خطبة عن (اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ)
أكتوبر 21, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى «إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
في الصحيحين واللفظ للبخاري: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ لاَ يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهْوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا، وَلاَ أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلاَ أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهْوَ يَنْتَظِرُ وِلاَدَهَا. فَغَزَا فَدَنَا مِنَ الْقَرْيَةِ صَلاَةَ الْعَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِلشَّمْسِ إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا. فَحُبِسَتْ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ، فَجَاءَتْ -يَعْنِي النَّارَ- لِتَأْكُلَهَا، فَلَمْ تَطْعَمْهَا، فَقَالَ إِنَّ فِيكُمْ غُلُولاً، فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ. فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ فَقَالَ فِيكُمُ الْغُلُولُ. فَلْتُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ بِيَدِهِ فَقَالَ فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَجَاءُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ فَوَضَعُوهَا، فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا، ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا الْغَنَائِمَ، رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا».
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى في محكم آياته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:45].
فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسْلاَمِيَّةَ الغَرَّاءَ، جَاءَتْ بِصَلاَحِ القُلُوبِ وَالأَعْمَالِ، وَمُرَاعَاةِ الطَّبَائِعِ البَشَرِيَّةِ فِي التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلَمْ تُكَلِّفْ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا، وَلَمْ تَطْلُبْ مِنَ العَبْدِ أَنْ يَقُومَ بِأَعْظَمِ العِبَادَاتِ، وَأَكْبَرِ المَهَامِّ، وَقَلْبُهُ مَشْغُولٌ بِالشَّوَاغِلِ، أَوْ فِكْرُهُ مُتَوَزِّعٌ فِي أَوْدِيَةِ الدُّنْيَا.
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ القَوَاعِدِ الإِيمَانِيَّةِ، الَّتِي قَرَّرَهَا أَنْبِيَاءُ اللَّهِ عَلَيْهِمُ (الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ) هي:
أَنَّ تعلق القَلْبِ باللَّهِ، وَصِدْقَ الإِخْلاَصِ، وَقَطْعَ العَلائِقِ المُشَتِّتَةِ، هيَ أُسس النَّجَاحِ، وَسِرُّ النَّصْرِ المُمَكَّنِ فِي المَعَارِكِ وَالطَّاعَاتِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الجَلِيلِ، الَّذِي يَرْوِيهِ لَنَا المَعْصُومُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَنْ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ – وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)- فحِينَمَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ لِجِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَفَتْحِ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَمَزَّقَ أَسْبَابَ الفَشَلِ، قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ المَعْرَكَةَ، وَاسْتَبْعَدَ مِنَ الجَيْشِ كُلَّ مَنْ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِشَغَفٍ دُنْيَوِيٍّ، أَوْ أَمَلٍ عَاجِلٍ، يَمْنَعُهُ مِنَ الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ وَاليَقِينِ. «.. فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لاَ يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ، وَهْوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا، وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا، وَلاَ أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا، وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلاَ أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا، أَوْ خَلِفَاتٍ، وَهْوَ يَنْتَظِرُ وِلاَدَهَا..)
فتَفَكَّرُوا- أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ- فِي هَذِهِ اللَّطَائِفِ البَدِيعَةِ، الَّتِي انْطَوَتْ عَلَيْهَا هَذِهِ الشَّرَائِطُ النَّبَوِيَّةُ الثَّلاَثُ، المُنْتَقَاةُ بِعِنَايَةٍ إِلَهِيَّةٍ: فلَقَدْ مَنَعَ ذَلِكَ النَّبِيُّ العَظِيمُ، ثَلاَثَةَ أَصْنَافٍ مِنَ الرِّجَالِ، عَنِ الخُرُوجِ مَعَهُ فِي الجِهَادِ، رَغْمَ أَنَّ المَعَارِكَ تُسْتَجْلَبُ لَهَا الكَثْرَةُ العَدَدِيَّةُ:
الأَوَّلُ: رَجُلٌ عَقَدَ نِكَاحَهُ عَلَى امْرَأَةٍ وَيُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا (أَيْ يَدْخُلَ بِهَا) وَلَمَّا يَبْنِ، فَقَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِشَهْوَتِهِ، وَفِكْرُهُ شَارِدٌ إِلَى لَذَّتِهِ المُنْتَظَرَةِ.
وَالثَّانِي: رَجُلٌ بَنَى جُدْرَانَ بُيُوتِهِ، وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا بَعْدُ، فَقَلْبُهُ مُشَوَّشٌ بِأَمْوَالِهِ، وَبِنَائِهِ المَكْشُوفِ المتعرض للضَّيَاعِ وَالتَّلَفِ.
وَالثَّالِثُ: رَجُلٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ إِبِلاً حَوَامِلَ (خَلِفَاتٍ) يَنْتَظِرُ نِتَاجَهَا، وَوِلاَدَتَهَا، فَقَلْبُهُ مَشْغُولٌ بِثَرْوَتِهِ، وَنَمَاءِ أَمْوَالِهِ، وَخَوْفِ نُقْصَانِهَا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
والسؤال: لِمَاذَا مَنَعَهُمْ ذَلِكَ النَّبِيُّ (صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ) مِنَ المَسِيرِ، مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ القَالَبِيَّ يَقْتَضِي الاسْتِكْثَارَ بِمَنْ صَلُحَ لِلْحَرْبِ؟.
والجواب: لأَنَّ هَؤُلاَءِ – وَإِنْ خَرَجَتْ أَبْدَانُهُمْ وَأَجْسَادُهُمْ- فَقُلُوبُهُمْ غَائِبَةٌ خَلْفَهُمْ، مُعَلَّقَةٌ بِالدِّيَارِ، مَشْغُولَةٌ بِشَهَوَاتِ النِّسَاءِ، وَعِمَارَةِ المَسَاكِنِ، وَتِجَارَةِ المَوَاشِي.
وَالجَسَدُ إِذَا خَلاَ مِنْ حُضُورِ القَلْبِ وَيَقِينِهِ، صَارَ جَبَانًا عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى، سَرِيعَ الهَزِيمَةِ، يَلْتَفِتُ يَمْنَةً وَيَسَرَةً، يَبْحَثُ عَنْ مَخْرَجٍ لِلرُّجُوعِ، فَيَفِرُّ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَيُشِيعُ الفَشَلَ وَالخَوَر فِي صُفُوفِ الجُنُودِ، فَقَلِيلٌ مِنْ أَهْلِ اليَقِينِ وَالتَّفَرُّغِ الصَّادِقِ لِلَّهِ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ جَامِدٍ مُشَتَّتِ القَلْبِ وَالفِكْرِ.
وتَأَمَّلُوا هَذَا الأَصْلَ العَقَدِيَّ العَظِيمَ فِي جَلِيَّةِ النَّصْرِ؛ فَإِنَّ النَّصْرَ فِي الشَّرِيعَةِ لاَ يُنَالُ بِكَثْرَةِ العُدَدِ، وَلاَ بِضَخَامَةِ الجُيُوشِ الرَّاكِبَةِ، وَإِنَّمَا يُنَالُ بِصَفَاءِ القُلُوبِ، وَصِدْقِ التَّوَكُّلِ، وَتَفَرُّغِ الأَرْوَاحِ لِلَّهِ تعالى، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 126].
وانْظُرُوا إِلَى أثَرِ صِدْقِ التَّفَرُّغِ وَالإِخْلاَصِ: فَلَمَّا صَفَا الجَيْشُ مِمَّنْ تَعَلَّقَتْ قُلُوبُهُمْ بِعَلاَئِقِ الدُّنْيَا ،وَبَقِيَ مَعَهُ الصَّادِقُونَ، الَّذِينَ انْقَطَعُوا كُلِّيًّا لِإِعْلاَءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، حَقَّقَ اللَّهُ لَهُمْ خَارِقَةً كَوْنِيَّةً، وَمُعْجِزَةً بَاهِرَةً، لَمْ تُتَحْ لِأَحَدٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُمْ؛
فحِينَمَا دَنَا مِنَ القَرْيَةِ عند صَلاَة العَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِك، وَكَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ، وَكَانَتْ شَرِيعَتُهُمْ تُحَرِّمُ القِتَالَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَدَخَلَ السَّبْتُ، فَنَادَى النَّبِيُّ الشَّمْسَ، بِلُغَةِ اليَقِينِ القَاطِعِ: أيتها الشمس: «إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ، وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا»؛
فَأَمْسَكَ اللَّهُ القَيُّومُ حَرَكَةَ الفَلَكِ العَظِيمِ، وَتَوَقَّفَتِ الشَّمْسُ عَنِ الغُرُوبِ، مَكْنُونَةً فِي كَبِدِ السَّمَاءِ ،حَتَّى أَتَمَّ اللَّهُ لَهُمُ الفَتْحَ المُبِينَ. وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)
عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُحْبَسْ لِبَشَرٍ إِلاَّ لِيُوشَعَ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ».
فتَأَمَّلُوا كَيْفَ سَخَّرَ اللَّهُ الخَالِقُ جرَمًا سَمَاوِيًّا عَظِيمًا كَالشَّمْسِ، لِأَجْلِ عَبْدٍ صَادِقٍ، فَرَّغَ قَلْبَهُ وَجَيْشَهُ لِلَّهِ، فَإِنَّ الكَوْنَ كُلَّهُ بِمُقَدَّرَاتِهِ وَأَفْلاَكِهِ جُنُودٌ لِلَّهِ المَوْلَى، يُطِيعُونَ أَمْرَهُ، وَيَخْدُمُونَ مَنْ صَدَقَ فِي عُبُودِيَّتِهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فلمَّا جَمَعَ الغَنائمَ – وهي كلُّ ما يَحصُلُ عليه المسلِمون قَهْرًا مِن الكُفَّارِ، وكانت شريعة هذه الأُمَّةُ في ذلك الوقتِ إذا غَنِموا غَنيمةً، بَعَثَ اللهُ عليها النَّارَ، فتَأكُلُها- فجاءت النَّارُ لتَأكُلَها فلمْ تَأكُلْها، وكان أَكْلُ النَّارِ للغَنيمةِ وحَرْقُها عَلامةَ القَبولِ عِندَهم، وعدَمِ الغُلولِ، فقال لهم نَبيُّهم: «إنَّ فيكم غُلولًا»، والغُلولُ الأخذُ مِنَ الغَنيمَةِ بغيرِ حَقٍّ، وهو خِيانةٌ، ولكيْ يَعرِفَ النَّبيُّ (صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ) مَن سَرَقَ، ومَن غلَّ مِن الغَنيمةِ، طَلَبَ أنْ يُبايِعَه مِن كُلِّ قَبيلةٍ رَجلٌ مُختارٌ منها، فيُسلِّمَ عليه بيَدِه، ليَعلَمَ في أيِّ قَبيلةٍ منهم وَقَعَت السَّرقةُ، فلمَّا بايَعُوه، الْتَصَقَت يَدُ رَجلٍ بِيَدِه، وكانت هذه عَلامةً على وُجودِ الخِيانةِ مِن هذه القَبيلَةِ، فأخبَرَ أنَّ هذه القَبيلةَ فيها غُلولٌ، وقال له: «فلتُبايِعْني قَبيلَتُك» فَرْدًا فَرْدًا، فلمَّا بايَعوه الْتَصَقَت يَدُ رَجُلينِ أو ثَلاثةٍ بيَدِه، فقال: «فيكُم الغَلولُ»، يَعني: أنتُم الذين غَلَلْتُم مِن الغَنيمةِ، فطَلَبَ منهم أنْ يَرُدُّوا ما أخَذوه وسَرَقوه، «فَجاؤوا برَأْسٍ مِثلِ رَأسِ بَقرةٍ مِنَ الذَّهبِ»، وكانوا قَدْ أَخَذوها مِنَ الغَنيمةِ ،«فوَضَعوها» مع الغَنائمِ المُقدَّمةِ للحرْقِ، «فجاءتِ النَّارُ فأَكَلَتْها»؛ لأنَّها أصبَحَت بذلك غَنيمةً كاملةً لا غُلولَ فيها، فقَبِلَها اللهُ سُبحانه.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ثمَّ أخبَرَ نبينا (صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ) أنَّ اللهَ تعالَى اختَصَّ أُمَّتَه (صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ) بأنْ أَحَلَّ لهمُ الغنائمَ؛ لعَجْزِهم وضَعْفِهم، ورَحمةً بِهم، ولِشَرَفِ نَبِيِّنا (صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ)، فلم يُحِلَّ الغنائم لغَيرِهم، ممَّن كان قبْلَهم؛ لئلَّا يكونَ قِتالُهم لأجْلِ الغَنيمةِ؛ لقُصورِهم في الإخلاصِ ، بخِلافِ هذه الأُمَّةِ الإسلاميَّةِ؛ فإنَّ الإخلاصَ فيهم غالبٌ.
وفي قولِه (صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ): «إنَّ اللهَ رأَى عَجَزْنا وضَعْفَنا» إشارةً إلى أنَّ الفَضيلةَ عندَ اللهِ تعالَى هي: (إظهارُ العجْزِ والضَّعْفِ بيْن يَدَيه تعالَى).
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية «إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ فِي هَذِهِ المَعْرَكَةِ المَهِيبَةِ لَمَطَالِعَ إِيمَانِيَّةً، وَأَخْلاَقِيَّةً، وَتَرْبَوِيَّةً، تَحْتَاجُ الأُمَّةُ إِلَى اسْتِحْضَارِهَا فِي جَمِيعِ شُؤُونِهَا؛ وَمِنْ أَعْظَمِهَا: فِقْهُ “تَفَرُّغِ القَلْبِ لِلطَّاعَةِ“، وَشَرْطُ حُضُورِ النِّيَّةِ فِي كُلِّ عَمَلٍ شَرعِيٍّ، فمثلا: الصَّلاَةُ جِهَادٌ لِلنَّفْسِ، وَمُنَاجَاةٌ لِلرَّبِّ؛ فَلاَ تَكُمُلُ وَلاَ تَعْظُمُ مَغْفِرَتُهَا، إِلاَّ إِذَا أَقْبَلَ العَبْدُ عَلَيْهَا بِقَلْبٍ فارِغٍ مِنْ شَوَاغِلِ الدُّنْيَا؛ وَلِهَذَا نَهَى النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ، أَوْ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ الَّذِي تَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ.
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لاَ صَلاَةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلاَ وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ».
وفي الصحيحين: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ – رضي الله عنه – عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ».
وَكَذَلِكَ جَمِيعُ أَعْمَالِ الدِّينِ: مِنَ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ، وَالدَّعْوَةِ، وَالبِرِّ، وَتَرْبِيَةِ الأَجْيَالِ، وَعِمَارَةِ الأَرْضِ، وَالإِتْقَانِ فِي المِهَنِ؛ فإِذَا أَرَادَ المَرْءُ أَنْ يُتْقِنَهَا، وَيَجْنِيَ ثَمَرَاتِهَا، فَعَلَيْهِ أَنْ يُفَرِّغَ لَهَا قَلْبَهُ، وَيَقْطَعَ العَلائِقَ الشَّاغِلَةَ، الَّتِي تُفَتِّتُ هِمَّتَهُ، وَتُمَزِّقُ نِيَّتَهُ، وَتُضْعِفُ بَصِيرَتَهُ.
كَمَا يُعَلِّمُنَا الحَدِيثُ خُلُقَ العَدْلِ وَالأَمَانَةِ، وَعَدَمِ الغُلُولِ؛ فَإِنَّ القَوْمَ لَمَّا جَمَعُوا الغَنَائِمَ جَاءَتِ النَّارُ مِنَ السَّمَاءِ فَلَمْ تَأْكُلْهَا، لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ غَلَّ دِينَارًا مِنْ ذَهَبٍ، فَلَمْ تُقْبَلْ غَنِيمَتُهُمْ، حَتَّى أَعَادُوا الحقَّ إِلَى نِصَابِهِ، فَأَخْلاَقُ المُمَكَّنِينَ تَقُومُ عَلَى الطَّهَارَةِ المَالِيَّةِ، وَالعِفَّةِ عَنِ الحَرَامِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
أما عن أثَر العَمَلِ بِهَذَا الهَدْيِ النَّبَوِيِّ عَلَى حَيَاةِ الفَرْدِ وَصَلاَحِ المُجْتَمَعِ: فإِذَا عَمِلَ الفَرْدُ بِهَذَا الأصْلِ، حَرَصَ عَلَى جَمْعِ قَلْبِهِ عِنْدَ كُلِّ طَاعَةٍ وَعَمَلٍ، فَيُصَلِّي بِخُشُوعٍ، وَيَدْعُو بِيَقِينٍ، وَيَعْمَلُ بِإِتْقَانٍ، وَيَطْرُدُ عَنْ نَفْسِهِ الشَّتَاتَ وَالتَّسْوِيفَ، وَيَعْلَمُ أَنَّ القَلْبَ الصَّادِقَ الخَالِصَ هُوَ مَطْمَحُ عِنَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَإِذَا سَادَ هَذَا الفِقْهُ فِي المُجْتَمَعِ وَمُؤَسَّسَاتِهِ، أُسْنِدَتِ المَهَامُّ الكُبْرَى لِأَهْلِ التَّفَرُّغِ وَالإِخْلاَصِ وَالإِتْقَانِ، وَارْتَفَعَتْ جَوْدَةُ الأَعْمَالِ، وَانْقَطَعَ الرِّيَاءُ وَالتَّكَلُّفُ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى النَّصْرَ وَالتَّمْكِينَ وَالبَرَكَةَ، عَلَى أُمَّةٍ يَخْلُصُ رِجَالُهَا فِي أَعْمَالِهِمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً.
فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- وَفَرِّغُوا قُلُوبَكُمْ لِطَاعَةِ رَبِّكُمْ، وَاطْرُدُوا الشَّوَاغِلَ الَّتِي تَحْجُبُكُمْ عَنْ حُضُورِ القَلْبِ بَيْنَ يَدَيْ بَارِئِكُمْ، وَصَحِّحُوا نِيَّاتِكُمْ فِي جَمِيعِ شُؤُونِكُمْ؛ لِتَكُونُوا مِنَ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ.
الدُّعَاء
