خطبة عن (مِن علاماتِ الإيمانِ)
أكتوبر 10, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (قيمة الشباب ومكانته في الاسلام)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} [الروم:54]. وَفي الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ…» رواه الحاكم في المستدرك.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
الشَّبَابُ: مَرْحَلَةٌ عُمْرِيَّةٌ، يَمُرُّ بِهَا الْإِنْسَانُ، وَهَٰذِهِ الْمَرْحَلَةُ مِنَ الْعُمْرِ، هِيَ أَهَمُّ الْمَرَاحِلِ، لِمَا تَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ غَيْرِهَا، فَهِيَ فَتْرَةُ الْقُوَّةِ وَالْإِنْتَاجِ، وَهِيَ أَطْوَلُ مَرَاحِلِ الْعُمْرِ، وَأَفْضَلُ مَرَاحِلِ الْعُمْرِ، لِمَا يَتَمَتَّعُ بِهِ الْإِنْسَانُ فِيهَا مِنَ الْقُوَّةِ، وَالنَّشَاطِ، دُونَ غَيْرِهَا، وَلِمَا يَتَوَافَرُ لَهُ فِيهَا مِنْ كَمَالِ الْحَوَاسِّ، فَهُوَ فِي هَٰذِهِ الْمَرْحَلَةِ أَقْدَرُ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِحَوَاسِّهِ مِنْ أَيِّ مَرْحَلَةٍ أُخْرَىٰ.
وَالشَّبَابُ: هُمْ عِمَادُ حَضَارَةِ الْأُمَمِ، وَسِرُّ نَهْضَتِهَا؛ لِأَنَّهُمْ فِي سِنِّ الْهِمَمِ الْمُتَوَثِّبَةِ، وَالْجُهُودِ الْمَبْذُولَةِ، وَسِنِّ الْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ، وَالتَّضْحِيَةِ وَالْفِدَاءِ،
لِذَٰلِكَ فَقَدْ عَنِيَ الْإِسْلَامُ بِهَٰذِهِ الْمَرْحَلَةِ مِنَ الْعُمْرِ عِنَايَةً خَاصَّةً، وَوَجَّهَهَا لِلْبِنَاءِ وَالْخَيْرِ، وَجَنَّبَهَا الْهَدْمَ وَالضَّيَاعَ، فَهُوَ يَهْدِفُ إِلَىٰ جَعْلِ هَٰذِهِ الْمَرْحَلَةِ مِنَ الْعُمْرِ (مَرْحَلَةِ الشَّبَابِ) مَرْحَلَةَ خَيْرٍ، عَلَىٰ مُسْتَوَى الْفَرْدِ، وَالْجَمَاعَةِ.
وَالْمُتَدَبِّرُ لِكِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ: يَجِدُ أَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ يُحَدِّثُنَا عَنِ الشَّبَابِ بِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الرُّسُلَ، وَصَدَّقُوهُمْ، فَكَافَأَهُمُ اللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ بِزِيَادَةِ الْهِدَايَةِ،
قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا
رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَٰهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:13-14]، وَالْفِتْيَةُ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ هُمْ (الشَّبَابُ).
وَمِنَ الْمُلَاحَظِ أَنَّ أَتْبَاعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) جُلُّهُمْ وأغلبهم مِنَ الشَّبَابِ، فَقَدْ آمَنَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) وَكَانَ عُمْرُهُ نَحْوًا مِنْ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَسْلَمَ وَلَمْ يَبْلُغِ الثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِهِ، وَكَذَٰلِكَ عَلِيٌّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَالْأَرْقَمُ بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ، وَخَبَّابٌ، وَغَيْرُهُمْ كَثِيرٌ؛ لِأَنَّ فِئَةَ الشَّبَابِ هُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ تَأَثُّرًا، وَأَسْرَعُهُمْ اسْتِجَابَةً، بِخِلَافِ الشُّيُوخِ، فَهُمْ فِي الْغَالِبِ يَتَمَسَّكُونَ بِمُعْتَقَدَاتِهِمْ، وَمَوْرُوثَاتِهِمْ، وَلَوْ تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ومن صور اهتمام الاسلام بعنصر الشباب: أننا نجد رسول (صلى الله عليه وسلم) يبين مكانة الشاب، الذي ينشأ على طاعة الله سبحانه وتعالى، وأن هذا الصنف من الشباب، لهم مكانة عالية عند الله سبحانه وتعالى، حيث ينجيهم من الضيق والكرب، الذي يلحق الناس يوم القيامة، فيظلهم الله سبحانه وتعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله،
ففي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ،..)،
كما نجد أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يخاطب فئة الشباب، ويوصيهم بوصايا عظيمة، ففي الصحيحين: (قَالَ لَنَا النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»،
وفي سنن البيهقي: (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلاً أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ ائْذَنْ لِي فِي الزِّنَا قَالَ فَهَمَّ مَنْ كَانَ قُرْبَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يَتَنَاوَلُوهُ فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- :«دَعُوهُ». ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- :«ادْنُهْ أَتُحِبُّ أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ بِأُخْتِكَ». قَالَ: لاَ قَالَ: «فَبِابْنَتِكَ» قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ بِكَذَا وَكَذَا كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: لاَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- :«فَاكْرَهْ مَا كَرِهَ اللَّهُ وَأَحِبَّ لأَخِيكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُبَغِّضَ إِلَىَّ النِّسَاءَ قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- :«اللَّهُمَّ بَغِّضْ إِلَيْهِ النِّسَاءَ». قَالَ: فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ بَعْدَ لَيَالٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مِنْ شَيْءٍ أَبْغَضَ إِليَّ مِنَ النِّسَاءِ فَائْذَنْ لِي بِالسِّيَاحَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- :«إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»،
وفي المستدرك للحاكم: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)
ومن ذلك أيضا: وصيته لابن عمه عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما)، ففي سنن الترمذي :(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا فَقَالَ «يَا غُلاَمُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ »
ومن الوصايا القيمة التي أوصى بها النبي (صلى الله عليه وسلم) الشباب وصيته لأبي ذر (رضي الله عنه)، ففي سنن الترمذي: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»،
ومن عناية الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالشباب ما كان يعاملهم به من التقدير لحقوقهم، والاعتراف بمكانتهم، ففي الصحيحين: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ – رضي الله عنه – قَالَ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – بِقَدَحٍ فَشَرِبَ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ، هُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ قَالَ «يَا غُلاَمُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ الأَشْيَاخَ». فَقَالَ مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ)،
وفي سنن النسائي وغيره: (عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيمًا رَفِيقًا فَظَنَّ أَنَّا قَدْ اشْتَقْنَا إِلَى أَهْلِنَا فَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَاهُ مِنْ أَهْلِنَا فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا عِنْدَهُمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ إِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ
أَكْبَرُكُمْ).
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (قيمة الشباب ومكانته في الاسلام)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
إِنَّ مَرْحَلَةَ الشَّبَابِ هِيَ الرَّبِيعُ الَّذِي يُحَدِّدُ ثِمَارَ الْعُمْرِ؛ وَهِيَ طَاقَةٌ مُتَّقِدَةٌ، وَعَزِيمَةٌ مُتَوَثِّبَةٌ، وَقَلْبٌ لَا يَعْرِفُ الْمُسْتَحِيلَ، فَلَمْ يَنْظُرِ الْإِسْلَامُ لِلشَّبَابِ عَلَىٰ أَنَّهُمْ مَرْحَلَةُ “طَيْشٍ وَضَيَاعٍ”، بَلْ نَظَرَ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ أَنَّهُمْ “مُسْتَوْدَعُ الْأَمَانَةِ” وَ”بُنَاةُ الْحَضَارَةِ”،
وَيُؤَيِّدُ ذَٰلِكَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ: “عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: لَا تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّىٰ يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ”،
فَإِنَّ تَخْصِيصَ سِنِّ الشَّبَابِ بِالسُّؤَالِ دَلِيلٌ عَلَىٰ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ فِيهِ “فَائِضَ قُوَّةٍ” وَسَيُحَاسِبُكَ: أَيْنَ صَرَفْتَهُ؟، أَفِي بِنَاءِ أُمَّتِكَ، وَنَفْعِ نَفْسِكَ، أَمْ فِي هَدْمِ الْقِيَمِ، وَضَيَاعِ الْأَوْقَاتِ؟،
وَقِيمَةُ الشَّابِّ لَا تُقَاسُ بِقُوَّةِ عَضَلَاتِهِ، بَلْ بِقُوَّةِ طُمُوحِهِ وَعُمْقِ أَثَرِهِ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي يَضِيعُ شَبَابُهَا فِي الْمَقَاهِي، وَخَلْفَ الشَّاشَاتِ، بِلَا هَدَفٍ، هِيَ أُمَّةٌ تَسْتَنْزِفُ مُسْتَقْبَلَهَا، أَمَّا الْأُمَّةُ الَّتِي يَجْمَعُ شَبَابُهَا بَيْنَ “سَجْدَةِ الْمِحْرَابِ” وَ”إِبْدَاعِ الْمُخْتَبَرِ” وَ”قُوَّةِ الْمَيْدَانِ”، فَهِيَ الْأُمَّةُ الَّتِي لَا تُقْهَرُ،
فَإِلَىٰ كُلِّ شَابٍّ نَقُولُ: أَنْتَ لَسْتَ رَقْمًا عَابِرًا فِي الدُّنْيَا، أَنْتَ “مَشْرُوعُ أُمَّةٍ”، فَابْحَثْ عَنْ ثُغْرَةٍ تَنْفَعُ فِيهَا الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ؛ فِي تَخَصُّصِكَ الْعِلْمِيِّ، فِي بِرِّكَ بِوَالِدَيْكَ، فِي خُلُقِكَ الرَّفِيعِ، وَلَا تَسْمَحْ لِلْيَأْسِ أَنْ يَتَسَلَّلَ إِلَيْكَ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ كَانُوا “فِتْيَةً“، آمَنُوا بِرَبِّهِمْ فَزَادَهُمْ هُدًى.
وَرِسَالَةٌ لِلْمُجْتَمَعِ وَالْآبَاءِ: لَا تَكْسِرُوا أَجْنِحَةَ الشَّبَابِ، بِالنَّقْدِ الْهَدَّامِ، وَلَا تُهَمِّشُوهُمْ، وَافْتَحُوا لَهُمْ أَبْوَابَ الْحِوَارِ، وَامْنَحُوهُمُ الثِّقَةَ، فَإِنَّ تَوْجِيهَ طَاقَةِ الشَّبَابِ خَيْرٌ مِنْ مُحَاوَلَةِ كَبْتِهَا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَالشَّابُّ الْوَاعِي، هُوَ الَّذِي يُدْرِكُ حَجْمَ الْمُؤَامَرَاتِ، الَّتِي تَسْتَهدفُ هُوِيَّتَهُ وَعَقِيدَتَهُ، فَلَا يَنْجَرِفُ وَرَاءَ صَرْعَاتِ “التَّغْرِيبِ”، أَوْ دَعَوَاتِ “الْإِلْحَادِ” وَ”الِانْحِلَالِ”، بَلْ يَقِفُ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، مُدَافِعًا عَنْ ثَوَابِتِ دِينِهِ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ الشَّابَّ الَّذِي يَبْرَعُ فِي (الطِّبِّ، أَوِ الْبَرْمَجَةِ، أَوِ الْفِيزْيَاءِ، أَوِ الِاقْتِصَادِ)، بِنِيَّةِ “إِعْزَازِ الْمُسْلِمِينَ”، هُوَ مُجَاهِدٌ فِي مَيْدَانِهِ، فَنَحْنُ نَحْتَاجُ إِلَىٰ جِيلٍ يَكْسِرُ قُيُودَ التَّبَعِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ وَالتِّقْنِيَّةِ، وَهَٰذَا هُوَ صُلْبُ قَضَايَا الْأُمَّةِ الْمُعَاصِرَةِ.
وَلَقَدْ كَانَ الشَّبَابُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُونَهُ عَنْ عَظِيمِ الْأُمُورِ؛ وَلَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْ تَافِهِ الْمَتَاعِ، بَلْ سَأَلُوهُ عَنْ مُرَافَقَتِهِ فِي الْجَنَّةِ، وَعَنْ ذِرْوَةِ سَنَامِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي يُشْغَلُ شَبَابُهَا بِـ “التَّفَاهَةِ” هِيَ أُمَّةٌ مَيِّتَةٌ فِي ثَوْبِ أَحْيَاءٍ، أَمَّا الْأُمَّةُ الَّتِي يَحْمِلُ شَابُّهَا هَمَّ وَطَنِهِ وَدِينِهِ، فَهِيَ أُمَّةٌ شَابَّةٌ وَإِنْ طَال بِهَا الزَّمَنُ.
فَكُنْ (يَا بُنَيَّ) شَابًّا مُبَادِرًا فِي مُجْتَمَعِكَ؛ فِي إِغَاثَةِ مَلْهُوفٍ، فِي تَعْلِيمِ جَاهِلٍ، فِي إِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنٍ، فَإِنَّ نُصْرَةَ الْأُمَّةِ تَبْدَأُ مِنْ نُصْرَةِ “الْإِنْسَانِ” فِي مُحِيطِكَ الصَّغِيرِ.
وَلَا يُخِيفُكَ تَكَالُبُ الْأُمَمِ، وَلَا كَثْرَةُ الْفِتَنِ؛ فَتَارِيخُنَا يُخْبِرُنَا أَنَّ الِانْكِسَارَ يَتْبَعُهُ انْتِصَارٌ، وَأَنَّ الْفَجْرَ يَخْرُجُ مِنْ رَحِمِ الظَّلَامِ، وَوَظِيفَةُ الشَّابِّ هِيَ “بَثُّ الْأَمَلِ”، وَالْعَمَلُ بِصَمْتٍ وَيَقِينٍ،
فَكُنْ سَفِيرًا لِأُمَّتِكَ بِأَخْلَاقِكَ؛ فَرُبَّ شَابٍّ دَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ بِسَبَبِ صِدْقِهِ، وَأَمَانَتِهِ، وَتَفَوُّقِهِ، فِي بِلَادِ الْغُرْبَةِ، أَوْ فِي مَوَاقِفِ الشِّدَّةِ.
( الدعاء )
