خطبة عن (التَّفْسِيرِ الْمَوْضُوعِيِّ لِسُورَةِ الْبَيِّنَةِ)
أكتوبر 18, 2026الخطبة الأولى (الإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
في سنن الترمذي: (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاَةِ وَالصَّدَقَةِ». قَالُوا بَلَى. قَالَ «صَلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ».
إخوة الإسلام
تَأَمَّلُوا فِي هَذَا الوَاقِعِ الَّذِي نَعِيشُهُ؛ كَمْ مِنْ بُيُوتٍ عَامِرَةٍ، تَهَدَّمَتْ بِسَبَبِ شَحْنَاءَ عَابِرَةٍ؟!، وَكَمْ مِنْ أَرْحَامٍ تَقَطَّعَتْ أَسْبَابُهَا، بِسَبَبِ زَلَّةِ لِسَانٍ، أَوْ غَضْبَةِ شَيْطَانٍ؟، وَكَمْ مِنْ إِخْوَةٍ كَانُوا كَالجَسَدِ الوَاحِدِ، فَأَصْبَحُوا أَعْدَاءً، يَتَرَبَصُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ؟!.
إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ، فَمَنْ الَّذِي يَقِفُ فِي وَجْهِ هَذَا التَّحْرِيشِ الشَّيْطَانِيِّ؟، ومَنْ الَّذِي يَلْتَئِمُ بِهِ الجُرْحُ، وَيَلْتَئِمُ بِهِ الصَّدْعُ، وَتَعُودُ بِهِ البَسْمَةُ إِلَى الوُجُوهِ المُعْتِمَةِ؟، إِنَّهُ (المُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ).
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ
واعْلَمُوا أَنَّ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، مَنْزِلَةً عَالِيَةً وَرَفِيعَةً فِي الدِّينِ، لَا تُدَانِيهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّوَافِلِ، واسْمَعُوا لِهَذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «إِصْلَاحُ ذَاتِ البَيْنِ، وَفَسَادُ ذَاتِ البَيْنِ هِيَ الحَالِقَةُ»،
وبَيَّنَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ]
فإِصْلَاحُ ذَاتِ البَيْنِ، يَا لَهَا مِنْ مَنْزِلَةٍ سَامِيَةٍ، فهي أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ مِنْ نَوَافِلِ الصَّلَوَاتِ وَالصِّيَامِ ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ يَتَعَدَّى لِلأُمَّةِ كُلِّهَا، وَيَحْفَظُ دِينَهَا مِنْ المَحْقِ وَالمَحْوِ.
وَتَتَنَوَّعُ صُوَرُ الإِصْلَاحِ فِي حَيَاتِنَا؛ فَمِنْهَا: الإِصْلَاحُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، لِحِمَايَةِ الأُسْرَةِ مِنَ الشَّتَاتِ ،قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:35].
وَمِنْهَا: الإِصْلَاحُ بَيْنَ المُتَخَاصِمِينَ، مِنَ الأَقَارِبِ وَالإِخْوَةِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:10].
وَمِنْهَا: الإِصْلَاحُ بَيْنَ المُتَنَازِعِينَ فِي الأَمْوَالِ، وَالدِّيُونِ، وَالمَعَامَلَاتِ، لِإِعَادَةِ الحُقُوقِ، وَنزع الأَحْقَادِ من القلوب.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ الإِصْلَاحَ مِنْ أَخْصِّ صِفَاتِ الرُّسُلِ، وَالأَنْبِيَاءِ، وَالمُصْلِحِينَ، فَهَذَا نَبِيُّ اللهِ شُعَيْبٌ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يُعْلِنُ هَذَا المَبْدَأَ الخَالِدَ فَيَقُولُ:
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:88].
وَهَذَا نَبِيُّ اللهِ مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَوْصِي أَخَاهُ هَارُونَ فَيَقُولُ:
﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف:142].
وَأَمَّا سَيِّدُ الخَلْقِ مُحَمَّدٌ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَقَدْ كَانَ يُسَارِعُ بِنَفْسِهِ لِلْإِصْلَاحِ؛ فَلَمَّا تَنَازَعَ أَهْلُ قُبَاءٍ، حَتَّى تَرَامَوْا بِالحِجَارَةِ، قَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِأَصْحَابِهِ: «اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحْ بَيْنَهُمْ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
أما عن فَضَائِلِ الإِصْلَاحِ فهي عَظِيمَة: فَمِنْ فَضَائِلِهِ: أَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا اسْتَثْنَاهُ مِنَ النَّجْوَى المَذْمُومَةِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:114].
وَمِنْ فَضَائِلِهِ: أَنَّ الشَّرْعَ المُطَهَّرَ، أَذِنَ فِي الكَذِبِ المَحْمُودِ فِيهِ، لِتَأْلِيفِ القُلُوبِ، فعَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
كُلُّ ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنْ يَلْتَئِمَ الخصام، ويجتمع الشَّمْلُ، وَيَزُولَ الغِلُّ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (الإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي جَزَاءِ المُصْلِحِينَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ: فإِنَّ اللهَ كَرِيمٌ، لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا :أَمَّا جزاؤهم فِي الدُّنْيَا: فَإِنَّ المُصْلِحَ يُكْسَى بِالهَيْبَةِ، وَالمَحَبَّةِ فِي قُلُوبِ العِبَادِ، وَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ القَبُولَ فِي الأَرْضِ، وَيَبَارِكُ لَهُ فِي عُمُرِهِ وَذُرِّيَّتِهِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ جَزَائِهِ فِي الدُّنْيَا: الأَمَانُ مِنَ الهَلَاكِ وَالعَذَابِ العَامِّ، يَقُولُ الحَقُّ جَلَّ جَلَالُهُ:
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:117].
فلَمْ يَقُلْ “صَالِحُونَ”، بَلْ قَالَ “مُصْلِحُونَ”؛ لِأَنَّ الصَّلَاحَ يَحْمِي صَاحِبَهُ، أَمَّا الإِصْلَاحُ فَيَحْمِي الأُمَّةَ كُلَّهَا مِنَ الهَلَاكِ.
وفي قصة (أصحاب السبت)، نجى الله المصلحين، الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، فقال تعالى:
(وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (164)، (165) الأعراف
وَأَمَّا جزاء المصلحين فِي الآخِرَةِ: فَإِنَّ أَجْرَ المُصْلِحِ لَا يَسْتَطِيعُ بَشَرٌ أَنْ يَقْدِرَهُ؛ لِأَنَّ اللهَ جَعَلَ جَزَاءَهُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةً، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:40].
وَإِذَا كَانَ الأَجْرُ عَلَى الكَرِيمِ الوَهَّابِ، فَأَبْشِرْ بِمَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.
وَيَقُولُ الحَقُّ سُبْحَانَهُ فِي جَزَاءِ مَنْ نَوَى الإِصْلَاحَ وَابْتَغَى وَجْهَهُ:
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:114].
فَيَا أَيُّهَا المُسْلِمُ
كُنْ مَفْتَاحًا لِلْخَيْرِ، مِغْلَاقًا لِلشَّرِّ، فإِذَا سَمِعْتَ بِقَضِيَّةٍ، أَوْ نِزَاعٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَلَا تُكْنْ بَنَزِينًا يُشْعِلُ النَّارَ، وَلَا نَقَّالًا لِلنَّمِيمَةِ، يَزِيدُ الفَجْوَةَ؛ بَلْ كُنْ طَبِيبًا يَدُاوِي، وَمُصْلِحًا يَرْأَبُ الصَّدْعَ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ كَلِمَةَ خَيْرٍ تَقُولُهَا بَيْنَ مُتَخَاصِمَيْنِ، قَدْ تَرْفَعُكَ فِي الجَنَّةِ عَالِيًا.
الدعاء
