خطبة عن (قِصَّةُ الوَشَاحِ.. جَبْرُ المَظْلُومِ وَعَجَائِبُ القُدْرَةِ الإِلَهِيَّةِ)
أكتوبر 11, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى «اخْتِيَارُ الرَّفِيقِ وَفَضْلُ الصِّدِّيقِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
روى الإمام البخاري في صحيحه: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ خَطَبَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ «إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ». فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ – رضي الله عنه – فَقُلْتُ فِي نَفْسِي مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ إِنْ يَكُنِ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – هُوَ الْعَبْدَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا. قَالَ «يَا أَبَا بَكْرٍ لاَ تَبْكِ، إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً مِنْ أُمَّتِي لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلاَمِ وَمَوَدَّتُهُ، لاَ يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلاَّ سُدَّ إِلاَّ بَابُ أَبِى بَكْرٍ».
وفيه أيضا: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فِي مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ عَاصِبٌ رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ «إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَىَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِى قُحَافَةَ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلاً لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، وَلَكِنْ خُلَّةُ الإِسْلاَمِ أَفْضَلُ، سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ».
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:144].
فَإِنَّ الْمَوَاقِفَ الْعِظَامَ فِي تَارِيخِ هَذِهِ الأُمَّةِ، إِنَّمَا تُقَاسُ بِمَدَى جَلالِ الشُّهُودِ، وَعُمِقِ الأَثَرِ فِي نُفُوسِ الرِّجَالِ؛ وَإِنَّ أَعظم المَشَاهِدِ، وأَكْثَرَهَا جَلالاً وَهَيْبَةً، ذَلِكَ المَشْهَدُ المَهِيْبُ، الَّذِي وَقَفَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي آخِرِ أَيَّامِهِ وهو على المِنْبَرِ، يبدو مِنْ جَسَدِهِ الشَّرِيفِ أَلَمُ الوَعْكِ، وَيَسْطَعُ مِنْ وَجْهِهِ الأَنْوَرِ نُورُ النُّبُوَّةِ، وَالوَدَاعِ.
يَقِفُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِيُلْقِيَ عَلَى الأُمَّةِ وَصِيَّتَهُ الأَخِيرَةَ، وَيُعْلِنَ نِهَايَةَ أَعْظَمِ رِحْلَةٍ إِيمَانِيَّةٍ عَرَفَتْهَا البَشَرِيَّةُ مُنْذُ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ.
فتَأَمَّلُوا مَعِي- أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ- ذَلِكَ المَشْهَدَ، الَّذِي يَنْخَلِعُ لَهُ القَلْبُ، حِينَمَا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَلَى المِنْبَرِ، وَالأَصْحَابُ مُجْتَمِعُونَ، وَالقُلُوبُ وَاجِلَةٌ، وَالأَعْيُنُ شَاخِصَةٌ، يَرقُّبونَ كُلَّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ شَفَتَيْهِ الشَّرِيفَتَيْنِ؛
فَبَيْنَمَا هُمْ فِي تِلْكَ الحَالَةِ مِنَ الشَّوْقِ وَالوَجَلِ، إِذْ نَطَقَ النَّبِيُّ المَعْصُومُ بِكَلِمَاتٍ يَمْلَؤُهَا السُّكُونُ العَمِيقُ، وَالتَّجَرُّدُ التَّامُّ عَنْ زَخَارِفِ هَذِهِ الدُّنْيَا الفَانِيَةِ. فَقَالَ:
«إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ».
فَمَا إِنْ سَمِعَ الصَّحَابَةُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ الحَكِيمَةَ، حَتَّى مَرَّتْ عَلَى أَكْثَرِهِمْ مَرَّ الخَبَرِ المَجْهُولِ؛ إذْ حَسِبُوهُ نَبَأً عَنْ عَبْدٍ صَالِحٍ مِنْ أُمَمٍ سَالِفَةٍ، أَوْ حِكَايَةً عَنْ رَجُلٍ زَاهِدٍ، خَيَّرَهُ رَبُّهُ بَيْنَ خَزَائِنِ الأَرْضِ، وَبَيْنَ اللِّقَاءِ، فَآثَرَ لِقَاءَ اللَّهِ.
وَلَكِنَّ هُنَاكَ قَلْبًا وَاحِدًا فَهِمَ الشَّفْرَةَ الإِلَهِيَّةَ، وَأَدْرَكَ المَعْنَى المَكْنُونَ خَلْفَ هَذَا الإِشَارَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّفِيفَةِ. إِنَّهُ قَلْبُ الصِّدِّيقِ أَبِي بَكْرٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي شَفَّتْ رُوحُهُ، فَمَا عَادَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْوَارِ النُّبُوَّةِ حُجُبٌ، وَلا العَوَائِقُ الَّتِي تَحْجُبُ عَامَّةَ البَشَرِ.
فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ هَذَا الخَبَرَ، لَمْ يَسْتَطِعْ مَالِكًا لِدُمُوعِهِ، وَلا ضَابِطًا لِلَوْعَةِ الصَّدْرِ، الَّتِي اصْطَلَتْ فِي جَوْفِهِ؛ فَشَرَعَ يَبْكِي، وَاشْتَدَّ بُكَاؤُهُ، وَانْتَخَبَ صَوْتُهُ بِالبُكاءِ، ثُمَّ قَامَ فَنَادَى يَقُولُ: بَلْ نَفْدِيكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، فَعَجِبَ النَّاسُ أَعْظَمَ العَجَبِ، وَقَالُوا فِي أَنْفُسِهِمْ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ، يُخْبِرُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا!.
وَلَمْ يَكُنْ النَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّ المَخَيَّرَ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) نَفْسُهُ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ أَعْلَمَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ، وَبِمَعَانِي كَلامِهِ!.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذَا المَوْقِفَ الفَذَّ، يَكْشِفُ عَنْ عُمْقِ التَّفَكُّكِ السُّلُوكِيِّ وَالنَّفْسِيِّ لِلإِنْسَانِ، حِينَ يَقِفُ أَمَامَ النُّصُوصِ؛ فَالثَّغْرُ النَّبَوِيُّ حِينَمَا نَطَقَ، نَطَقَ بِلَغَةِ الإِشَارَةِ العَالِيَةِ، وَلَكِنَّ الأَعْلَمَ بِاللَّهِ، وَالأَكْثَرَ حُبًّا لِرَسُولِهِ، هُوَ الَّذِي يَسْتَشْعِرُ هَذِهِ المَعَانِيَ القَرِيبَةَ الِانْتِقَالِ.
إِنَّ اخْتِيَارَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِلِقَاءِ رَبِّهِ، وَرَفْضَهُ لِزَهْرَةِ الدُّنْيَا، وَمُلُوكِهَا وَنَعِيمِهَا، هُوَ الدَّلِيلُ القَاطِعُ عَلَى صِدْقِ الرِّسَالَةِ، وَكَمَالِ العُبُودِيَّةِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ طَالِبَ دُنْيَا، أَوْ رَغَبَةٍ فِي مُلْكٍ، لَاخْتَارَ البَقَاءَ، وَلاَسْتَزَادَ مِنَ الجَاهِ وَالسُّلْطَانِ، ولَكِنَّهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الأُمَّةَ، وَلَمَّا خُيِّرَ بَيْنَ خُلْدِ الدُّنْيَا ثُمَّ الجَنَّةِ، وَبَيْنَ اللِّقَاءِ العَاجِلِ بِرَبِّهِ، اخْتَارَ الرَّفِيقَ الأَعْلَى!.
وتَأَمَّلُوا- أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ-، كَيْفَ يَتَجَلَّى هَذَا البُكَاءُ الصِّدِّيقِيُّ؛ إِنَّهُ لَيْسَ بُكَاءَ جَزَعٍ، أَوْ ضَعْفٍ نَفْسِيٍّ، بَلْ هُوَ بُكَاءُ المَعْرِفَةِ العَمِيقَةِ، فقد كَانَ أَبُو بَكْرٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) يَعْلَمُ أَنَّ جَسَدَ الأُمَّةِ إِنَّمَا يَحْيَا بِوُجُودِ هَذَا النَّبِيِّ الكَرِيمِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وأنَّ خُرُوجَ الرُّوحِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ مِنَ الدُّنْيَا ، يَعْنِي انْقِطَاعَ الوَحْيِ مِنَ السَّمَاءِ، وَفَتْحَ أَبْوَابِ الفِتَنِ وَالابْتِلاءَاتِ عَلَى الأُمَّةِ، فكَانَ يَبْكِي لأَنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّ سَاعَةَ الفِرَاقِ قَدْ حَانَتْ، وَأَنَّ المُنَادِيَ لِلرَّحِيلِ قَدْ أَعْلَنَ الشُّخُوصَ.
وَمَعَ هَذَا البُكَاءِ، الَّذِي سَالَ مِنْ عَيْنَيْ أَبِي بَكْرٍ غَزِيرًا فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عِنْدَ سَمَاعِ الإِشَارَةِ، نَجِدُ العَجَبَ العُجَابَ، يَوْمَ نَزَلَتِ الرَّزِيَّةُ الكُبْرَى، وَتُوفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)!،
يَوْمَ طَاشَتِ العُقُولُ، وَذَهِلَتِ الأَذْهَانُ، وَاضْطَرَبَتِ المَدِينَةُ النَّبَوِيَّةُ اضْطِرَابًا عَظِيمًا؛ حَتَّى إِنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -عَلَى صَلابَتِهِ وَقُوَّتِهِ- شَهَرَ سَيْفَهُ وَأَنْكَرَ المَوْتَ، وَقَالَ: “مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ”!
فِي ذَلِكَ المَشْهَدِ المزلَزِلِ، الَّذِي انْهَارَتْ فِيهِ المَشَاعِرُ الإِنْسَانِيَّةُ، وَتَفَكَّكَتْ فِيهِ الصّلابَةُ النَّفْسِيَّةُ لِلأَبْطَالِ، يُشْرِقُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ كَالجَبَلِ الأَشَمِّ، الَّذِي لا تُحَرِّكُهُ العَوَاصِفُ!.
فجَاءَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى فَرَسِهِ، فَنَزَلَ وَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَهُوَ مُغَطًّى بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ الشَّرِيفِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ وَبَكَى، وَقَالَ:
“بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، أَمَّا المَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا “.
ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ، وَعُمَرُ يُكَلِّمُهُمْ، فَقَالَ: “اجْلِسْ يَا عُمَرُ”، فَأَبَى عُمَرُ، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ، فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ كَلِمَتَهُ الخَالِدَةَ، الَّتِي سَجَّلَهَا التَّارِيخُ بِأَعْظَمِ نُورٍ:
“أَلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ”!.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَيَا لِلَّهِ العَجَبِ!، كَيْفَ يَبْكِي أَبُو بَكْرٍ عِنْدَ الإِشَارَةِ بَالِغَ البُكَاءِ، حَتَّى يَتَعَجَّبَ مِنْهُ النَّاسُ، ثُمَّ يُمْسِكُ بِزِمَامِ نَفْسِهِ، وَيَثْبُتُ ثَبَاتَ الرَّوَاسِي الشَّامِخَاتِ، حِينَ تَقَعُ الحَادِثَةُ الفِعْلِيَّةُ؟!.
إِنَّ هَذَا السُّلُوكَ البَشَرِيَّ الفَرِيدَ، يُفَسِّرُ لَنَا مَعْنَى ثَبَاتِ الإِيمَانِ، المَبْنِيِّ عَلَى العِلْمِ وَاليَقِينِ!، لَقَدْ كَانَ بُكَاؤُهُ الأَوَّلُ بُكاءَ شَوْقٍ وَرَحْمَةٍ، وَإِدْرَاكٍ لِلْمَصِيرِ، فَلَمَّا وَقَعَ القَدَرُ المَقْدُورُ، اسْتَجْمَعَ القُوَّةَ الإِيمَانِيَّةَ الكُبْرَى، لِيَحْمِيَ الأُمَّةَ مِنَ الِانْهِيَارِ، وَلِيَقُودَ السَّفِينَةَ فِي أَعْتَى أَمْوَاجِ الفِتْنَةِ!. وَهَذَا هُوَ التَّفْسِيرُ العَمِيقُ لِقَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا».
نَعَمْ، كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَ الصَّحَابَةِ قَاطِبَةً بِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَأَفْهَمَهُمْ لِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَأَغْوَرَهُمْ فِي أَعْمَاقِ المَعَانِي الإِلَهِيَّةِ!، فلَمْ يَكُنْ عِلْمُهُ مُجَرَّدَ اسْتِحْضَارٍ لِلْمَسَائِلِ وَالأَحْكَامِ الصَّوَرِيَّةِ، بَلْ كَانَ عِلْمًا نُورَانِيًّا يُخَالِطُ الشَغَافَ، وَيَجْعَلُ صَاحِبَهُ يَرَى المَآلاتِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، وَيَفْهَمُ المُرَادَ الإِلَهِيَّ مِنْ طَرْفِ خَفِيِّ!.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ثُمَّ تَمْضِي المَشَاهِدُ النَّبَوِيَّةُ المَهِيبَةُ، فَيَلْتَفِتُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِلَى هَذَا الصَّاحِبِ العَظِيمِ، الَّذِي أَنْهَكَهُ البُكَاءُ، وَحَضَرَهُ الوَجَلُ، فَيُرِيدُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنْ يُسَلِّيَ قَلْبَهُ، وَأَنْ يُعْلِنَ لِلأُمَّةِ كُلِّهَا -عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ- مَنْزِلَةَ هَذَا الرَّجُلِ، الَّذِي لا يُدَانِيهِ أَحَدٌ فِي الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا!.
فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً غَيْرَ رَبِّي لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلامِ وَمَوَدَّتُهُ، لا يَبْقَيَنَّ فِي المَسْجِدِ بَابٌ إِلاَّ سُدَّ إِلاَّ بَابَ أَبِي بَكْرٍ».
فانْظُرُوا إِلَى هَذَا التَّكْرِيمِ النَّبَوِيِّ العَظِيمِ، فيُعْلِنُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ أَعْظَمَ النَّاسِ جُودًا، وَأَكْثَرَهُمْ سَمَاحَةً، وَأَعْلَاهُمْ بَذْلاً، فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ، فلَمْ يُبْقِ أَبُو بَكْرٍ مَالاً إِلاَّ سَخَّرَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَنُصْرَةِ رَسُولِهِ؛ حَتَّى حِينَمَا جَاءَ بِمَالِهِ كُلِّهِ يَوْمَ تَبُوكَ، وَسَأَلَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟” قَالَ بِلِسَانِ اليَقِينِ الصَّادِقِ:
“أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ”!.
ثُمَّ يُبَيِّنُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) المَقَامَ الأَسْمَى لِلْخُلَّةِ الإِلَهِيَّةِ، فَيُعْلِنُ أَنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَّ الخُلَّةَ هِيَ أَعْلَى دَرَجَاتِ المَحَبَّةِ، الَّتِي لا تَتَّسِعُ فِي قَلْبِ النَّبِيِّ إِلاَّ لِلَّهِ جَلَّ جَلالُهُ، وَلَوْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَلِيلٌ مِنَ البَشَرِ، لَكَانَ أَبَا بَكْرٍ، فهَذَا التَّصْرِيحُ النَّبَوِيُّ العَظِيمُ، يَضَعُ أَبَا بَكْرٍ فِي القِمَّةِ الشَّامِخَةِ، الَّتِي لا يَرْتَقِي إِلَيْهَا هَامَةُ بَشَرٍ، بَعْد الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ!.
وَتَأَمَّلُوا أَيْضًا ذَلِكَ الأَمْرَ النَّبَوِيَّ القَاطِعَ، حِينَمَا أَمَرَ بِسَدِّ كُلِّ الأَبْوَابِ الشَّارِعَةِ إِلَى المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ، وَاسْتَثْنَى بَابًا وَاحِدًا فَقَطْ: «إِلاَّ بَابَ أَبِي بَكْرٍ»!.
إِنَّ هَذَا الاسْتِثْنَاءَ لَيْسَ مَجَرَّدَ مَزِيَّةٍ مَكَانِيَّةٍ، أَوْ إِكْرَامٍ شَخْصِيٍّ، بَلْ هُوَ إِشَارَةٌ سَاطِعَةٌ كَالشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ، وَتَمْهِيدٌ نَبَوِيٌّ مُبَاشِرٌ (لِخِلافَةِ أَبِي بَكْرٍ) (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، فكَأَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ لِلأُمَّةِ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ الَّذِي سَيَبْقَى بَابُهُ مَفْتُوحًا عَلَى المَسْجِدِ، لِيَقُودَ الصَّلاةَ، وَيدبرَ أَمْرَ المُسْلِمِينَ، وَيَكُونَ الخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي!.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية «اخْتِيَارُ الرَّفِيقِ وَفَضْلُ الصِّدِّيقِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذِهِ النَّصُوصَ الشَّرِيفَةَ الصَّرِيحَةَ كَالصُّبْحِ، لا تُدَاعِبُ فَقَطْ عَوَاطِفَنَا الدِّينِيَّةَ، بَلْ تُؤَسِّسُ لِلْعَقِيدَةِ الصَّافِيَةِ، الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَقِدَهَا كُلُّ مُسْلِمٍ، يَرْجُو اللَّهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ!.
إِنَّ فَضَائِلَ الصِّدِّيقِ أَبِي بَكْرٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) لَيْسَتْ أُحْدُوثَةً تُرْوَى، بَلْ هِيَ مَعَالِمُ دِينِيَّةٌ حَاسِمَةٌ، أُثْبِتَتْ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ المَطَهَّرَةِ.
فَقَدْ قَدَّمَ هَذَا الإِمَامُ العَظِيمُ لِلإِسْلامِ مَا لَمْ يُقَدِّمْهُ أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)؛ فكَانَ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ مِنَ الرِّجَالِ، وَأَوَّلَ مَنْ أُوذِيَ فِي اللَّهِ، وَوَقَى رَسُولَ اللَّهِ بِبَدَنِهِ وَمَالِهِ، وَثَبَّتَ أَرْكَانَ الدَّوْلَةِ الإِسْلامِيَّةِ يَوْمَ الرِّدَّةِ؛ ذَلِكَ اليَوْمُ المَشْهُودُ، الَّذِي اصْطَفَّتْ فِيهِ المَخَاوِفُ، فَقَامَ الصِّدِّيقُ مَقَامًا شَرِيفًا، أَعَادَ بِهِ نِصَابَ الدِّينِ، وَقَطَعَ دَابِرَ المُرْتَدِّينَ، وَمَانِعِي الزَّكَاةِ، وَقَالَ قَوْلَتَهُ الخَالِدَةَ :”أَيَنْقُصُ الدِّينُ وَأَنَا حَيٌّ؟!”، فَحَفِظَ اللَّهُ بِهِ الرِّسَالَةَ، وَأَقَامَ بِهِ المِلَّةَ!.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ المَوْقِفَ العَقَدِيَّ لِلأُمَّةِ الإِسْلامِيَّةِ قَاطِبَةً، يَقُومُ عَلَى التَّبَرُّؤِ التَّامِّ، وَالإِنْكَارِ الصَّارِمِ، عَلَى كُلِّ مَنْ تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ الخَبِيثَةُ بِالتَّشْكِيكِ فِي خِلافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أَوْ أَنْ يَمَسَّ عِرْضَهُ الشَّرِيفَ بِسُوءٍ أَوْ طَعْنٍ!.
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتُمُونَ الصَّحَابَةَ، أَوْ يَطْعَنُونَ فِي خِلافَةِ الصِّدِّيقِ، الَّذِي قَدَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي الصَّلاةِ فِي مَرِضِهِ، ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَى خِلافَتِهِ، بِأَمْرِهِ بِسَدِّ الأَبْوَابِ إِلاَّ بَابَهُ، إِنَّمَا يَطْعَنُونَ فِي حِكْمَةِ الرَّسُولِ، وَيُشَكِّكُونَ فِي خِيَارِ هَذِهِ الأُمَّةِ، الَّذِينَ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
تَأَمَّلُوا كَيْفَ صَرَّحَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي المَرَضِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ لَهَا فِي مَرَضِهِ :«ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ، أَبَاكِ، وَأَخَاكِ، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى، وَيَأْبَى اللَّهُ وَالمُؤْمِنُونَ إِلاَّ أَبَا بَكْرٍ».
فَهَذَا النَّصُّ الصَّرِيحُ الدَّلالَةِ، مَعَ الإِشَارَاتِ النَّبَوِيَّةِ الأُخْرَى فِي كَلامِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَلَى المِنْبَرِ، كُلُّهَا أَدِلَّةٌ سَاطِعَةٌ، تُثْبِتُ أَنَّ إِمَامَةَ أَبِي بَكْرٍ صَادِرَةٌ عَنْ أَمْرٍ إِلَهِيٍّ، وَإِرْشَادٍ نَبَوِيٍّ، لا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ، فَمَنْ طَعَنَ فِيهِ، أَوْ فِي خِلافَتِهِ، فَإِنَّمَا طَعَنَ فِي إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَخَالَفَ إِرَادَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
الدُّعَاء
