تعالى- مع حَقِيقَةٍ قُرْآنِيَّةٍ كُبْرَى، وَوَعْدٍ رَبَّانِيٍّ قَاطِعٍ، يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كُلُّ مُسْلِمٍ، فِي زَمَنٍ كَثُرَتْ فِيهِ التَّحَدِّيَاتُ، وَتَكَالَبَتْ فِيهِ الْأُمَمُ؛ موعدنا مع قَوْل اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} (141) النساء. فهَذِهِ الْآيَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ خَبَرٍ، بَلْ هِيَ دُسْتُورٌ لِلْعِزَّةِ، وَمِيزَانٌ لِلْبَقَاءِ، إِنَّهَا تُقَرِّرُ أَنَّ الْغَلَبَةَ الدَّائِمَةَ، وَالسُّلْطَانَ الْحَقِيقِيَّ، وَالْعُلُوَّ الْمُطْلَقَ، لَا يَكُونُ إِلَّا لِأَهْلِ الْإِيمَانِ، فَمَهْمَا عَمَّ الظَّلَامُ، وَمَهْمَا بَلَغَ مَكْرُ الْأَعْدَاءِ، فَإِنَّ كَلِمَةَ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَإِنَّ سَبِيلَ اللهِ هُوَ الْأَقْوَى.
وتَأَمَّلُوا فِي هَذَا النَّفْيِ الْمُؤَكَّدِ بِـ “لَنْ”: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ}: فهُوَ نَفْيٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ كُلِّهِ، والبَعْض قَدْ يَتَسَاءَلُ: أَلَيْسَ لِلْكَافِرِينَ عَلَيْنَا سَبِيلٌ فِي بَعْضِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ؟، وَالْجَوَابُ يَقْتَضِي فَهْماً عَمِيقاً لِشَرْطِ الْآيَةِ، لَقَدْ قَالَ اللهُ تعالى: {عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}؛ وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ كُلَّمَا تَحَقَّقَ “الْإِيمَانُ” فِي الْقُلُوبِ وَالْجَوَارِحِ وَالسُّلُوكِ، انْسَدَّتْ كُلُّ السُّبُلِ أَمَامَ الْأَعْدَاءِ، فَإِذَا رَأَيْنَا لِلْكَافِرِينَ سَبِيلاً، فَلْنَعْلَمْ أَنَّ نَقْصاً قَدْ حَدَثَ فِي إِيمَانِنَا، وَأَنَّ خَلَلاً قَدْ أَصَابَ صِلَتَنَا بِاللهِ، فَالْعِزَّةُ مَشْرُوطَةٌ بِالْإِيمَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} المنافقون:8.
وقوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} (141) النساء. فإِنَّ “السَّبِيلَ” الَّذِي نَفَاهُ اللهُ يَشْمَلُ جَوَانِبَ كَثِيرَةً، فَأَوَّلُهَا: سَبِيلُ الْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ: فَلَا يُمْكِنُ لِكَافِرٍ أَبَداً أَنْ يَغْلِبَ الْمُؤْمِنَ بِالْحُجَّةِ، إِذَا كَانَ الْمُؤْمِنُ فَقِيهاً فِي دِينِهِ، فنُور الْوَحْيِ يَنْسِفُ كُلَّ شُبْهَةٍ، وَيَدْحَضُ كُلَّ بَاطِلٍ.
وَثَانِيَهَا: سَبِيلُ الِاسْتِئْصَالِ: فَقَدْ جَعَلَ اللهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ مَرْحُومَةً، لَا يُسَلِّطُ عَلَيْهَا عَدُوّاً يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهَا بِالْكُلِّيَّةِ، ففي صحيح مسلم: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَنْ لاَ يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ وَأَنْ لاَ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لاَ يُرَدُّ وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لأُمَّتِكَ أَنْ لاَ أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ وَأَنْ لاَ أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا – أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا – حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا». وفيه أيضا: قَالَ -صلى الله عليه وسلم- «سَأَلْتُ رَبِّي ثَلاَثًا، فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ، وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لاَ يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لاَ يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لاَ يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا».
وَثَالِثُهَا: سَبِيلُ الْعِزَّةِ النَّفْسِيَّةِ: فَالْمُؤْمِنُ لَا يَنْكَسِرُ لِغَيْرِ اللهِ، وَلَا يَرَى نَفْسَهُ أَدْنَى مِنْ عَدُوِّهِ، وَلَوْ مَلَكَ الْعَدُوُّ أَلَافَ الْقَنَابِلِ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْتَمِدُّ قُوَّتَهُ مِنْ قُوَّةِ الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وقوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} (141) النساء. فالْآيَة جَاءَتْ بَعْدَ ذِكْرِ صِفَاتِ “الْمُنَافِقِينَ” الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَكَأَنَّ اللهَ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ لنا:
إِنَّ مَكْرَ الْمُنَافِقِينَ مِنْ دَاخِلِ الْأُمَّةِ، وَمَكْرَ الْكَافِرِينَ مِنْ خَارِجِهَا، لَنْ يُفْلِحَ فِي إِخْضَاعِ أَهْلِ الْإِيمَانِ الْخَالِصِ، وأنَّ خُطُورَةَ “السَّبِيلِ” تَبْدَأُ حِينَمَا نَتَمَثَّلُ بِهِمْ، وَحِينَمَا نَرْكَنُ إِلَيْهِمْ، وَحِينَمَا نَتْرُكُ أَسْبَابَ قُوَّتِنَا الرُّوحِيَّةِ وَالْمَادِّيَّةِ، وقَدْ أَمَرَنَا اللهُ بِإِعْدَادِ الْقُوَّةِ، فقال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} الأنفال:60. وفي صحيح مسلم: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ) فَالْإِيمَانُ الَّذِي يَسُدُّ السَّبِيلَ: هُوَ الْإِيمَانُ الْعَامِلُ، الْإِيمَانُ الَّذِي يَبْنِي، وَيَصْنَعُ، وَيَتَحَدَّى، وَيَتَوَكَّلُ.
والمتدبر لقوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} (141) النساء. فتَارِيخَنا الْإِسْلَامِيّ شَاهِدٌ صَادِقٌ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: فَفِي بَدْرٍ، وَفِي الْقَادِسِيَّةِ، وَفِي حِطِّينَ، وَعَيْنِ جَالُوتَ؛ لَمَّا كَانَ الْمُسْلِمُونَ مُؤْمِنِينَ حَقّاً، لَمْ يَكُنْ لِلْكَافِرِينَ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ، رَغْمَ فِرْقَةِ الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ،
وَاليوم لَمَّا رَكَنَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الدُّنْيَا، وَتَنَافَسُوهَا، وَتَفَرَّقُوا؛ صَارَ لِلْعَدُوِّ سَبِيلٌ بِمِقْدَارِ مَا تَرَكُوا مِنْ دِينِهِمْ، فالْآيَة تَبْعَثُ فِي نُفُوسِنَا الْأَمَلَ: أَنَّ النَّصْرَ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِينَا، إِذَا عُدْنَا إِلَى مَنْبَعِ عِزِّنَا، فَلَا يَأْسَ مَعَ الْإِيمَانِ، وَلَا هَزِيمَةَ مَعَ الصِّدْقِ مَعَ اللهِ.
وقوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}(141) النساء: فمن معانيها: أَنَّ اللهَ لَا يَسُنُّ شَرْعاً، وَلَا يُقَدِّرُ قَدَراً، يَجْعَلُ فِيهِ الْكَافِرَ “حُجَّةً” عَلَى الْمُؤْمِنِ، أَوْ يَجْعَلُ لَهُ سُلْطَاناً يُلْغِي وُجُودَ أُمَّةِ الْإِسْلَامِ، فَانْفُضُوا عَنْكُمْ غُبَارَ التَّبَعِيَّةِ، وَاسْتَحْضِرُوا عِظَمَ الِانْتِمَاءِ لِهَذَا الدِّينِ، ولِنَجْعَلْ مِنْ أَنْفُسِنَا “مُؤْمِنِينَ” بِالْمَعْنَى الَّذِي يُرِيدُهُ اللهُ؛ لِنَسُدَّ كُلَّ ثَغْرَةٍ يُمْكِنُ أَنْ يَنْفُذَ مِنْهَا سَبِيلُ الْأَعْدَاءِ إِلَى عُقُولِنَا، وَأَخْلَاقِنَا، وَاقْتِصَادِنَا، وَبِلَادِنَا.
وقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} (141) النساء.. فمِنْ أَعْظَمِ السُّبُلِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ نَسُدَّهَا هُوَ “سَبِيلُ التَّأْثِيرِ الثَّقَافِيِّ وَالْأَخْلَاقِيِّ” ، فَالْأُمَّةُ حِينَمَا تَنْهَزِمُ نَفْسِيّاً، وَتَبْدَأُ بِتَقْلِيدِ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاللهِ فِي عَادَاتِهِ وَسُلُوكِهِ، تَكُونُ قَدْ أَعْطَتْ هِيَ “السَّبِيلَ” لِعَدُوِّهَا عَلَيْهَا، فالنَّجَاحُ فِي سَدِّ السَّبِيلِ يَبْدَأُ بِتَرْبِيَةِ أَبْنَائِنَا عَلَى الْيَقِينِ، وَالِاعْتِزَازِ بِالْهُوِيَّةِ، وَالْتِزَامِ الْقِيَمِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْقُرْآنُ.
وقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} (141) النساء.. فالْآيَة أيضا تَدْعُونَا إِلَى “الْوَحْدَةِ”، فَالْمُؤْمِنُونَ -بِصِيغَةِ الْجَمْعِ- هُمُ الْمَقْصُودُونَ بِالْعِزَّةِ، أَمَّا التَّفَرُّقُ وَتَنَازُعُ الْفَشَلِ فَقَدْ نَهَانَا اللهُ عَنْهُ: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} الأنفال:46.
فسَدُّ السَّبِيلِ أَمَامَ الْكَافِرِينَ يَقْتَضِي: أَنْ نَكُونَ كَالْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ، ونَتَجَاوَزُ خِلَافَاتِنَا، وَنُقَدِّمُ مَصْلَحَةَ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ عَلَى كُلِّ مَصْلَحَةٍ، فَالذِّئْبُ يَأْكُلُ مِنَ الْغَنَمِ الْقَاصِيَةَ، وَالسَّبِيلُ لَا يَنْفَتِحُ لِلْعَدُوِّ إِلَّا حِينَمَا نَنْشَغِلُ بِبَعْضِنَا عَنْ عَدُوِّنَا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
لِنَثِقْ بِوَعْدِ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ، وَلِنَعْمَلْ بِمُقْتَضَى هَذَا الْوَعْدِ، فالْيَقِين بِأَنَّ اللهَ لَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ عَلَيْنَا سَبِيلاً، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ دَافِعاً لَنَا لِلْبِنَاءِ وَالْإِصْلَاحِ، وَتَذَكَّرُوا أَنَّ الْعُقْبَى لِلْمُتَّقِينَ، وَأَنَّ الْمُسْتَقْبَلَ لِهَذَا الدِّينِ، مَهْمَا بَدَا الْوَاقِعُ مُرّاً، فَإِنَّ فِيهِ مِنَ الْأَلْطَافِ، وَمِنْ بَشَائِرِ الْآيَاتِ، مَا يَجْعَلُنَا نُوقِنُ أَنَّ اللهَ يَدْفَعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
والمتأمل والمتدبر لقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} (141) النساء. يعْلَم أَنَّنَا قَدْ قَصَّرْنَا فِي حَقِيقَةِ الإِيمَانِ، فالإِيمَانُ لَيْسَ تَمَنِّيَاً، بَلْ هُوَ مَا وَقَرَ فِي القَلْبِ وَصَدَّقَهُ العَمَلُ، والإِيمَانُ يَعْنِي الوَلَاءَ لِلَّهِ، وَتَوْحِيدَ الصَّفِّ، وَالإِعْدَادَ الشَّامِلَ، فالله تعالى لَا يَخْذُلُ أُمَّةً رَفَعَتْ رَايَتَهُ بِحَقٍّ، وَتَمَسَّكَتْ بِشَرْعِهِ بِصِدْقٍ.
واعلموا أن مِنْ أَخْطَرِ أَنْوَاعِ “السَّبِيلِ” الَّتِي يَسْعَى الأَعْدَاءُ لِتَحْقِيقِهَا اليَوْمَ، لَيْسَ السَّبِيلَ العَسْكَرِيَّ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ “السَّبِيلُ الفِكْرِيُّ” وَالتَّبَعِيَّةُ لَهُمْ فِي أَخْلَاقِهِمْ وَأَنْمَاطِ حَيَاتِهِمْ، فحِينَ يَنْهَزِمُ المُسْلِمُ نَفْسِيَّاً، أَمَامَ بَهْرَجِ الحَضَارَةِ الغَرْبِيَّةِ، وَيَبْدَأُ بِتَقْلِيدِهِمْ فِي المُنْكَرَاتِ، وَتَرْكِ الثَّوَابِتِ، فَقَدْ جَعَلَ لَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ سَبِيلَاً، فالتَّحَرُّرُ الحَقِيقِيُّ هُوَ الِاعْتِزَازُ بِشَخْصِيَّتِنَا الإِسْلَامِيَّةِ.
ولَا تَنْظُرُوا إِلَى ضَعْفِ الأُمَّةِ اليَوْمَ بِيَأْسٍ، بَلْ انْظُرُوا إِلَيْهِ كَمَحَطَّةٍ لِلْمُرَاجَعَةِ، فالتَّارِيخ يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ كَالفَجْرِ، قَدْ يَتَأَخَّرُ ضَوْؤُهُ لَكِنَّهُ آتٍ لَا مَحَالَةَ، وَوعْدُ اللهِ لَا يَتَخَلَّفُ، ولَكِنَّ نَصْرَ اللهِ يَنْتَظِرُ رِجَالَاً نَحْرِفُ مَسَارَ التَّارِيخِ بِتَوْبَتِهِمْ وَرُجُوعِهِمْ إِلَى رَبِّهِمْ.
واعلموا أنَّ طَرِيقَ العِزَّةِ وَاضِحُ المَعَالِمِ: فيكمن في تَصْحِيح العَقِيدَةِ: فَلَا يَتَعَلَّقُ القَلْبُ إِلَّا بِاللهِ، وَلَا يُخْشَى إِلَّا هُوَ، وفي العِلْمُ وَالقُوَّةُ: فَقَدْ أَمَرَنَا اللهُ بِقَوْلِهِ: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} الأنفال:60. والسَّبِيلُ يُقْطَعُ بِالتَّفَوُّقِ فِي العِلْمِ، وَالصِّنَاعَةِ، وَالِاقْتِصَادِ، لَا بِالتَّوَاكُلِ وَالكَسَلِ. وِفي حْدَةُ الكَلِمَةِ: إِنَّ أَعْظَمَ ثَغْرَةٍ يَدْخُلُ مِنْهَا الأَعْدَاءُ هِيَ “التَّمَزُّقُ وَالخِلَافُ”.
فانْقِلُوا هذا اليَقِينَ لِأَبْنَائِكُمْ؛ وأَنَّ المُسْلِمَ لَا يَنْهَزِمُ مَادَامَ مَعَ اللهِ، وقُولُوا لَهُمْ إِنَّ الحَقَّ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ، وَإِنَّ سَحَابَةَ الصَّيْفِ هَذِهِ سَتَنْقَشِعُ، وَسَيَعُودُ لِلإِسْلَامِ مَجْدُهُ حِينَ نَعُودُ نَحْنُ لِلإِسْلَامِ صِدْقَاً وَيَقِينَاً.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَكُونُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ حَقَّقُوا شَرْطَ اللهِ لِيَنَالُوا مَوْعُودَهُ، واعْلَمُوا أَنَّ النَّصْرَ صَبْرُ سَاعَةٍ، وَأَنَّ الْفَجْرَ يَبْدَأُ مِنْ أَشَدِّ سَاعَاتِ اللَّيْلِ ظُلْمَةً، ونَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَجْعَلَ دَائِرَةَ السَّوْءِ عَلَى مَنْ طَغَى وَبَغَى، وَأَنْ لَا يَجْعَلَ لِلْكَافِرِينَ عَلَيْنَا سَبِيلاً ،وَأَنْ يَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِنَا بِالْيَقِينِ، وَيُوَفِّقَنَا لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ.
الدعاء
