خطبة عن (أَهْلُ الإِنَابَةِ)
أكتوبر 22, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى «صَوْتٌ فِي سَحَابَةٍ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
روى الإمام مسلم في صحيحه: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلاَنٍ. فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ قَالَ فُلاَنٌ. لِلاِسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلاَنٍ لاِسْمِكَ فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا قَالَ أَمَّا إِذَا قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ».
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم- إن شاء الله تعالى- مع هذا الحديث النبوي الكريم، وبداية: يقول الله تعالى:
﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:261].
فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هُوَ القَيُّومُ عَلَى مُلْكِهِ، وهُوَ المُدَبِّرُ لِخَلْقِهِ، لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ؛ فَلِلَّهِ الخَلْقُ وَالأَمْرُ كُلُّهُ، وَمَا مِنْ طَائِرٍ يَطِيرُ فِي السَّمَاءِ، وَلاَ غَيْثٍ يَنِزِلُ مِنَ السَّحَابِ، وَلاَ حَبَّةٍ تَثْبُتُ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ، إِلاَّ بِقَدَرِهِ المَقْدُورِ، وَتَدْبِيرِهِ الحَكِيمِ المُحْكَمِ.
وَإِنَّ فِي سُنَنِ اللَّهِ فِي الكَوْنِ، وَفي خَلْقِهِ، لَمَشَاهِدَ بَاهِرَةً، تُؤَكِّدُ عِظَمَ عَنَايَةِ اللَّهِ بِأَوْلِيَائِهِ الصَّالِحِينَ، وَمُجَازَاتِهِ لِلْمُحْسِنِينَ، أَهْلِ البِرِّ وَالصَّدَقَةِ، الَّذِينَ يَتفْضُلُونَ عَلَى الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ.
فتَأَمَّلُوا في قصة هذا الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الجَلِيلِ، والَّذِي سَاقَهُ المَعْصُومُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِأُمَّتِهِ؛ حِينَمَا جَسَّدَ لَهُمْ كَرَامَةً كَوْنِيَّةً حَقِيقِيَّةً، وَآيَةً بَاهِرَةً، فِي تَدْبِيرِ الخَالِقِ سُبْحَانَهُ، لِرَجُلٍ صَالِحٍ، كَانَ يَعْمَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، بِالصِّدْقِ وَالإِحْسَانِ فِي أَرْضِهِ، وَمَالِهِ.
«بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلاَنٍ! فَتَنَحَّى ذَلِكِ السَّحَابُ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكِ المَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ المَاءَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ المَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلاَنٌ، لِلاِسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ! فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، لِمَ تَسْأَلُنِي عَنْ اسْمِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلاَنٍ، لِاسْمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا، فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ».
فتَفَكَّرُوا- أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ- فِي هَذَا المَشْهَدِ العَجِيبِ: رَجُلٌ يَمْشِي فِي سَهْلٍ أَوْ صَحْرَاء قَفْرٍ، فَيَسْمَعُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، يَأْمُرُ السَّحَابَةَ بِالِانْصِرَافِ المُعَيَّنِ إِلَى بَقْعَةٍ بِعِينِهَا: “اسْقِ حَدِيقَةَ فُلاَنٍ”، فَتَتَحَرَّكُ السَّحَابَةُ بِأَمْرِ مَالِكِ المُلْكِ، فَتَسْكُبُ مَاءَهَا فِي أَرْضٍ سَوْدَاءَ (حَرَّةٍ)، فَيَجْرِي المَاءُ فِي مَسِيلٍ مُحَدَّدٍ (شَرْجَةٍ)، حَتَّى يَنْتَهِيَ بِالتَّمَامِ إِلَى بَسْتَانِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ المُبَارَكِ.
إِنَّ فِي هَذَا النِّدَاءِ الإِلَهِيِّ المَأْمُورِ لِلسَّحَابَةِ، لَدَلِيلاً يَقِينِيًّا قَاطِعًا عَلَى “قَيُّومِيَّةِ اللَّهِ فِي مُلْكِهِ”، وَتَدْبِيرِهِ لِخَلْقِهِ، وَسَائِرِ كَوْنِهِ؛ فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ العِبَادُ، بَلْ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ،الَّذِي يَرَى أَعْمَالَ الصَّالِحِينَ فِي الخَلَوَاتِ، فَيُسَخِّرُ لَهُمْ جُنُودَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، جَزَاءً وفَاقًا
كَمَا يَدُلُّ هَذَا الحَدِيثُ العَظِيمُ عَلَى إِثْبَاتِ “كَرَامَاتِ الأَوْلِيَاءِ”؛ فَالرَّجُلُ كَانَ وَلِيًّا لِلَّهِ تَعَالَى، بِصَلاَحِ نِيَّتِهِ، وَحُسْنِ عَمَلِهِ، فَأَكْرَمَهُ اللَّهُ بِمَعْجِزَةٍ كَوْنِيَّةٍ، وَكَرَامَةٍ مَشْهُودَةٍ، وَهِيَ سِقَايَةُ أَرْضِهِ دُونَ سَائِرِ الأَرَاضِي المِجَاوِرَةِ، وَهَذِهِ مِنْ عاجِلِ بُشْرَى المُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس:62-64].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وانْظُرُوا- رَحِمَكُمُ اللَّهُ- إِلَى السِّرِّ الَّذِي اسْتَوجَبَ بِهِ هَذَا العَبْدُ هَذِهِ الكَرَامَةَ الإِلَهِيَّةَ الفَذَّةَ، إِذْ لَمْ يَكُنْ سِرُّهُ أَمْرًا غَرِيبًا، بَلْ كَانَ نَظَامًا سُلُوكِيًّا ثَابِتًا فِي المَالِ وَالكَسْبِ: قَامَ عَلَى التَّوَازُنِ الدَّقِيقِ المُبَارَكِ فِي الإنْفَاقِ؛ فهو: “يَتَصَدَّقُ بِثُلُثِ نَتَاجِ أَرْضِهِ لِلْفُقَرَاءِ وَالـمَسَاكِينِ”، وَ “يَأْكُلُ هُوَ وَعِيَالُهُ الثُّلُثَ”، وَ “يَرُدُّ الثُّلُثَ فِي الأَرْضِ اسْتِثْمَارًا وَعِمَارَةً”.
فيَا لَهَا مِنْ مَنْهَجِيَّةٍ مَالِيَّةٍ حَكِيمَةٍ، جَمَعَتْ بَيْنَ أَدَاءِ حَقِّ اللَّهِ، وَحَقِّ العِبَادِ (بِالتَّصَدُّقِ بِالثُّلُثِ)، وَبَيْنَ أَدَاءِ حَقِّ النَّفْسِ وَالأَهْلِ (بِالأَكْلِ مِنَ الثُّلُثِ)، وَبَيْنَ حِفْظِ الأَصْلِ وَتَنْمِيَةِ الإنْتَاجِ (بِرَدِّ الثُّلُثِ فِي الأَرْضِ)، وَهَكَذَا يَكُونُ المُسْلِمُ المُتَوَازِنُ، المُفْلِحُ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ.
كَمَا يَكْشِفُ الحَدِيثُ عَنْ: “قِيمَةِ العَمَلِ وَمَنْزِلَتِهِ فِي الإِسْلاَمِ”، وَفَضْلِ “الكَسْبِ الحَلاَلِ”، وَأَنْ يَأْكُلَ الإِنْسَانُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ؛ فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ قَائِمًا فِي حَدِيقَتِهِ، يُحَوِّلُ المَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، يَبْذُلُ الجَهْدَ، وَيَسْعَى فِي أَرْضِ اللَّهِ، فَلَمْ يَقْعُدْ عَنِ العَمَلِ اتِّكَالاً، بَلْ جَمَعَ بَيْنَ الأَخْذِ بِالأَسْبَابِ، وَالتَّوَكُّلِ الصَّادِقِ عَلَى المَوْلَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية «صَوْتٌ فِي سَحَابَةٍ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفِي هَذَا الحَدِيثِ المُبَارَكِ دَلاَلاَتٌ بَالِغَةٌ فِي حَثِّ الأُمَّةِ عَلَى “الصَّدَقَةِ وَالإنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ”، وَالإِحْسَانِ إِلَى الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينَ، وَتَحْقِيقِ “التَّكَاَفُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ” الَّذِي يَصُونُ المُجْتَمَعَ مِنَ الحَاجَةِ وَالعَوَزِ وَالمَسْكَنَةِ، فَإِنَّ جَزَاءَ الإِحْسَانِ فِي شَرِيعَةِ اللَّهِ لَيْسَ إِلاَّ الإِحْسَانُ، كَمَا قَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:60].
فَمَنْ أَنْفَقَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُخْلِصًا نِيَّتَهُ، أَنْفَقَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ خَزَائِنِهِ، الَّتِي لاَ تَفْنَى، وَبَارَكَ لَهُ فِي مَالِهِ، وَوَلَدِهِ، وَعُمُرِهِ؛ فَإِنَّ المَالَ لاَ يَنْقُصُ بِالصَّدَقَةِ أَبَدًا، بَلْ يَزْكُو وَيَنْمُو وَيَتَطَهَّرُ.
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ».
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ أَيْضًا: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا».
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا أثَرَ العَمَلِ بِهَذَا الهَدْيِ النَّبَوِيِّ العَظِيمِ عَلَى حَيَاةِ الفَرْدِ وَصَلاَحِ المُجْتَمَعِ:
فإِذَا عَمِلَ الفَرْدُ بِهَذَا الحَدِيثِ: زَكَتْ نَفْسُهُ مِنْ الشُّحِّ وَالبُخْلِ، وَطَهُرَ كَسْبُهُ، وَاسْتَقَرَّتْ البَرَكَةُ فِي مَالِهِ، وَشَعَرَ بِاللَّذَّةِ الإِيمَانِيَّةِ حِينَمَا يَجْعَلُ لِلْفُقَرَاءِ نَصِيبًا مَعْلُومًا مِنْ ثَمَرَةِ كَدِّهِ، وَعَاشَ فِي كَنَفِ اللَّهِ وَحِفْظِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
وَإِذَا سَادَ هَذَا التَّكَاَفُلُ الصَّادِقُ فِي المُجْتَمَعِ: زَالَتِ المَظَالِمُ وَالأَحْقَادُ مِنَ الصُّدُورِ، وَتَلاَشَتِ الجَرِيمَةُ وَالمَسْكَنَةُ، وَانْقَطَعَتِ الضَّغَائِنُ بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ وَالفُقَرَاءِ، وَأَمْطَرَتِ السَّمَاءُ بَرَكَاتِهَا، وَصَارَ المُجْتَمَعُ المُسْلِمُ كَالبُنْيَانِ المَرْصُوصِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الخَيْرِ وَالتَّقْوَى.
فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، وَاجْعَلُوا لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ حَظًّا مِنْ أَمْوَالِكُمْ وَثِمَارِكُمْ، وَاطْلُبُوا البَرَكَةَ بِالصَّدَقَةِ وَالتَّوَازُنِ فِي الإنْفَاقِ، وَاكْسِبُوا الحَلاَلَ مِنْ عَمَلِ أَيْدِيكُمْ، لِتَلْقَوْا رَبَّكُمْ وَهُوَ رَاضٍ عَنْكُمْ.
الدُّعَاء
