خطبة عن (الإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ)
أكتوبر 19, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى «البَابُ المَكْسُورُ وَفِتَنُ الدُّهُورِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
رُوي في الصحيحين واللفظ للبخاري: (أن حُذَيْفَةَ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ – رضي الله عنه – فَقَالَ أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فِي الْفِتْنَةِ قُلْتُ أَنَا، كَمَا قَالَهُ. قَالَ إِنَّكَ عَلَيْهِ – أَوْ عَلَيْهَا – لَجَرِيءٌ. قُلْتُ «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ وَالنَّهْىُ». قَالَ لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، وَلَكِنِ الْفِتْنَةُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ. قَالَ لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ أَيُكْسَرُ أَمْ يُفْتَحُ قَالَ يُكْسَرُ. قَالَ إِذًا لاَ يُغْلَقَ أَبَدًا. قُلْنَا أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ قَالَ نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ الْغَدِ اللَّيْلَةَ، إِنِّي حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ . فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ، فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ الْبَابُ عُمَرُ).
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:25].
فَإِنَّ العَيْشَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، يَتَقَلَّبُ بِأَهْلِهِ بَيْنَ سَارَّاتٍ وَضَارَّاتٍ، وَعَافِيَةٍ وَامْتِحَانَاتٍ، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ المَخَاوِفِ الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا الشَّرْعُ الشَّرِيفُ، وَحَضَّ عَلَى التَّوَقِّي مِنْهَا: شَرَّ “الفِتَنِ”، الَّتِي إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ؛ فَتَطِيشُ مَعَهَا العُقُولُ، وَتَزِلُّ بِهَا الأَقْدَامُ، وَيَنْتَشِرُ بِسَبَبِهَا الجَهْلُ وَالهَرْجُ.
وَلِأَجْلِ هَذَا الخَطَرِ العَظِيمِ، كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَمْضَى النَّاسِ حِرْصًا عَلَى تَفَقُّهِ أَحَادِيثِ الفِتَنِ، لِيَعْرِفُوا أَبْوَابَهَا فَيُغْلِقُوهَا، وَمَهَالِكَهَا فَيَتَجَنَّبُوهَا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ولقاؤنا اليوم- إن شاء الله تعالى- حول حديث المقدمة، فتَأَمَّلُوا هَذَا المَشْهَدَ الجَلِيلَ، الَّذِي (خَلَّدَهُ الصَّحِيحُ)، فِي مَجْلِسِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، حِينَمَا جَلَسَ يَسْأَلُ الصَّحَابَةَ عَنْ فِقْهِ هَذَا البَابِ المَهِيبِ.
فَلَمْ يَكُنْ سُؤَالُ عُمَرَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) عَنْ طَرَبٍ أَوْ فُضُولِ حَدِيثٍ، بَلْ كَانَ سُؤَالَ رَاعٍ مَسْؤُولٍ ،يَسْتَبْصِرُ بِنُورِ النُّبُوَّةِ، لِيَحْمِيَ سِيَاجَ الأُمَّةِ، وَيُحَذِّرَهَا مِنَ المَهَالِكِ القَادِمَةِ، وَيَقِفَ عَلَى مَدَى ضَبْطِ الصَّحَابَةِ لِأَخْبَارِ المَسْتَقْبَلِ، الَّتِي أَوْدَعَهَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عِنْدَهُمْ.
ففي حديث (حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ) المتقدم: «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الفِتْنَةِ؟ قُلْتُ: أَنَا كَمَا قَالَهُ، قَالَ: إِنَّكَ عَلَيْهِ -أَوْ عَلَيْهَا- لَجَرِيءٌ! قُلْتُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ يُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، قَالَ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، وَلَكِنِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ!، قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا، قَالَ: أَيُكْسَرُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: بَلْ يُكْسَرُ، قَالَ: ذَاكَ أَحْرَى أَنْ لاَ يُغْلَقَ أَبَدًا..».
فتَفَكَّرُوا فِي هَذَا الحِوَارِ الخَالِدِ؛ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمَانِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) كَانَ كَاتِمَ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَأَعْلَمَ الصَّحَابَةِ بِأَحَادِيثِ الفِتَنِ، وَأَسْمَاءِ المُنَافِقِينَ؛ لأَنَّ هِمَّتَهُ الشَّرِيفَةَ انْصَرَفَتْ لِمَعْرِفَةِ مَكَمِنِ الخَطَرِ، فَقَدْ كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَنِ الخَيْرِ، وَكَانَ حُذَيْفَةُ يَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ، مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَهُ، لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ وَحَذَرٍ.
ففي الصحيحين: (أن حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي. فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ «نَعَمْ». قُلْتُ وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ «نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ». قُلْتُ وَمَا دَخَنُهُ قَالَ «قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ». قُلْتُ فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ «نَعَمْ دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا». قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا فَقَالَ «هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا» قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ قَالَ «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ». قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ قَالَ «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَيَكْشِفُ لَنَا حَدِيثُ المقدمة عَنْ: تَقْسِيمٍ نَبَوِيٍّ دَقِيقٍ لِلْفِتَنِ، ويُبين سُلُوكَ الإِنْسَانِ، وَيَسْبُرُ غَوْرَ ابْتِلاَءَاتِهِ؛ فَقَدْ قَسَّمَهَا إِلَى نَوْعَيْنِ عِظَامٍ:
الأَوَّلُ: “الفِتَنُ الخَاصَّةُ أَوْ العَادِيَّةُ“، وَهِيَ الَّتِي يَتَعَرَّضُ لَهَا المَرْءُ فِي حَيَاتِهِ اليَوْمِيَّةِ؛ فِتْنَتُهُ فِي أَهْلِهِ، بِالمُدَارَاةِ أَوْ التَّقْصِيرِ فِي التَّرْبِيَةِ، وَفِي مَالِهِ، بِالحِرْصِ، وَالشُّحِّ، وَالرَّغْبَةِ فِي المُكَاثَرَةِ، وَفِي وَلَدِهِ: بِالشَّفَقَةِ الزَّائِدَةِ، الَّتِي تَمْنَعُهُ مِنَ الحَقِّ، وَفِي جَارِهِ: بِالخُصُومَاتِ وَالحَسَدِ؛ فَهَذِهِ فِتْنَةٌ مَقْدُورٌ عَلَيْهَا، يَسِيرٌ خَطَرُهَا، إِذَا تَدَارَكَهَا العَبْدُ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، ويُكَفِّرُهَا كَثْرَةُ الصَّلاَةِ، وَبَذْلُ الصَّدَقَةِ، وَالقِيَامُ بِالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي من الفتن: فَهُوَ “الفِتَنُ العَامَّةُ العِظَامُ، الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ”، وهي فِتَنُ الشُّبُهَاتِ المُضِلَّةِ، وَالدِّمَاءِ المَعْصُومَةِ، وَتَفَرُّقِ الكَلِمَةِ، وَاهْتِزَازِ المَفَاهِيمِ، وَاخْتِلاَطِ الحَقِّ بِالبَاطِلِ؛ فَهَذِهِ الَّتِي إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ عَلَى العَوَّامِ، وَالْتَهَمَتِ الأَخْضَرَ وَاليَابِسَ، وَتَرَكَتِ الحَلِيمَ فِي حَيْرَةٍ، وَانْقَطَعَتْ مَعَهَا أَعْنَاقُ المُتَصَدِّرِينَ.
ثُمَّ بَيَّنَ حُذَيْفَةُ لِعُمَرَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) أَنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ فِي أَمَانٍ تَامٍّ مِنْ هَذِهِ الفِتَنِ المَوَّاجَةِ فِي حَيَاتِهِ؛ لأَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا “بَابًا مُغْلَقًا”،
فَلَمَّا سَأَلَ عُمَرُ بِفِكْرِ المُسْتَبْصِرِ: “أَيُكْسَرُ أمْ يُفْتَحُ؟”، فَأَجَابَهُ حُذَيْفَةُ: “بَلْ يُكْسَرُ!”؛ فَعَلِمَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ بِمُلْهَمِ فِرَاسَتِهِ، أَنَّ البَابَ إِذَا كُسِرَ قَسْرًا عَنْوَةً، لَمْ يُغْلَقْ بَعْدَهَا أَبَدًا، بِخِلاَفِ مَا لَوْ فُتِحَ بِالمِفْتَاحِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ إِعَادَةُ إِغْلاَقِهِ.
وَهَذَا البَابُ المُغْلَقُ، الَّذِي كَانَ يَحْجُزُ أَمْوَاجَ الفِتَنِ عَنِ الأُمَّةِ: هُوَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) نَفْسُهُ؛ وَكَانَ كَسْرُ البَابِ إِشَارَةً يَقِينِيَّةً نَبَوِيَّةً، إِلَى اسْتِشْهَادِهِ وَمَقْتَلِهِ غَدرًا، بِيَدِ (أَبِي لُؤْلُؤَةَ) المَجُوسِيِّ، خَالِدًا فِي المَحَارِيبِ.
فَلَمَّا كُسِرَ ذَلِكَ البَابُ بِمَوْتِ عُمَرَ، انْفَتَحَتْ عَلَى الأُمَّةِ أَبْوَابُ الفِتَنِ الكُبْرَى، فَبَدَأَتْ بِالمِحْنَةِ العَظِيمَةِ فِي مَقْتَلِ خَلِيفَةِ الرَّسُولِ الثَّالِثِ (عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، ثُمَّ اصْطَرَعَتِ الأَهْوَاءُ، وَشُقَّتِ العَصَا، وَسُلَّتِ السُّيُوفُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وَلَمْ تَتَوَقَّفْ تِلْكَ الفِتَنُ المُتَلاَطِمَةُ حَتَّى يَوْمِنَا هَذَا، يُغَذِّيهَا أَعْدَاءُ المِلَّةِ، فِي كُلِّ عَصْرٍ ومصر وَحِينٍ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية «البَابُ المَكْسُورُ وَفِتَنُ الدُّهُورِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذِهِ الحَقِيقَةَ التَّارِيخِيَّةَ، وَالنَّبَوِيَّةَ المَهِيبَةَ، تَفْرِضُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي زَمَانِنَا هَذَا -زَمَنِ انفِتَاحِ أَبْوَابِ التَّوَاصُلِ المَعْلُومَاتِيِّ، وَتَدَفُّقِ الشُّبُهَاتِ، وَتَزْيِينِ الشَّهَوَاتِ، وَتَلاَطُمِ أَمْوَاجِ الإِعْلاَمِ المُضْلِلِ- أَنْ يَقِفَ مَعَ نَفْسِهِ وَقْفَةَ حَذَرٍ، وَاسْتِبْصَارٍ صَارِمٍ؛ فَإِنَّ الرَّسُولَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لَمْ يُخْبِرْ أُمَّتَهُ بِالفِتَنِ لِتَيْأَسَ، أَوْ تَنْتَكِسَ، أَوْ تَقُعُدَ جَامِدَةً، بَلْ أَخْبَرَهَا لِتَتَّقِيَ، وَتَتَحَصَّنَ، وَتَسْلُكَ سُبُلَ النَّجَاةِ، بِالعِلْمِ وَالعَمَلِ.
والسؤال: فَمَا هُوَ وَاجِبُ المُسْلِمِ اليَوْمَ، حِينَ تَمُوجُ الفِتَنُ فِي جَنَبَاتِ الأُمَّةِ؟.
والجواب: إِنَّ أَوْلَى سُبُلِ النَّجَاةِ وَأَعْظَمَهَا: الِاعْتِصَامُ الصَّادِقُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)؛ فَلاَ هِدَايَةَ عِنْدَ اضْطِرَابِ الآرَاءِ، وَتَشَعُّبِ الطُّرُقِ، إِلاَّ فِي نُورِ التَّنْزِيلِ، وَالهَدْيِ النَّبَوِيِّ المَعْصُومِ.
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: «أَلاَ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الهُدَى وَالنُّورُ، فُخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ.
وَثَانِي سُبُلِ النَّجَاةِ من الفتن في عصر الفتن: التَّثَبُّتُ، وَكُفُّ اللِّسَانِ وَاليَدِ، وَالعُزْلَةُ عَنْ مَوَاطِنِ الشُّبُهَاتِ، وَالصِّرَاعَاتِ الرَّخِيصَةِ، وَعَدَمُ الخَوْضِ فِي دِمَاءِ المُسْلِمِينَ، أَوْ أَعْرَاضِهِمْ، بِلِسَانٍ، أَوْ قَلَمٍ، أَوْ تَغْرِيدَةٍ.
وَثَالِثُهَا: الإِقْبَالُ الصَّادِقُ عَلَى العِبَادَةِ فِي الخَلَوَاتِ، وَعِمَارَةُ الأَوْقَاتِ بِالطَّاعَاتِ وَالقُرُبَاتِ؛ فَإِنَّ العِبَادَةَ فِي أَوْقَاتِ الفِتَنِ وَالهَرْجِ، لَهَا أَجْرٌ عَظِيمٌ، يُعَادِلُ أُجُورَ المَاضِينَ، وَتَسَامَى لِتَكُونَ كَالْهِجْرَةِ إِلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «العِبَادَةُ فِي الهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ».
وَوَرَدَ فِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ أَيْضًا: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا».
وَرَابِعُ هَذِهِ السُّبُلِ للنجاة: اللُّجُوءُ إِلَى كِبَارِ العُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ، وَالزُّهْدُ فِي أَهْوَاءِ المُتَصَدِّرِينَ، وَدُعَاةِ الفِتْنَةِ، الَّذِينَ يَسْتَغِلُّونَ عَوَاطِفَ الجَهَلَةِ وَالمَغْرُورِينَ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- وَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ (فِي كُلِّ صَلاَةٍ) مِنَ الفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَاثْبُتُوا عَلَى دِينِكُمْ، وَالْزَمُوا جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ، وَسَلُوا اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي جَنَحِ اللَّيْلِ أَنْ يُثَبِّتَ قُلُوبَكُمْ عَلَى الحَقِّ، كَمَا كَانَ المَعْصُومُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يُكْثِرُ مِنْ قَوْلِهِ: “يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ”، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ وَهُوَ رَاضٍ عَنْكُمْ.
الدُّعَاء
