خطبة عن (التَّحْذِيرُ مِنْ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ)
أكتوبر 13, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى «مَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبَارِحَةِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
روى الإمام البخاري في صحيحه: (أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَتْ لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلاَّ يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – طَرَفَيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، ثُمَّ بَدَا لأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَكَانَ يُصَلِّى فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَقِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ، وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلاً بَكَّاءً لاَ يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
وفي رواية للبخاري في صحيحه: (أَنَّ عَائِشَةَ – رضي الله عنها – قَالَتْ لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ، إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلاَّ يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – طَرَفَيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا قِبَلَ الْحَبَشَةِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ – وَهْوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ – فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَخْرَجَنِي قَوْمِي فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الأَرْضِ فَأَعْبُدَ رَبِّي .
قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ إِنَّ مِثْلَكَ لاَ يَخْرُجُ وَلاَ يُخْرَجُ، فَإِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَقْرِى الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، وَأَنَا لَكَ جَارٌ فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبِلاَدِكَ. فَارْتَحَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ، فَرَجَعَ مَعَ أَبِى بَكْرٍ، فَطَافَ فِي أَشْرَافِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُمْ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لاَ يَخْرُجُ مِثْلُهُ، وَلاَ يُخْرَجُ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلاً يُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الْكَلَّ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ.
فَأَنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جِوَارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ وَآمَنُوا أَبَا بَكْرٍ وَقَالُوا لاِبْنِ الدَّغِنَةِ مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَلْيُصَلِّ وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ، وَلاَ يُؤْذِينَا بِذَلِكَ، وَلاَ يَسْتَعْلِنْ بِهِ، فَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا. قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الدَّغِنَةِ لأَبِي بَكْرٍ، فَطَفِقَ أَبُو بَكْرٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَلاَ يَسْتَعْلِنُ بِالصَّلاَةِ وَلاَ الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ دَارِهِ،
ثُمَّ بَدَا لأَبِى بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَبَرَزَ فَكَانَ يُصَلِّى فِيهِ، وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ، يَعْجَبُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلاً بَكَّاءً لاَ يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَإِنَّهُ جَاوَزَ ذَلِكَ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَأَعْلَنَ الصَّلاَةَ وَالْقِرَاءَةَ، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، فَأْتِهِ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ، وَإِنْ أَبَى إِلاَّ أَنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ، فَإِنَّا كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ، وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لأَبِي بَكْرٍ الاِسْتِعْلاَنَ .
قَالَتْ عَائِشَةُ فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّ إِلَىَّ ذِمَّتِي ، فَإِنِّي لاَ أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنِّى أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ، وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ.
وَرَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، رَأَيْتُ سَبْخَةً ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لاَبَتَيْنِ». وَهُمَا الْحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – ، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْضُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «عَلَى رِسْلِكَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي». قَالَ أَبُو بَكْرٍ هَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ قَالَ «نَعَمْ». فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – لِيَصْحَبَهُ وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ).
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة:100].
فَإِنَّ التَّارِيخَ الإِسْلامِيَّ المَجِيدَ حِينَمَا يُسَجِّلُ سِيرَةَ الرَّعِيلِ الأَوَّلِ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، إِنَّمَا يَكْشِفُ لَنَا عَنْ المَعَادِنِ الإِنْسَانِيَّةِ الشَّرِيفَةِ، الَّتِي صَقَلَهَا الإِيمَانُ، فِي أَفرانِ الِابْتِلاءِ، وَرَفَعَ شَأْنَهَا فِي مَحَارِيبِ العُبُودِيَّةِ الخَالِصَةِ؛
و«مَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبَارِحَةِ!»: فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ المَشَاهِدِ الَّتِي تَقْشَعِرُّ لَهَا القُلُوبُ، وَتَقِفُ عِنْدَهَا الأَلْبَابُ مُتَفَكِّرَةً، هُوَ ذَلِكَ المَشْهَدُ المَكِّيُّ العَصِيبُ، الَّذِي عَاشَهُ المُسْلِمُونَ الأَوَائِلُ، تَحْتَ وَطْأَةِ العَذَابِ وَالقَهْرِ، وَالتَّضْيِيقِ المُطْرَدِ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، يَوْمَ كَانَ الإِسْلامُ غَرِيبًا، وَكَانَ أَهْلُهُ غرباء، يُسَامُونَ سُوءَ العَذَابِ فِي أَبْطَحِ مَكَّةَ، من أهل الكفر والضلال!.
وَفِي الأحاديث المتقدمة: (كَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلاً بَكَّاءً لا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ القُرْآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ». فتَأَمَّلُوا هَذِهِ الصُّورَةَ الوَعْظِيَّةَ الهَادِرَةَ، أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَجُلٌ بَكَّاءٌ، شَفَّتْ رُوحُهُ، وَرَقَّ قَلْبُهُ، لا يَمْلِكُ دُمُوعَهُ حِينَمَا يَتْلُو آيَاتِ الحَقِّ جَلَّ وعَلا فِي مَسْجِدِهِ المُبْتَنَى بِفِنَاءِ دَارِهِ؛ فَيَنْسَكِبُ البُكَاءُ مِنْ عَيْنَيْهِ انْسِكَابًا، وَتَسْتَجِيشُ مَشَاعِرُ نِسَاءِ المُشْرِكِينَ وَأَبْنَائِهِمْ، الَّذِينَ وَقَفُوا يَتَزَاحَمُونَ، يَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا الخُشُوعِ العَجِيبِ، الَّذِي يَأْخُذُ بِمَجَامِعِ القُلُوبِ!.
وَهُنَا تَجَلَّى هَلَعُ البَاطِلِ، لَقَدْ أَفْزَعَ هَذَا البُكَاءُ الخَاشِعُ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ؛ لأَنَّ البَاطِلَ المُدَجَّجَ بِالسِّلاحِ وَالقُوَّةِ المَادِّيَّةِ، خَائِفٌ هَشٌّ أَمَامَ نَبَرَاتِ الحَقِّ وَدُمُوعِ الخَاشِعِينَ!.
فَرَأَوْا فِي بُكَاءِ أَبِي بَكْرٍ سِلاَحًا عَقَدِيًّا، يَسْتَلِبُ عُقُولَ أَبْنَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، فَعَمَدُوا إِلَى التَّضْيِيقِ عَلَيْهِ، وَمَنَعُوهُ مِنَ الجَهْرِ بِالقُرْآنِ فِي دَارِهِ!.
فَلَمَّا اشْتَدَّ البَلاءُ عَلَى المُسْلِمِينَ فِي مَكَّةَ، وَبَلَغَ الأَذَى غَايَتَهُ، اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الخُرُوجِ مُهَاجِرًا بِدِينِهِ إِلَى أَرْضِ الحَبَشَةِ الفَسِيحَةِ لِيَعْبُدَ رَبَّهُ بِلا مَنَّاعٍ وَلا عَاذِلٍ.
ففي الحديث: «فَلَمَّا ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا قِبَلَ الحَبَشَةِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ -وَهُوَ سَيِّدُ القَارَةِ- فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي، فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الأَرْضِ فَأَعْبُدَ رَبِّي، قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: إِنَّ مِثْلَكَ لا يَخْرُجُ وَلا يُخْرَجُ، فَإِنَّكَ تَكْسِبُ الـمَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، فَأَنَا لَكَ جَارٌ، ارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِكَ».
فانْظُرُوا إِلَى شَهَادَةِ سَيِّدِ القَارَةِ – وَهُوَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ عَرَفَ شَرَفَ المَعَادِنِ- فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فهي شَهَادَةٌ تُطَابِقُ تَمَامًا الشَّهَادَةَ الَّتِي شَهِدَتْ بِهَا خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي حَقِّ سَيِّدِ الخَلْقِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) غَدَاةَ نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ،
ففي الصحيحين: (..فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ قَالَ لِخَدِيجَةَ «أَيْ خَدِيجَةُ مَا لِي، لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي». فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ . قَالَتْ خَدِيجَةُ كَلاَّ أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لاَ يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِى الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ..).
وهَكَذَا هُمْ أَهْلُ الإِيمَانِ الصَّادِقِ: أَخْلاَقُهُمْ مَنَارَةٌ، وَأَفْعَالُهُمْ كَفَالَةٌ، لا يَسْتَغْنِي عَنْهُمْ مُجْتَمَعٌ؛ يَكْسِبُونَ المَعْدُومَ، وَيَصِلُونَ الأَرْحَامَ، وَيَقْرُونَ الضُّيُوفَ، وَيَحْمِلُونَ الأَثْقَالَ عَنِ المَنْكُوبِينَ.
فَرَجَعَ ابْنُ الدَّغِنَةِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَطَافَ فِي أَشْرَافِ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمْ: “إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لا يَخْرُجُ وَلا يُخْرَجُ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلاً يَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ؟” فَأَنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جِوَارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ، وَأَمَّنُوا أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنَّهُمْ شَرَّطُوا عَلَيْهِ أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَلا يَجْهَرَ بِالصَّلاَةِ وَالقِرَاءَةِ أَمَامَ النِّسَاءِ وَالأَبْنَاءِ.
فَلَمْ يَصْبِرْ الصِّدِّيقُ عَلَى هَذَا القَيْدِ الَّذِي يَكْتُمُ دَعْوَتَهُ، وَلَمْ يَطِقْ حَبْسَ القُرْآنِ فِي صَدْرِهِ، فَابْتَنَى المَسْجِدَ فِي فِنَاءِ دَارِهِ، وَأَعْلَنَ القِرَاءَةَ وَالبُكَاةَ، فَلَمَّا خَافَتْ قُرَيْشٌ فَاضَحَتْ جِوَارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ، وَخَيَّرُوهُ بَيْنَ أَنْ يُكْرِهَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى السُّكُوتِ أَوْ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِ جِوَارَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي خَطْوَةٍ إِيمَانِيَّةٍ شَامِخَةٍ: “فَإِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ، وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ“.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
“فَإِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ، وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ”: يَا لَهَا مِنْ ثِقَةٍ مُطْلَقَةٍ فِي جِوَارِ اللَّهِ وَحِمَايَتِهِ. ثُمَّ تَمْضِي الأَيَّامُ، لِيَتَسَارَعَ الِاسْتِعْدَادُ لِلْهِجْرَةِ الكُبْرَى إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، فَيَخْتَارُ الرَّسُولُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَبَا بَكْرٍ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الخَلْقِ لِيَكُونَ رَفِيقَ دَرْبِهِ، وَصَاحِبَهُ فِي الغَارِ؛ لِيُكْتَبَ لَهُ الشَّرَفُ الأَعْظَمُ، الَّذِي سَجَّلَهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:40].
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية «مَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبَارِحَةِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
«مَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبَارِحَةِ»: فإِنَّ المُتَأَمِّلَ فِي حَالِ أُمَّتِنَا الإِسْلامِيَّةِ اليَوْمَ، لَيَرَى صِدْقَ القَوْلِ: “مَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبَارِحَةِ”؛ فَإِنَّ المَشْهَدَ الَّذِي عَاشَهُ المُسْلِمُونَ الأَوَائِلُ فِي مَكَّةَ، مِنْ تَكَالُبِ القُوَى الظَّالِمَةِ، وَالتَّضْيِيقِ عَلَى أَهْلِ الإِيمَانِ، وَمحَارَبَةِ شَعَائِرِ الدِّينِ، وَمُحَاصَرَةِ صَوْتِ الحَقِّ ،ها هو يُعَادُ اليَوْمَ، فِي صُوَرٍ مُتَجَدِّدَةٍ، وَبِأَسَالِيبَ خَبِيثَةٍ.
اليوم، يَقِفُ الكُفَّارُ وَالمُنَافِقُونَ، أَمَامَ مَدِّ هَذَا الدِّينِ، وَيَسْعَوْنَ لِإِطْفَاءِ نُورِ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ، وَيُذَيقُونَ المُسْتَضْعَفِينَ من المسلمين فِي مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا صُنُوفَ القَهْرِ وَالإِبَادَةِ.
وَلَكِنَّ المَخْرَجَ اليَوْمَ -أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ- لَيْسَ بِالهجرة، والخُرُوجِ الجَسَدِيِّ، أَوْ الرَّحِيلِ عَنِ الأَوْطَانِ، بَعْدَ أَنْ مَضَتْ هِجْرَةُ الفَتْحِ؛ فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا».
فإِنَّ الهِجْرَةَ المَطْلُوبَةَ، والمَأْمُورَ بِهَا الْيَوْمَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، هِيَ: “الهِجْرَةُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ” بِالقُلُوبِ وَالأَعْمَالِ، وأَنْ نَهْجُرَ الذُّنُوبَ وَالمَعَاصِيَ، وَأَنْ نَفِرَّ مِنْ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا وَفِتَنِهَا، إِلَى جَنَابِ التَّوْحِيدِ وَالطَّاعَةِ.
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى الله عَنْهُ».
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «العِبَادَةُ فِي الهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ».
فَهَيَّا- أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ- هَيَّا نَهَاجِرُ إِلَى اللَّهِ، فِي زَمَنِ الهَرْجِ وَالفِتَنِ؛ فنَهْجُرُ المَظَالِمَ، وَنَهْجُرُ الغَفْلَةَ، وَنَلْتَزِمُ بِكِتَابِ رَبِّنَا، وَسُنَّةِ نَبِيِّنَا (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَنَتَخَلَّقُ بِأَخْلاَقِ الصِّدِّيقِ أَبِي بَكْرٍ، فِي نُصْرَةِ المَظْلُومِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِقْرَاءِ الضَّيْفِ ،وَإِعَانَةِ المُنْكُوبِينَ، وَلْنَعْلَمْ أَنَّ جِوَارَ اللَّهِ هُوَ الأَعَزُّ وَالأَبْقَى، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا.
الدُّعَاء
