خطبة عن (التَّفْسِيرِ الْمَوْضُوعِيِّ لِسُورَةِ التِّينِ)
نوفمبر 8, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (فَهْوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
روى الإمام البخاري في صحيحه: (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ «إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلاَةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ أَيْ رَبَّنَا أَعْطَيْتَ هَؤُلاَءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلاً، قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لاَ، قَالَ فَهْوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ».
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم- إن شاء الله تعالى- مع هذا الحديث النبوي الكريم، وفيه بيان: (فَضْلُ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ وَعَطَايَا الرَّحْمَنِ لها، وخَصَائِصُ هذه الأُمَّةِ المَرْحُومَةِ، (فَهْوَ فَضْلُ اللهِ يُؤتِيهِ مَنْ يشَاءُ).
وبداية، يقول الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران:110].
فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى العَبْدِ وَأَجْسَمِهَا، وَأَجَلِّ مَوَاهِبِهِ، الَّتِي تُسْتَوْجَبُ بِهَا دَوَامُ الشُّكْرِ، وَالذِّكْرِ، وَالِابْتِهَالِ: أَنْ هَدَانَا لِلإِسْلاَمِ، وَجَعَلَنَا مِنْ أُمَّةِ سَيِّدِ الأَنَامِ (مُحَمَّدٍ) (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
فهَذِهِ الأُمَّةِ المُبَارَكَةِ، الَّتِي خَصَّهَا اللَّهُ – جَلَّ جَلاَلُهُ- بِالفَضْلِ العَظِيمِ، وَالحَفَاوَةِ التَّامَّةِ، وَأَفَاضَ عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مِنْ جَزِيلِ العَطَاءِ، وَسَابِغِ النَّعْمَاءِ، مَا لَمْ يُعْطِ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ الخَالِيَةِ قَبْلَهَا!
فَهِيَ الآخِرُونَ فِي الزَّمَانِ وَالخَلْقِ، وَلَكِنَّهَا الأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ اسْتِحْقَاقًا وَشَفَاعَةً وَدُخُولاً لِلْجَنَّةِ. ففي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَاخْتَلَفُوا فَهَدَانَا اللَّهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِى اخْتَلَفُوا فِيهِ هَدَانَا اللَّهُ لَهُ – قَالَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ – فَالْيَوْمُ لَنَا وَغَدًا لِلْيَهُودِ وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفي الحديث النبوي المتقدم، والمثل الَّذِي ضَرَبَهُ المَعْصُومُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِأُمَّتِهِ؛ لِيُكْتَشَفَ لَهُمْ عِظَمُ التَّفَاضُلِ الإِلَهِيِّ، وَتَتَجَلَّى لَهُمْ حَقِيقَةُ الكَرَمِ الرَّبَّانِيِّ المَحْضِ، الَّذِي اخْتَصَّهُمُ اللَّهُ بِهِ، دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الأُمَمِ السَّالِفَةِ، الَّتِي كَدَّتْ وَنَصِبَتْ، فِي الطَّوِيلِ مِنَ الأَعْمَارِ، ولكن كان أجرها أقل من أجور هذه الأمة.
فيقول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلاَةِ العَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلاَةِ العَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا القُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الكِتَابَيْنِ: أَيْ رَبَّنَا، أَعْطَيْتَهُمْ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلاً؟! قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالُوا: لاَ، قَالَ: فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ».
فانْظُرُوا إِلَى هَذَا التَّفَاضُلِ الإِلَهِيِّ العَجِيبِ، وَاسْتَجْلُوهُ بِبَصَائِرِكُمُ الصَّادِقَةِ، فالأُمَمُ السَّابِقَةُ أَمْضَتْ أَعْمَارًا طِوَالاً، وَدَأَبَتْ فِي التَّكَالِيفِ المَشَاقِّ، مِنْ صَبَاحِ النَّهَارِ إِلَى انْتِصَافِهِ، لَدَى أَهْلِ التَّوْرَاةِ، ثُمَّ مِنَ النَّصَفِ إِلَى صَلاَةِ العَصْرِ، لَدَى أَهْلِ الإِنْجِيلِ؛ فَهُمْ أَكْثَرُ عَمَلاً، وَأَكْثَرُ نَصَبًا، وَأَطْوَلُ أَعْمَارًا وَأَمَدًا، وَمَعَ ذَلِكَ أُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا مِنَ الأَجْرِ؛ وَذَلِكَ عَدْلٌ حَاسِمٌ مِنَ اللَّهِ، وَوَفَاءٌ بِمَا عُوهِدُوا عَلَيْهِ، لَمْ يَنْقُصْ مِنْ حَقِّهِمْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ.
وَأَمَّا هَذِهِ الأُمَّةُ الاسلامية المُحَمَّدِيَّةُ المُبَارَكَةُ، فَإِنَّ أَعْمَارَ أَبْنَائِهَا قَصِيرَةٌ مُحَدَّدَةٌ، وَزَمَنَ عَمَلِهَا فِي عُمْرِ الدُّنْيَا المَمْدُودِ، كَمَا بَيْنَ العَصْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ، فَهِيَ الآخِرَةُ زَمَنًا، القَلِيلَةُ أَعْمَالاً وَأَعْمَارًا، وَلَكِنَّهَا أُعْطِيَتْ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ؛ بَلْ أُعْطِيَتِ المُضَاعَفَةَ، الَّتِي تَزِيدُ عَلَى كُلِّ عَدَدٍ وَحِسَابٍ.
فإِنَّ هَذَا الحَدِيثَ المَهِيبَ: يَرْسُمُ فِي نَفُوسِنَا قَاعِدَةً عَقَدِيَّةً جَلِيلَةً، تَمْلَأُ القَلْبَ يَقِينًا وَتَعْظِيمًا لِلَّهِ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُحَاسِبُ خَلْقَهُ بِالعَدْلِ” وَبِالفَضْلِ”؛ فَأَمَّا “العَدْلُ”: فَهُوَ إِيفَاءُ جَزَاءِ العَمَلِ بِغَيْرِ بَخْسٍ وَلاَ ظُلْمٍ، وَبِهِ حُوسِبَتِ الأُمَمُ السَّابِقَةُ فَلَمْ يَظْلِمْهُمُ اللَّهُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَأَمَّا “الفَضْلُ”: فَهُوَ المَنُّ الإِلَهِيُّ، الَّذِي يَتَجَاوَزُ المَقَايِيسَ وَالحُسْبَانَ، وَبِهِ خُصَّتْ هَذِهِ الأُمَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ، فَهِيَ أُمَّةُ المَرْحَمَةِ وَالفَضْلِ؛ لأَنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ العَلِيِّ القَدِيرِ، يَهَبُهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ، حَيْثُ يَقُولُ جَلَّ شَأْنُهُ رَادًّا عَلَى اعْتِرَاضِ المُحْتَجِّينَ: ﴿فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ﴾.
ويقول جل في علاه: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (54) المائدة،
وقال تعالى مخاطبا رسوله محمدا: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) (113) النساء.
وَمِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ الَّتِي تُغْرِقُ العَبْدَ بِالحَيَاءِ وَالِاشْتِيَاقِ: أَنِ اختَارَنَا اللَّهُ جَلَّ وعَلاَ نَحْنُ العَاجِزِينَ، وَجَعَلَنَا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ المُفَضَّلَةِ المَرْحُومَةِ، دُونَ مَسْأَلَةٍ سَبَقَتْ مِنَّا، وَلاَ اسْتِحْقَاقٍ قَدَّمْنَاهُ، وَلاَ عَمَلٍ ادَّخَرْنَاهُ، بَلْ هُوَ مَحْضُ فضل الله، والتَّوْفِيقِ وَالِاصْطِفَاءِ؛
حَيْثُ شَرَّفَنَا اللَّهُ بِأَنْ جَعَلَنَا “أُمَّةً وَسَطًا”؛ أَيْ أُمَّةً خِيَارًا عُدُولاً، زَكَّى اللَّهُ عُقُولَهَا وَشَرِيعَتَهَا، لِتَكُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ حَجِيجَةً عَلَى جَمِيعِ الأُمَمِ المَاضِيَةِ، يَشْهَدُونَ عَلَى بَلاَغِ الأَنْبِيَاءِ لِأَقْوَامِهِمْ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:143].
وَلَقَدْ خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الأُمَّةَ، بِعَطَايَا وَمَوَاهِبَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، لَمْ تُوهَبْ لِأَحَدٍ مِنَ العَالَمِينَ؛
فَمِنْ ذَلِكَ: هِدَايَتُهَا الصَّرِيحَةُ لِيَوْمِ “الجُمُعَةِ”، ذَلِكَ اليَوْمِ الأَغَرِّ، الَّذِي هُوَ خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وَالَّذِي ضَلَّتْ عَنْهُ أُمَمُ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، رَغْمَ اسْتِكْبَارِهِمْ وَدَعْوَاهُمْ.
فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الأَحَدِ، فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَوْمِ الجُمُعَةِ، فَجَعَلَ الجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ وَالأَحَدَ، وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ القِيَامَةِ، نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، المَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الخَلاَئِقِ)
فانْظُرُوا إِلَى جَلاَلِ هَذَا التَّفْضِيلِ، فنَحْنُ الآخِرُونَ زَمَنًا، ولَكِنَّنَا الأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ قَضَاءً وَفَصْلاً وَدُخُولاً لِلْجَنَّةِ، وَلَمْ يَقِفْ العَطَاءُ الإِلَهِيُّ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، بَلْ خُصَّتْ هَذِهِ الأُمَّةُ أَيْضًا بِشَرَفِ نَبِيِّهَا المَعْصُومِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، الَّذِي فُضِّلَ عَلَى الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ بِالخِصَالِ السِّتِّ الجَلِيلَةِ، الَّتِي انْعَكَسَ نُورُهَا وَشَرَفُهَا عَلَى أُمَّتِهِ كُلِّهَا.
فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ المَغَانِمُ ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ».
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (فَهْوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ هذه النِّعَمَ الإِلَهِيَّةَ، الَّتِي أُسْبِغَتْ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ المُبَارَكَةِ، لاَ تُحِيطُ بِهَا الأَقْلاَمُ، وَلاَ تُحْصِيهَا الأَفْوَاهُ.
فَمِنْ صُوَرِ كَرَامَتِهَا عِنْدَ اللَّهِ جَلَّ وعَلاَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفَعَ مَقَامَ عِبَادَتِهَا، فَجَعَلَ صُفُوفَهَا فِي الصَّلاَةِ وَالمُنَاجَاةِ، مَشُوبَةً بِالتَّشَبُّهِ بِالمَلاَئِكَةِ الأَبْرَارِ المُقَرَّبِينَ، الَّذِينَ لاَ يَفْتُرُونَ عَنْ سَبِاحَةِ الجَلاَلِ.
فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلاَثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ المَلاَئِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ المَاءَ».
فتَأَمَّلُوا كَيْفَ نَقَلَنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الصَّلاَةِ مِنْ أَدْرَانِ الأَرْضِ، إِلَى صُفُوفِ المَلاَئِكَةِ فِي السَّمَاءِ،
ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى النِّعْمَةِ الكُبْرَى الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ المَوَاهِبِ عَلَى الإِطْلاَقِ: إنه “القُرْآنُ الكَرِيمُ”، الكِتَابُ الإِلَهِيُّ المُهَيْمِنُ الخَالِدُ، كَلاَمُ اللَّهِ المُنَزَّلُ، الَّذِي تَكَفَّلَ اللَّهُ القَيُّومُ بِنَفْسِهِ العَلِيَّةِ بِحِفْظِهِ مِنَ التَّحْرِيفِ، وَالتَّبْدِيلِ، وَالزِّيَادَةِ، وَالنُّقْصَانِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، كَمَا قَالَ جَلَّ شَأْنُهُ:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:9]،
فَبَيْنَمَا وُكِلَ حِفْظُ الكُتُبِ السَّابِقَةِ كَالتَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ إِلَى أَهْلِهَا ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ﴾ فَضَيَّعُوهَا وَحَرَّفُوهَا، تَوَلَّى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حِفْظَ قُرْآنِنَا بِذَاتِهِ المُقَدَّسَةِ؛ لِيَبْقَى نُورًا هَادِيًا، وَحُجَّةً سَاطِعَةً، وَحَبْلاً مَمْدُودًا بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ.
وَإِنَّ هَذِهِ النِّعَمَ العِظَامَ، وَهَذِهِ الخَصَائِصَ الشَّرِيفَةَ، الَّتِي خُصَّتْ بِهَا هَذِهِ الأُمَّةُ، قَدْ أَوْرَثَتْ أَعْدَاءَهَا مِنَ اليَهُودِ وَالحُسَّادِ غَيْظًا شَدِيدًا، وَحَسَدًا بَالِغًا، عَلَى هَذَا الفَضْلِ المُبِينِ، الَّذِي حُرِمُوا مِنْهُ بِبَغْيِهِمْ.
وَفِي سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَهْ: (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا حَسَدَتْكُمُ اليَهُودُ عَلَى شَيْءٍ مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى السَّلاَمِ وَالتَّأْمِينِ».
فتَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ كَيْفَ يَحْسُدُونَنَا حَتَّى عَلَى شِعَارِ التَّحِيَّةِ المُبَارَكَةِ “السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ”، وَعَلَى كَلِمَةِ “آَمِينَ” خَلْفَ الإِمَامِ فِي الصَّلاَةِ، لأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ فِيهَا السَّكِينَةَ، وَالتَّنَزُّلَ الإِلَهِيَّ، وَمَغْفِرَةَ الذُّنُوبِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
أما عن أثَر العَمَلِ بِهَذَا الحَدِيثِ المُبَارَكِ، وَمَعْرَفَةِ هَذَا الفَضْلِ العَظِيمِ، ومَا هُوَ وَاجِبُ المُسْلِمِينَ العَمَلِيُّ تُجَاهَ هَذَا التَّفْضِيلِ الإِلَهِيِّ المُنِيفِ؟.
فإِنَّ الوَاجِبَ الحَقِيقِيَّ عَلَى أَبْنَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ، لاَ يَكُونُ بِالمَفَاخَرَةِ الجَوْفَاءِ، وَلاَ بِالِادِّعَاءِ البَاطِلِ عَلَى الأَلْسِنَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِـ”شُكْرِ المُنْعِمِ” -جَلَّ وعَلاَ- بِالِاسْتِقَامَةِ الصَّادِقَةِ عَلَى دِينِهِ، وَمُضَاعَفَةِ الجُهُودِ فِي الاِقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَالقِيَامِ بِأَعْظَمِ وَاجِبَاتِ الخَيْرِيَّةِ: “الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ”.
فَإِذَا اسْتَقَرَّتْ هَذِهِ الحَقِيقَةُ فِي قَلْبِ العَبْدِ المُؤْمِنِ، واسْتَشْعَرَ عِزَّةَ الإِسْلاَمِ، الَّتِي لاَ تُطَاطِئُ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَتَشَرَّفَ بِالاِنْتِسَابِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ المَرْحُومَةِ، وَحَرَصَ أَشَدَّ الحِرْصِ عَلَى اسْتِثْمَارِ أَعْمَارِهِ القَصِيرَةِ فِي الطَّاعَاتِ المُضَاعَفَةِ، فَلاَ يَضِيعُ مِنْهُ وَقْتٌ فِي الغَفْلَةِ.
وَإِذَا اسْتَقَرَّتْ هَذِهِ القِيمَةُ فِي جَسَدِ المُجْتَمَعِ، نَهَضَتْ الأُمَّةُ مِنْ كَبْوَتِهَا، وَقَادَتِ العَالَمَ كُلَّهُ بِأَخْلاَقِهَا، وَعَدْلِهَا، وَقُرْآنِهَا، وَصَارَتْ حَقًّا شَاهِدَةً عَلَى الأُمَمِ فِي الصَّلاَحِ وَالعِمَارَةِ وَالفَضِيلَةِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- وَاعْرِفُوا قَدْرَ النِّعْمَةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ اللَّهُ فِيهَا، وَقُومُوا بِحَقِّ الإِسْلاَمِ عَلَيْكُمْ، وَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ، وَحَافِظُوا عَلَى شَعَائِرِ دِينِكُمْ، لِتَكُونُوا مِنْ أَهْلِ القِيرَاطَيْنِ الفَائِزِينَ بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ.
الدُّعَاء
