خطبة عن حديث «إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ»
أكتوبر 21, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (أَهْلُ الإِنَابَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ) (54) الزمر، وقال تعالى: (تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) (8) ق، وقال تعالى: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ) (27) الرعد، وقال تعالى: (وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) (13) غافر، وقال تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (10) الشورى
إخوة الإسلام
إِنَّ مِنَ السَّعَادَةِ أَنْ يَطُولَ عُمْرُ الْعَبْدِ، وَيَرْزُقَهُ اللَّهُ الإِنَابَةَ، واعلموا أن الأَرْوَاحَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي سَفَرٍ دَائِمٍ، وَسَيْرٍ حَثِيثٍ، نَحْوَ اللَّهِ تَبَارَكُ وَتَعَالَى، وَإِنَّ القُلُوبَ لَتَتَقَلَّبُ فِي أَوْدِيَةِ الغَفْلَةِ، وَتَتَجَاذَبُهَا دَوَاعِي الشَّهَوَاتِ، وَسِهَامُ المُغَرَّرَاتِ، فَلَا يَزَالُ العَبْدُ فِي كَبَدٍ وَجِهَادٍ، حَتَّى يَجِدَ المَفْزَعَ الأَعْظَمَ، وَالمَلْجَأَ الأَكْرَمَ، الَّذِي تُطْمَئِنُّ إِلَيْهِ النُّفُوسُ، حِينَ تَضِيقُ بِهَا المَذَاهِبُ، وَتَسْكُنُ إِلَيْهِ الأَفْئِدَةُ، وحِينَ تَعْصِفُ بِهَا المَهَالِكُ.
وَإِنَّ أَعْظَمَ مَقَامَاتِ السَّالِكِينَ، وَأَشْرَفَ مَنَازِلِ العَابِدِينَ: هُوَ مَقَامُ: “الإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ“،
ذَلِكَ المَقَامُ العَلِيُّ، الَّذِي يَنْتَقِلُ بِالْمَرْءِ مِنْ شَتَاتِ الفِرْقَةِ، إِلَى لَذَّةِ الجَمْعِ عَلَى اللَّهِ، وَمِنْ ظُلُمَاتِ الذُّنُوبِ، وَالجَفَاءِ، إِلَى أَنْوَارِ القُرْبِ وَالصَفَاءِ.
وتَأَمَّلُوا- أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ- جَوْهَرَ هَذِهِ العِبَادَةِ العَظِيمَةِ، لِتَفْهَمُوا حَقِيقَةَ سُلُوكِ “أَهْلِ الإِنَابَةِ”؛ فَالإِنَابَةُ فِي لُغَةِ الشَّرِيعَةِ، وَحَقِيقَةِ الإِيمَانِ هِيَ: الرُّجُوعُ السَّرِيعُ الصَّادِقُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالإِقْبَالُ عَلَيْهِ بِالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ، وَانْقِيَادُ الرُّوحِ لِأَمْرِهِ، وَفِرَارُ النَّفْسِ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ إِلَيْهِ جَلَّ جَلَالُهُ.
ولَيْسَتِ الإِنَابَةُ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ بِلِسَانٍ كَالِلٍ، وَلَا تَوْبَةٍ عَابِرَةٍ، تَمْحُوهَا شَهْوَةٌ قَادِمَةٌ، بَلْ هِيَ انْعِطَافُ الكِيَانِ البَشَرِيِّ بِكُلِّيَّتِهِ، نَحْوَ الخَالِقِ المَوْلَى، بِحَيْثُ يَصِيرُ اللَّهُ تَعَالَى أَحَبَّ إِلَى العَبْدِ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَيَكُونُ رِضَاهُ هُوَ المَطْلَبَ الأَسْمَى، وَالمَغْنَمَ الأَعْظَمَ.
وَإِنَّ العُلَمَاءَ حِينَ عرفوا هَذَا المَفْهُومَ العَظِيمَ، قَسَّمُوا الإِنَابَةَ إِلَى قِسْمَيْنِ جَلِيلَيْنِ، يَظْهَرُ فِيهِمَا تَفَاوُتُ الخَلْقِ، وَدَرَجَاتُ السُّلُوكِ.
أَمَّا القِسْمُ الأَوَّلُ: فَهُوَ “إِنَابَةُ لِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ“: وَهِيَ إِنَابَةٌ عَامَّةٌ، يَشْتَرِكُ فِيهَا المُؤْمِنُ وَالكَافِرُ، وَالبَرُّ وَالفَاجِرُ، فحِينَمَا تَنَزَّلُ بِهِمُ الشَّدَائِدُ، وَتَحِيطُ بِهِمُ المَكْرُوهَاتُ، فَتَنْقَطِعُ الأَسْبَابُ البَشَرِيَّةُ المَادِّيَّةُ، فَيَضْطَرُّونَ جَمِيعًا إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ، وَالدُّعَاءِ، وَالتَّضَرُّعِ لِكَشْفِ الضُّرِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم:33].
وَأَمَّا القِسْمُ الثَّانِي: فَهُوَ “إِنَابَةُ العُبُودِيَّةِ وَالإِلَهِيَّةِ“: وَهِيَ الإِنَابَةُ الخَاصَّةُ الصَّادِقَةُ، الَّتِي يُخْتَصُّ بِهَا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَالمُتَّقُونَ؛ وَهِيَ إِنَابَةُ حُبٍّ وَخَشْيَةٍ، وَانْقِيَادٍ وَرَغَبَةٍ، يَؤُوبُ فِيهَا العَبْدُ إِلَى رَبِّهِ، فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَفِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، خُضُوعًا لِعَظَمَتِهِ، وَابْتِغَاءً لِوَجْهِهِ الكريمِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ هَذِهِ الإِنَابَةَ الخَاصَّةَ: لَيْسَتْ أَمْرًا هَامِشِيًّا فِي حَيَاةِ المُسْلِمِ، بَلْ هِيَ عِبَادَةٌ، مِنْ جَلِيلِ العِبَادَاتِ القَلْبِيَّةِ، الَّتِي تُفْتَحُ بِهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَهِيَ المِفْتَاحُ الحَقِيقِيُّ، لِلسَّعَادَةِ الدَّائِمَةِ، وَالسَّبِيلُ الأَوْحَدُ، لِلْهِدَايَةِ الرَّبَّانِيَّةِ الشَّامِلَةِ.
فَمَنْ أَنَابَ إِلَى اللَّهِ انْشَرَحَ صَدْرُهُ، وَزَالَ هَمُّهُ، وَتَبَدَّدَتْ حَيْرَتُهُ، وَهَدَاهُ اللَّهُ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا؛ لأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ الهِدَايَةَ المُطْلَقَةَ، مَرْهُونَةً بِهَذِهِ الإِنَابَةِ الصَّادِقَةِ:
فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد:27]،
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى:13].
وَلِأَهَمِّيَّةِ هَذِهِ العِبَادَةِ- (الإِنَابَةَ الخَاصَّةَ)- وَشَرَفِهَا العَالِي، فَقَدْ جَاءَ الأَمْرُ الإِلَهِيُّ المُبَاشِرُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ، لِعِبَادِ اللَّهِ بِالإِنَابَةِ وَالعَوْدَةِ السَّرِيعَةِ، وَحَذَّرَهُمْ مِنَ التَّسْوِيفِ، وَالتَّأْخِيرِ، الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى القَلْبِ.
فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [الزمر:54].
فَالإِنَابَةُ طَوْقُ نَجَاةٍ، يَعْتَصِمُ بِهِ المُؤْمِنُ، قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ، وَقَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ المَوْتُ، فَيَقُولَ رَبِّ ارْجِعُونِ، فَلَا يُجَابُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَرَى الأُنْمُوذَجَ الأَعْلَى، وَالذُّرْوَةَ الشَّامِخَةَ، فِي هَذَا المَقَامِ، فَلْنَنْظُرْ إِلَى سَيِّدِ الخَلْقِ، وَإِمَامِ المُنِيبِينَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)؛
فَقَدْ كَانَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَكْثَرَ النَّاسِ إِنَابَةً إِلَى رَبِّهِ، وَأَعْظَمَهُمْ رُجُوعًا، وَخُضُوعًا، وَاسْتِغْفَارًا، فِي كُلِّ أَوْقَاتِهِ وَأَحْوَالِهِ.
لقد كَانَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَرْبُطُ كُلَّ حَرَكَةٍ مِنْ حَرَكَاتِ حَيَاتِهِ، بِالإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ، فيُلَازِمُ التَّوْبَةَ، وَالأَوْبَةَ، فِعْلاً، وَقَوْلاً، وَدُعَاءً، وَيَسْأَلُ رَبَّهُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَطْرَافِ النَّهَارِ، أَنْ يَرْزُقَهُ الإِنَابَةَ الصَّادِقَةَ.
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «وَاللَّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً».
وَفِي سُنَنِ الإِمَامِ أَبِي دَاوُدَ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَجْلِسِ الوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ يَقُولُ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الغَفُورُ».
وَفِي سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ العَظِيمِ فَيَقُولُ:
«رَبِّ أَعِنِّي وَلا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الهُدَى إِلَيَّ، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا، لَكَ ذَكَّارًا، لَكَ رَهَّابًا، لَكَ مِطْوَاعًا، إِلَيْكَ مُخْبِتًا أَوَّاهًا مُنِيبًا».
فتَأَمَّلُوا كَيْفَ كَانَ المَعْصُومُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وهو الَّذِي غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، يَضْرَعُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَجْعَلَهُ “مُنِيبًا”، لأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الإِنَابَةَ هِيَ رُوحُ العُبُودِيَّةِ، وَأَنَّ المُنِيبَ هُوَ القَرِيبُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَعَفْوِهِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (أَهْلُ الإِنَابَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ لأَهْلِ الإِنَابَةِ الصَّادِقَةِ صِفَاتٍ جَلِيَّةً، وَأَخْلاَقًا كَرِيمَةً، تُمَيِّزُهُمْ عَنْ غَيْرِهِمْ، وَتَكْشِفُ عَنْ سَرِيرَتِهِمُ النَّقِيَّةِ؛ فَهُمْ قَوْمٌ:
رَضُوا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) نَبِيًّا وَرَسُولاً؛
تَرَاهُمْ دَائِمِي الذِّكْرِ لِلَّهِ تَعَالَى، إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا.
ومِنْ أَعْظَمِ صِفَاتِهِمْ: المَسَارَعَةُ إِلَى التَّوْبَةِ، كُلَّمَا نَزَغَهُمْ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ، أَوْ بَدَرَتْ مِنْهُمْ هَفْوَةٌ؛ لا يُصِرُّونَ عَلَى الذَّنْبِ، وَلا يَتَعَلَلُونَ بِالأَعْذَارِ البَاطِلَةِ، بَلْ يَفِرُّونَ فَوْرًا إِلَى جَنَابِ الحَقِّ ، نَادِمِينَ مُسْتَغْفِرِينَ.
وَمِنْ أَخْلَاقِهِمْ أَيْضًا: الخَشْيَةُ فِي الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَعِمَارَةُ البَوَاطِنِ بِالطَّاعَاتِ، كَمَا تُعَمَّرُ الظَّوَاهِرُ؛ أَهْلُ الإِنَابَةِ هُمْ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ مِنَ التَّفَكُّرِ فِي آيَاتِ اللَّهِ، المَتْلُوَّةِ وَالمَشْهُودَةِ، فَيَسْتَدِلُّونَ بِعَظَمَةِ الخَلْقِ، عَلَى عَظَمَةِ الخَالِقِ، فَتَزْدَادُ قُلُوبُهُمْ خُضُوعًا وَخُشُوعًا.
وَقَدْ أَمْتَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ، حِينَمَا وَصَفَ خَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ (عَلَيْهِ السَّلامُ) فَقَالَ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود:75].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَلِكَيْ يَرْتَقِيَ المَرْءُ إِلَى هَذِهِ المَرْتَبَةِ الشَّرِيفَةِ، فَإِنَّ هُنَاكَ أُمُورًا عِظَامًا تُعِينُهُ عَلَى حُصُولِ الإِنَابَةِ فِي قَلْبِهِ:
أَوَّلُهَا: كَثْرَةُ الذِّكْرِ وَالاسْتِغْفَارِ، فَإِنَّ الذِّكْرَ يُجَلِّي صَدَأَ القَلْبِ، وَيَجْعَلُهُ رَطْبًا بِإِيمَانِ اللَّهِ.
وَثَانِيهَا: التَّفَكُّرُ فِي المَوْتِ، وَقُرْبِ الأَجَلِ، وَسُرْعَةِ زَوَالِ هَذِهِ الدُّنْيَا الفَانِيَةِ؛ فَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ مُفَارِقٌ لأَهْلِهِ وَمَالِهِ سَرِيعًا، أَنَابَ قَلْبُهُ إِلَى الدَّارِ الآخِرَةِ.
وَثَالِثُهَا: صُحْبَةُ الأَخْيَارِ وَالمُنِيبِينَ، الَّذِينَ تُذَكِّرُكَ بِاللَّهِ رُؤْيَتُهُمْ، وَتَدُلُّكَ عَلَى الطَّاعَةِ أَعْمَالُهُمْ.
وَلَقَدْ بَشَّرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَهْلَ الإِنَابَةِ بِأَعْظَمِ البِشَارَاتِ، وَوَعَدَهُمْ بِأَجْزَلِ العَطَايَا، فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ لَهُمُ البُشْرَى الكَامِلَةَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ، وَعِنْدَ المَمَاتِ، وَأَنَّ جَزَاءَهُمْ هُوَ الرِّضْوَانُ الأَكْبَرُ، وَالجَنَّاتُ العَالِيَةُ، الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.
يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ جَلاَلُهُ فِي كِتَابِهِ المُبِينِ:
﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ ۚ فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر:17]،
وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي وَصْفِ جَزَاءِ المُنِيبِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ:
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق:31-34].
فَيَا لَهَا مِنْ بِشَارَةٍ تَهْتَزُّ لَهَا القُلُوبُ، وَيَا لَها مِنْ كَرَامَةٍ، أَنْ يُنَادَى عَلَى العَبْدِ المُنِيبِ يَوْمَ القِيَامَةِ، لِيَدْخُلَ الجَنَّةَ بِسَلاَمٍ وَأَمَانٍ، خَالِدًا فِيهَا أَبَدًا.
فَهَلُمُّوا -عِبَادَ اللَّهِ- إِلَى حِيَاضِ الإِنَابَةِ، وَجَدِّدُوا العَهْدَ مَعَ اللَّهِ، وَأَقْبِلُوا عَلَيْهِ بِقُلُوبٍ خَاشِعَةٍ نَادِمَةٍ، وَانْطَرِحُوا بَيْنَ يَدَيْهِ فِي سَاعَاتِ الإِجَابَةِ، وَقُولُوا بِأَلْسِنَةِ الصِّدْقِ:
(رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (4)، (5) الممتحنة،
فيَا رَبَّنَا، إِنَّا أَنَبْنَا إِلَيْكَ، وَتَوَكَّلْنَا عَلَيْكَ، وَإِلَيْكَ المَصِيرُ؛ فاجعلنا مِنْ أَهْلِ الإِنَابَةِ، الَّذِينَ لَهُمُ الأَمْنُ وَالمَفَازُ فِي الدَّارَيْنِ.
الدُّعَاء
