خطبة عن حديث (قُمْ يا أَبَا تُرَابٍ)
أكتوبر 8, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (التَّسْبِيحُ) (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) الواقعة: (74)، (96)، والحاقة: (52). وقال تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) (98) الحجر، وقال تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) (3) النصر.
إخوة الإسلام
موضوع لقائنا اليوم- إن شاء الله تعالى- عن (التَّسْبِيحُ) (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)،
و”التَّسْبِيحُ” فِي لُغَةِ العَرَبِ، وَشَرِيعَةِ الإِسْلَامِ هُوَ: تَنْزِيهُ اللهِ تَعَالَى عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، وَتَبْرِئَتُهُ جَلَّ وَعَلَا عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِ، كَمَالِهِ، وَعَظَمَةِ سُلْطَانِهِ.
فَحِينَ يَقُولُ العَبْدُ: “سُبْحَانَ اللهِ”، فَإِنَّهُ يُعْلِنُ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ نَفْيَ الشَّرِيكِ، وَالنَّدِّ، وَالوَلَدِ، وَالعَجْزِ، وَالجَهْلِ، وَالظُّلْمِ، وَالعَبَثِ عَنْ ذَاتِ اللهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَإِثْبَاتَ الكَمَالِ المُطْلَقِ لَهُ وَحْدَهُ سُبْحَانَه.
وَلِعُلُوِّ مَنْزِلَةِ التَّسْبِيحِ وَعِظَمِ قَدْرِهِ، فَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ فِي مَوَاطِنَ كثيرة مِنْ آيَاتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ؛ إِذْ نَزَلَ الأمرُ بِهِ، وَالثَّنَاءُ عَلَى أَهْلِهِ، وَاقْتِرَانُهُ بِأَعْظَمِ المَقَامَاتِ.
بَلْ وَلِمَنْزِلَة التَّسْبِيحِ العُظْمَى، فَقَدِ افْتَتَحَ اللهُ (سَبْعَ) سُوَرٍ فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ بِالتَّسْبِيحِ -تُسَمَّى المُسَبِّحَاتِ- وَهُنَّ: (سُورَةُ الإِسْرَاءِ، وَالحَدِيدِ، وَالحَشْرِ، وَالصَّفِّ، وَالجُمُعَةِ، وَالتَّغَابُنِ، وَالأَعْلَى)؛ فَتَارَةً صُدِّرَتْ بِالمَصْدَرِ ﴿سُبْحَانَ﴾، وَتَارَةً بِالمَاضِي ﴿سَبَّحَ﴾، وَتَارَةً بِالمُضَارِعِ ﴿يُسَبِّحُ﴾، وَتَارَةً بِالأَمْرِ ﴿سَبِّحِ﴾؛ لِيَسْتَوْعِبَ التَّسْبِيحُ جَمِيعَ الأزْمِنَةِ وَالأَحْوَالِ.
وَقَدْ أَخْبَرَنَا اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّ المَخْلُوقَاتِ كُلَّهَا – سَمَاءَهَا وَأَرْضَهَا، جِبَالَهَا وَأَشْجَارَهَا، دَوَابَّهَا وَطَيْرَهَا، جَمَادَهَا وَنَاطِقَهَا- تُسَبِّحُ بِحَمْدِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا، إِلا الكَافِرُونَ، الَّذِينَ شَذُّوا عَنْ هَذَا النَّسَقِ الكَوْنِيِّ البَاهِرِ.
فَالعَالَمُ كُلُّهُ خَاضِعٌ لِرَبِّهِ، ومُسَبِّحٌ بِحَمْدِهِ؛ قال تعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (44) الاسراء.
وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) (41) النور.
وقال تعالى: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) الرعد:13.
وقال تعالى: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ) (79) الأنبياء.
وَهَذَا التَّسْبِيحُ مِنْ هَذِهِ الكَائِنَاتِ وَالجَمَادَاتِ هُوَ تَسْبِيحٌ حَقِيقِيٌّ، بِلِسَانِ المَقَالِ، بِكَيْفِيَّةٍ يَعْلَمُهَا اللهُ، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ دَلَالَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ، أَوْ لِسَانِ حَالٍ، كَمَا يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ؛ وَالدَّلِيلُ القَاطِعُ عَلَى ذَلِكَ، مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُنَّا نَعُدُّ الآيَاتِ بَرَكَةً وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا ،كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فِي سَفَرٍ فَقَلَّ الْمَاءُ فَقَالَ «اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ». فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ «حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ، وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ» فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-، وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهْوَ يُؤْكَلُ). فَلَوْ كَانَ مَعْنَّوِيًّا لَمَا انْفَرَدَ الصَّحَابَةُ بِسَمَاعِهِ مُعْجِزَةً وَإِكْرَامًا.
أَمَّا المَلَائِكَةُ الكِرَامُ، فَهُمْ فِي تَسْبِيحٍ دَائِمٍ لَا يَنْقَطِعُ وَلَا يَفْتُرُ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر:7]،
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:19-20].
وَجَاءَ فِي “تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ” إِشَارَةً إِلَى جَلَالِ خَوْفِهِمْ وَتَسْبِيحِهِمْ: «إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلَائِكَةً تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمْ مِنْ خِيفَتِهِ… فَإِذَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ نَظَرُوا إِلَى وَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالُوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ».
وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى رُسُلِ اللهِ وَأَنْبِيَائِهِ -وَهُمُ القُدْوَةُ وَالأُسْوَةُ، وَأَفْضَلُ الخَلْقِ- نَجِدُ أَنَّهُمْ كَانُوا أَكْثَرَ النَّاسِ تَسْبِيحًا لِلَّهِ وَتَعْظِيمًا؛
فهَذَا نَبِيُّ اللهِ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ قَالَ اللهُ عَنْهُ: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: 17-18].
وَهَذَا نَبِيُّ اللهِ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ أَلتقمَهُ الحُوتُ فِي ظُلُمَاتِ البَحْرِ؛ قَالَ اللهُ عَنْهُ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: 143-144].
وَهَذَا كَلِيمُ اللهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَشْدُدَ أَزْرَهُ بِأَخِيهِ هَارُونَ، عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: 33-34].
وَكَانَ خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ مُحَمَّدٌ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِمَامَ المُسَبِّحِينَ؛ فَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ بِالتَّسْبِيحِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74، 96 / الحاقة:52].
وَفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ: (عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ المُسَبِّحَاتِ قَبْلَ أَنْ يَرْقُدَ، وَيَقُولُ: إِنَّ فِيهِنَّ آيَةً خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ آيَةٍ».
وَكَانَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَلْهَجُ بِالتَّسْبِيحِ فِي صَلَاتِهِ، وَرُكُوعِهِ، وَسُجُودِهِ وَدُعَائِهِ؛ فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي؛ يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:10].
وَفي الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي صِفَةِ أَهْلِ الجَنَّةِ: «يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالحَمْدَ كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
فإِنَّ التَّسْبِيحَ هُوَ نَعِيمُ أَهْلِ الجَنَّةِ الخَالِدُ؛ فَإِذَا انْقَطَعَتِ التَّكَالِيفُ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ، يَبْقَى التَّسْبِيحُ لَذَّةً يَتَنَعَّمُونَ بِهَا دُونَ مَشَقَّةٍ، كَمَا يَتَنَفَّسُ الإِنْسَانُ فِي الدُّنْيَا.
وَالتَّسْبِيحُ مِنْ أَعْظَمِ الأَعْمَالِ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِهَا العَبْدُ إِلَى رَبِّهِ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ؛ فَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَفْضَلُ الكَلَامِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]،
وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَسُبْحَانَ اللهِ وَالـحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ -أَوْ تَمْلأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
وَلِهَذَا الفَضْلِ العَظِيمِ للتَّسْبِيحِ، جُعِلَ الله التَّسْبِيح فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وهي أَعْظَم أَرْكَانِ الإِسْلَامِ العَمَلِيَّةِ؛ فَيُنَزَّهُ اللهُ فِي الرُّكُوعِ بِقَوْلِ: “سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ”، وَفِي السُّجُودِ بِقَوْلِ: “سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى”؛
فَعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي صَفَةِ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَمِنَ المُلَاحَظِ فِي النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ: أَنَّ هُنَاكَ عَلَاقَةً وَطِيدَةً بَيْنَ التَّسْبِيحِ، وَالرِّضَا النَّفْسِيِّ، وَزَوَالِ الهُمُومِ؛ فَالتَّسْبِيحُ هُوَ الدَّوَاءِ الإِلَهِيُّ لِضِيقِ الصَّدْرِ، وَتَسْكِينِ قَلَقِ النُّفُوسِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ حَزَنَ مِنْ قَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر:97-98]،
وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا فِي سُورَةِ طَهَ مبيِّنًا ثَمَرَةَ التَّسْبِيحِ فِي إِيقَاعِ الرِّضَا فِي القَلْبِ:
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه:130].
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (التَّسْبِيحُ) (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه:130]،
وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر:55]،
وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الـمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
وَعَنْهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
فإِنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ الشَّرِيفَةَ، المُتَوَّجَةَ بِأَنْوَارِ الوَحْيِ الإِلَهِيِّ، وَالهَدْيِ النَّبَوِيِّ، تَجِيءُ مُكَمِّلَةً وَمُتَمِّمَةً لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ عُلُوِّ مَنْزِلَةِ التَّسْبِيحِ، لِتَكْشِفَ لَنَا عَنْ أَبْعَادِ “أَثَرِ التَّسْبِيحِ”، وَعَظِيمِ “فَضَائِلِهِ”، وَجَلِيلِ “ثَمَرَاتِهِ فِي الدُّنْيَا”؛ كَيْ يَتَبَيَّنَ لِلمُؤْمِنِ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا الذِّكْرُ اليَسِيرُ سَبَبًا فِي انْشِرَاحِ الصَّدْرِ، وَطُمَأْنِينَةِ القَلْبِ، وَصَلَاحِ الحَالِ فِي العَاجِلَةِ والآجلة.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ لِلتَّسْبِيحِ فِي حَيَاةِ المُؤْمِنِ آثَارًا نَفْسِيَّةً وَرُوحِيَّةً بَالِغَةَ العَمَقِ؛ فَالِإِنْسَانُ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا يُعَارِضُهُ الهَمُّ، وَيَعْتَرِيهِ الحَزَنُ، وَيَضِيقُ صَدْرُهُ بِمَا يَرَى وَيَسْمَعُ مِنْ أَقَاوِيلِ الخَلْقِ أَوْ جَفَاءِ الدَّهْرِ.
وَقَدْ جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي “التَّسْبِيحِ” البَلْسَمَ الشَّافِيَ، وَالدَّوَاءَ الكَافِيَ لِكُلِّ الكُرُوبِ؛ إِذْ يَرْتَبِطُ القَلْبُ حِينَ التَّسْبِيحِ بِالكَمَالِ المُطْلَقِ، وَيَسْتَحْضِرُ العَبْدُ أَنَّ رَبَّهُ المُنَزَّهَ عَنْ العَجْزِ وَالظُّلْمِ، القَادِرَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، هُوَ المُدَبِّرُ لِأَمْرِهِ، فَتَتَلاشَى الهُمُومُ، وَتَنْكِشِفُ الغُمُومُ.
وَمِنْ أَعْظَمِ ثَمَرَاتِ التَّسْبِيحِ فِي الدُّنْيَا: نَيْلُ الرِّضَا النَّفْسِيِّ وَسَكِينَةِ القَلْبِ: فَقَدْ وَعَدَ اللهُ مُسَبِّحِيهِ بِالرِّضَا التَّامِّ؛ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا:
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه:130].
فَالتَّسْبِيحُ المُسْتَمِرُّ فِي آَنَاءِ اللَّيْلِ وَأَطْرَافِ النَّهَارِ يُورِثُ النَّفْسَ رِضًا ثَابِتًا، ويَقِيهَا طَوَارِقَ القَلَقِ وَالِاضْطِرَابِ.
ومن ثَمَرَاتِ التَّسْبِيحِ: كشفُ الكُرُوبِ وَالنَّجَاةُ مِنَ المَهَالِكِ: كَمَا جَعَلَهُ اللهُ نَجَاةً لِنَبِيِّهِ يُونُسَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي بَطْنِ الحُوتِ؛ إِذْ نَادَى فِي الظُّلُمَاتِ: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:87]؛ فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾. فَمَنْ جَعَلَ التَّسْبِيحَ هَجِّيرَاهُ فِي الرَّخَاءِ، نَجَّاهُ اللهُ بِهِ فِي الشِّدَّةِ.
ومن ثَمَرَاتِ التَّسْبِيحِ: تَسْكِينُ غَضَبِ الصَّدْرِ، وَالِامْتِلَاءِ بِالنُّورِ: إِذْ يُحَوِّلُ التَّسْبِيحُ طَاقَةَ الحَزَنِ وَالغَضَبِ إِلَى طَاعَةٍ وَعِبَادَةٍ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر:97-98].
وَمِنْ جَلِيلِ فَضَائِلِ التَّسْبِيحِ وَعَظِيمِ مَزَايَاهُ: أَنَّهُ يَكْفُلُ كَفَّارَةَ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا؛ فَالمُسْلِمُ الذِي يُحَافِظُ عَلَى قَوْلِ: “سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ” مِائَةَ مَرَّةٍ فِي يَوْمِهِ، تُسْقَطُ عَنْهُ أَوْزَارُهُ وَلَوْ كَانَتْ بَالِغَةً كَثْرَةَ زَبَدِ البَحْرِ. وَهَذَا مِنْ سَعَةِ فَضْلِ اللهِ الذِي جَعَلَ العَمَلَ القَلِيلَ الخَفِيفَ يَمْحُو الذُّنُوبَ العِظَامَ.
كَمَا أَنَّ التَّسْبِيحَ مَجْلَبَةٌ لِمَحَبَّةِ الرَّحْمَنِ جَلَّ جَلَالُهُ: فَقَدْ خَصَّ اللهُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ بِأَنَّهَا «حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ»؛ وَمَا كَانَ حَبِيبًا لِلَّهِ فَإِنَّ الذَّاكِرَ بِهِ يَصِيرُ قَرِيبًا مِنْ رَبِّهِ، مُ حَبَّبًا إِلَى مَلَائِكَتِهِ، مَقْبُولًا فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقَالَ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف:46]،
وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالـحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الجَنَّةِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ].
فكَمَا كَانَتْ لِلتَّسْبِيحِ ثَمَرَاتٌ عَاجِلَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ ثَمَرَاتِهِ فِي الآخِرَةِ أَعْظَمُ وأَبْقَى؛ فَالتَّسْبِيحُ هُوَ البَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ التِي يَبْقَى ثَوَابُهَا حِينَ تَزُولُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا: فهي تَثْقِيلُ المَوَازِينِ يَوْمَ القِيَامَةِ: فَهِيَ «ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ»،
وهي غِرَاسُ الجَنَّةِ وَكُنُوزُهَا: فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ يُطْلِقُهَا لِسَانُكَ فِي الدُّنْيَا، تَتَحَوَّلُ فِي الجَنَّةِ إِلَى نَخْلَةٍ ثَابِتَةٍ، أَوْ كَنْزٍ مَذْخُورٍ، فَمَنْ أَكْثَرَ مِنَ التَّسْبِيحِ، غَرَسَ لِنَفْسِهِ بَسَاتِينَ فِي الجَنَّاتِ.
فَالوَاجِبُ عَلَى المُؤْمِنِ الصَّادِقِ: أَنْ يَلْهَجَ لِسَانُهُ بِالتَّسْبِيحِ فِي كُلِّ أَوْقَاتِهِ، وَلَا يَنْقَطِعَ عَنْهُ لَحْظَةً وَاحِدَةً؛ فِي صَبَاحِهِ وَمَسَائِهِ، وفِي قِيَامِهِ وَقُعُودِهِ، وفِي طَرِيقِهِ وَمَغْزَاهُ، وَعِنْدَ رُكُوبِهِ وَنُزُولِهِ. فلا يَجْعَل لِسَانَهُ جَافًّا مِنْ ذِكْرِ اللهِ، بَلْ حَيًّا بِتَنْزِيهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
وإِنَّ الِانْقِطَاعَ عَنِ التَّسْبِيحِ حِرْمَانٌ عَظِيمٌ، وَتَفْرِيطٌ فِي كَنْزٍ بَاقٍ، لَا كَلْفَةَ فِيهِ وَلَا مَشَقَّةَ. فَلْنُنَزِّهِ اللهَ فِي قُلُوبِنَا، وَلْنُرَطِّبْ بِهِ أَلْسِنَتَنَا؛ لِنَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ المُسَبِّحِينَ المُقَرَّبِينَ، وَنَفُوزَ بِرِضَا رَبِّ العَالَمِينَ، وَنَحْظَى بِالمَقَامِ الرَّفِيعِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
الدعاء
