خطبة عن حديث (جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ)
أكتوبر 12, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (التَّحْذِيرُ مِنْ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
في الصحيحين البخاري ومسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».
وفي رواية: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».
وفي الصحيحين: (أَنَّ عَائِشَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالاَ لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهْوَ كَذَلِكَ «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا.
وفي الصحيحين: (عَنْ عَائِشَةَ – رضي الله عنها – قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». لَوْلاَ ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَوْ خُشِيَ أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا).
إخوة الإسلام
إِنَّ أَعْظَمَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ هُوَ التَّوْحِيدُ؛ وهو إِفْرَادُهُ جَلَّ وَعَلا بِالعِبَادَةِ، وَتَطْهِيرُ الدِّينِ مِنْ كُلِّ شَائِبَةِ شِرْكٍ، أَوْ وَسِيلَةٍ تُؤَدِّي إِلَيْهِ.
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الحِكَمِ التِي جَاءَتْ بِهَا الشَّرِيعَةُ الإِسْلامِيَّةُ هِيَ حِمَايَةُ جَنَابِ التَّوْحِيدِ، وَسَدُّ كُلِّ الذَّرَائِعِ التِي قَدْ تُفْضِي بِالعَبْدِ إِلَى الغُلُوِّ فِي الصَّالِحِينَ، أَوْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ.
وَتَأَمَّلُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- فِي هَذَا المَشْهَدِ النَّبَوِيِّ العَظِيمِ، فحِينَ كَانَ الرَّسُولُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي آخِرِ لَحَظَاتِ حَيَاتِهِ الشَّرِيفَةِ، فِي مَرَضِهِ الذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ، وَهُوَ يُعَانِي سَكَرَاتِ المَوْتِ، فيقول:
“لَعْنَةُ اللهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ”؛ يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا»، وفي رواية: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، لَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ -أَوْ خُشِيَ- أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا» وفي رواية: «قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».
فتَدَبَّرُوا هَذِهِ الأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ المُتَواتِرَةَ؛ إِذْ لَمْ يَشْغَلِ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي سَكَرَاتِ المَوْتِ إِلا أَمْرُ التَّوْحِيدِ، فَصَارَ يَكْشِفُ الكِسَاءَ عَنْ وَجْهِهِ الشَّرِيفِ حِينَ يَغْتَمُّ، لِيُنَادِيَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ مُحَذِّرًا أُمَّتَهُ مِمَّا فَعَلَهُ أَهْلُ الكِتَابِ، ومَعْنَى «قَاتَلَ اللهُ» وَ«لَعَنَ اللهُ»: أَيْ طَرَدَهُمْ وَأَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَدَعَا عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ وَالخِزْيِ، بِسَبَبِ انْحِرَافِهِمْ عَنْ تَوْحِيدِ أَنْبِيَائِهِمْ. ومَعْنَى «اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»: أَيْ بَنَوْا عَلَيْهَا المَسَاجِدَ وَالمَشَاهِدَ، أَوْ صَلَّوْا عِنْدَهَا وَإِلَيْهَا، أَوْ سَجَدُوا لَهَا؛ فَكُلُّ مَوْضِعٍ يُقْصَدُ لِلصَّلَاةِ وَالتَّعَبُّدِ فَهْوَ مَسْجِدٌ، سَوَاءٌ بُنِيَ عَلَيْهِ جِدَارٌ أَمْ لَمْ يُبْنَ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ
إِنَّ الحِكْمَةَ وَالغَايَةَ مِنْ هَذَا التَّحْذِيرِ الشَّدِيدِ هِيَ: حِمَايَةُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مِنَ الوُقُوعِ فِي الشِّرْكِ الذِي وَقَعَتْ فِيهِ الأُمَمُ السَّابِقَةُ.
فَالغُلُوُّ فِي القُبُورِ وَالصَّالِحِينَ هُوَ أَعْظَمُ بَابٍ لِدُخُولِ الشِّرْكِ فِي الأَرْضِ، وَهَذَا الخَطَأُ هُوَ بِعَيْنِهِ الذِي وَقَعَ فِيهِ قَوْمُ نُوحٍ (عَلَيْهِ السَّلامُ)، فَكَانَتْ نَتِيجَتُهُ ابْتِدَاعَ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ فِي البَشَرِيَّةِ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:23].
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي تَفْسِيرِهَا: “هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ فِيهَا أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا وَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ” [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].
فَبَدَأَ الأَمْرُ بِتَعْظِيمِ القُبُورِ وَالصُّوَرِ وَالصَّالِحِينَ، وَلَمَّا جُهِلَ العِلْمُ صَارَتْ تِلْكَ القُبُورُ وَالتَّمَاثِيلُ آلِهَةً تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ.
أيها المسلمون
وَمِنْ أَعْظَمِ المُنْكَرَاتِ الَّتِي يُبْرَأُ إِلَى اللَّهِ مِنْهَا، مَا أَحْدَثَهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنَ الِاجْتِمَاعِ حَوْلَ القُبُورِ وَالأَضْرِحَةِ، وَإِقَامَةِ المَوَالِدِ، وَالحَفَلَاتِ، الَّتِي يُسَمُّونَهَا بـ “لَيَالِي الصَّالِحِينَ” أَوْ “مَوَالِدِ آلِ البَيْتِ”؛ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَوَّلُوا القُبُورَ إِلَى أَعْيَادٍ، وَمَوَاسِمَ لِلْبِدَعِ، وَمَيَادِينَ لِلْشِّرْكِيَّاتِ، وَمَشَاهِدَ لِلِاخْتِلَاطِ الفَاضِحِ، وَالمُحَرَّمَاتِ.
إِنَّ هَذِهِ المَوَالِدَ المُبْتَدَعَةَ لَمْ يَفْعَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَلَا أَصْحَابُهُ الأَخْيَارُ، وَلَا آلُ بَيْتِهِ الأَطْهَارُ، وَلَا الأَئِمَّةُ الأَرْبَعَةُ المُتَّبَعُونَ، وَإِنَّمَا هِيَ دَخِيلَةٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ؛ يَجْتَمِعُ فِيهَا الجَهَلَةُ وَالمُغَرَّرُ بِهِمْ، عَلَى التَّبَرُّكِ البَاطِلِ، وَدُعَاءِ الأَمْوَاتِ، مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَالِاسْتِغَاثَةِ بِغَيْرِ اللَّهِ ، الِأَمْرِ الَّذِي يَنُقُضُ أُصُولَ التَّوْحِيدِ.
ثُمَّ يَنْضَمُّ إِلَى ذَلِكَ السُّقُوطُ الأَخْلَاقِيُّ، فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ التَّجَمُّعَاتِ؛ مِنَ الِاخْتِلَاطِ المُشِينِ، بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَعَزْفِ المَلَاهِي، وَتَشْوِيهِ صُورَةِ الإِسْلَامِ النَّقِيِّ، كُلُّ ذَلِكَ أَمَامَ أَعْيُنِ النَّاسِ وَتَحْتَ رَايَةِ المَحَبَّةِ الزَّائِفَةِ لِلصَّالِحِينَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَذِّرًا مِنْ شَرعَنَةِ البِدَعِ:
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:21].
وَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» [رَوَاهُ الـبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
فَالوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، يَغَارُ عَلَى دِينِهِ، وَتَوْحِيدِهِ، أَنْ يَبْرَأَ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ المَوَالِدِ وَالمُحْدَثَاتِ، وَأَنْ يُحَذِّرَ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ مِنْ حُضُورِهَا، أَوْ التَّكْثِيرِ لِسَوَادِهَا؛ فَإِنَّ المَحَبَّةَ الصَّادِقَةَ لِلنَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَلِآلِ بَيْتِهِ الأطهار، وَالصَّالِحِينَ الأبرار، إِنَّمَا تَكُونُ بِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِمْ، وَلُزُومِ هَدْيِهِمْ، لا بِابْتِدَاعِ المُحَرَّمَاتِ، أو تَعْظِيمِ المَشَاهِدِ وَالقُبُورِ.
أقول قولي وأستغفر الله العظيم لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (التَّحْذِيرُ مِنْ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
الإِسْلامُ هُوَ دِينُ التَّوْحِيدِ الخَالِصِ، الذِي لا يَقْبَلُ أَنْ يُشْرَكَ مَعَ اللهِ أَحَدٌ، لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلا وَلِيٌّ صَالِحٌ. قَالَ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18].
وَاعْلَمُوا أَنَّ الشِّرْكَ هُوَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ، وَهُوَ الذَنْبُ الذِي حَذَّرَ اللهُ أَنْ يُمَحَى مَعَهُ الأَمَلُ فِي المَغْفِرَةِ، إِذَا مَاتَ العَبْدُ عَلَيْهِ، فَهُوَ مُحْبِطٌ لِلأَعْمَالِ، قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: 65-66].
وَمِنْ هُنَا، فَقَدْ أِجْمَعَ عُلَمَاءُ الإِسْلامِ، عَلَى تَغْلِيظِ حُكْمِ الصَّلاةِ فِي المَسَاجِدِ التِي بِهَا أَضْرِحَةٌ وَقُبُورٌ: فكُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ فِي الأَصْلِ عَلَى قَبْرٍ، فَالبِنَاءُ بَاطِلٌ وَمُحَرَّمٌ، وَالصَّلاةُ فِيهِ باطِلَةٌ، غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ لِأَنَّهُ اتِّخَاذٌ لِلْقَبْرِ مَسْجِدًا وَقَدْ لَعَنَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَاعِلَهُ.
أما القَبْرُ المُدْخَلُ فِي المَسْجِدِ: فإِذَا كَانَ المَسْجِدُ قَدِيمًا ثُمَّ دُفِنَ فِيهِ مَيِّتٌ أَوْ أُدْخِلَ فِيهِ قَبْرٌ، فَالوَاجِبُ نَبْشُ القَبْرِ، وَنَقْلُهُ إِلَى مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ، وَلا يُصَلَّى فِي جِهَةِ القَبْرِ، وَلا تُجْعَلُ الصَّلاةُ إِلَيْهِ.
فعَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولُ: «أَلاَ وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلاَ فَلاَ تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
أَيُّهَا المسلمون
ولَقَدْ بَلَغَ مِنْ حِرْصِ الرَّسُولِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَلَى التَّوْحِيدِ، أَنْ دَعَا اللهَ جَلَّ وَعَلا أَنْ يَحْمِيَ قَبْرَهُ الشَّرِيفَ، وَحَذَّرَ أُمَّتَهُ مِنْ تحوِيلِ قَبْرِهِ إِلَى مَكَانٍ يُقْصَدُ لِلْتَّبَرُّكِ البَاطِلِ، أَوْ العِيدِ المُتَكَرِّرِ.
وفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» [رَوَاهُ مَالِكٌ فِي المُوَطَّإِ].
وَلِذَلِكَ اسْتَجَابَ اللهُ دُعَاءَ نَبِيِّهِ، فَأُحِيطَت حَجْرَتُهُ الشَّرِيفَةُ بِالجُدُرِ المُغْلَقَةِ، التِي الِتَقَتْ عَلَى شَكْلِ مُثَلَّثٍ، لا صَلِيبَ فِيهِ، وَلا مِحْرَابَ يُصَلَّى إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ:
فَأَجَابَ رَبُّ العَالَمِينَ دُعَاءَهُ … وَأَحَاطَهُ بِثَلاثَةِ الأَسْوَارِ
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَحَافِظُوا عَلَى نَقَاءِ تَوْحِيدِكُمْ، وَاعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَاحْذَرُوا كُلَّ مُحْدَثَةٍ وَبِدْعَةٍ تُخَالِفُ هَدْيَ النَّبِيِّ الكَرِيمِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
الدعاء
