خطبة عن (مِيزَانُ الإِنْفَاقِ وَدُسْتُورُ التَّكَافُلِ)
نوفمبر 4, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى «فَضْلُ أُمَّةِ الإِسْلاَمِ وَعَطَايَا الرَّحْمَنِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فِي صَحِيحِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ الْإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ: أَيْ رَبَّنَا، أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا، قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهْوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
يَا أُمَّةَ الْقُرْآنِ، يَا أُمَّةَ الْخَيْرِ وَالْبَقَاءِ، إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ النَّبَوِيَّ الْجَلِيلَ، لَيَفْتَحُ لَنَا بَابًا وَاسِعًا، مِنْ أَبْوَابِ فَهْمِ سُنَّةِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، وَسُنَّةِ اللَّهِ فِي أُمَمِهِ، وَسُنَّةِ اللَّهِ فِي الْأُجُورِ وَالْأَعْمَالِ، وَإِنَّهُ لَيُصَوِّرُ لَنَا مَشْهَدًا عَظِيمًا، مَشْهَدَ التَّارِيخِ كُلِّهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَمَشْهَدَ الْأُمَمِ كُلِّهَا فِي سَاحَةٍ وَاحِدَةٍ، فَتَأَمَّلُوهُ بِقُلُوبِكُمْ قَبْلَ آذَانِكُمْ.
إِنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يُشَبِّهُ عُمُرَ الدُّنْيَا كُلَّهَا بِنَهَارٍ طَوِيلٍ، مِنْ أَوَّلِ الْخَلِيقَةِ، إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، فَيَجْعَلُ أُمَّةَ الْيَهُودِ قَدْ عَمِلَتْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى مُنْتَصَفِهِ، ثُمَّ عَجَزَتْ وَانْقَطَعَتْ، وَأُمَّةَ النَّصَارَى قَدْ عَمِلَتْ مِنْ مُنْتَصَفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ عَجَزَتْ وَانْقَطَعَتْ، وَجَعَلَ بَقَاءَنَا نَحْنُ، أُمَّةَ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، كَمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَهِيَ فَتْرَةٌ قَصِيرَةٌ فِي حِسَابِ الزَّمَنِ، قَلِيلَةٌ فِي مِيزَانِ السَّاعَاتِ، وَلَكِنَّهَا عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمَةٌ فِي الْأَجْرِ، جَلِيلَةٌ فِي الْقَدْرِ.
فَانْظُرُوا- يَا عِبَادَ اللَّهِ- إِلَى دِقَّةِ هَذَا التَّشْبِيهِ، إِنَّ الْيَهُودَ أُوتُوا التَّوْرَاةَ، فَعَمِلُوا بِهَا، وَبَذَلُوا فِيهَا جُهْدًا طَوِيلًا، وَالنَّصَارَى أُوتُوا الْإِنْجِيلَ، فَعَمِلُوا بِهِ زَمَنًا مَدِيدًا، وَكَانَ عَمَلُهُمْ أَكْثَرَ فِي الْمِقْدَارِ الزَّمَنِيِّ، وَأَطْوَلَ فِي الْعُمُرِ الْبَشَرِيِّ، فَإِنَّ أَعْمَارَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ كَانَتْ مِئَاتِ السِّنِينَ، وَأَعْمَارُ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ كَعُمُرِ نُوحٍ وَغَيْرِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ أَجْرَهُمْ كَانَ قِيرَاطًا وَاحِدًا، أَيْ نَصِيبًا وَاحِدًا مَحْدُودًا.
أَمَّا نَحْنُ- المسلمين- أمة النبي محمد الأمين- فَأَعْمَارُنَا قَصِيرَةٌ، بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ، وَقَلِيلٌ مَنْ يُجَاوِزُ ذَلِكَ، ففي سنن الترمذي: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ سِتِّينَ إِلَى سَبْعِينَ وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ»،
وَلذا كان عَمَلُنَا قَلِيلا إِذَا قِيسَ بِعَمَلِ مَنْ قَبْلَنَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ ضَاعَفَ لَنَا الْأَجْرَ، فَأَعْطَانَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، أَيْ ضِعْفَ مَا أُعْطِيَ غَيْرُنَا، مَعَ قِلَّةِ الْعَمَلِ، وَقِصَرِ الْمُدَّةِ، فَهَذَا هُوَ الْكَرَمُ الْإِلَهِيُّ الَّذِي لَا يُحَدُّ، وَالْفَضْلُ الرَّبَّانِيُّ الَّذِي لَا يُعَدُّ.
وَفِي هَذَا الْمَشْهَدِ يُرْشِدُنَا الْحَدِيثُ إِلَى حَقِيقَةٍ كُبْرَى، وَهِيَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحَاسِبُ عِبَادَهُ بِالْعَدْلِ تَارَةً، وَبِالْفَضْلِ تَارَةً أُخْرَى، فَحَاسَبَ الْأُمَمَ السَّابِقَةَ بِالْعَدْلِ، فَأَعْطَاهُمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، لَمْ يَظْلِمْهُمْ شَيْئًا، كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ: (هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا)، فَالْعَدْلُ قَائِمٌ، وَالْمِيزَانُ مَنْصُوبٌ.
أَمَّا هَذِهِ الْأُمَّةُ الْمَرْحُومَةُ، فَحَاسَبَهَا اللَّهُ بِالْفَضْلِ لَا بِالْعَدْلِ فَقَطْ، فَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتِهَا، وَضَاعَفَ حَسَنَاتِهَا، وَجَعَلَ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى في الحديث: (فَهْوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ)، فَلَيْسَ الْأَمْرُ بِكَثْرَةِ الْعَمَلِ وَحْدَهُ، وَلَكِنَّهُ بِسَعَةِ فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ.
فَيَا لَهَا مِنْ نِعْمَةٍ كُبْرَى، وَمِنَّةٍ عُظْمَى، أَنْ اخْتَارَنَا اللَّهُ لِنَكُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فلَمْ نَسْأَلْهُ ذَلِكَ، وَلَمْ نَطْلُبْهُ، وَلَكِنَّهُ بِرَحْمَتِهِ اصْطَفَانَا، وَبِحِكْمَتِهِ اجْتَبَانَا، فَكَمْ مِنْ أُمَمٍ سَبَقَتْ، وَكَمْ مِنْ أَجْيَالٍ مَضَتْ، تَمَنَّتْ لَوْ كَانَتْ فِي زَمَنِ النبي مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَتَمَنَّتْ لَوْ كَانَتْ مِنْ أَتْبَاعِهِ، وَنَحْنُ المسلمين- والحمد لله- قَدْ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِذَلِكَ، بِلَا سَابِقِ سُؤَالٍ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَقَدْ فَضَّلَ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، بِفَضَائِلَ لَا تُحْصَى، فَمِنْ ذَلِكَ: مَا قَالَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) آلِ عِمْرَانَ (110).
وَهَذِهِ الْخَيْرِيَّةُ لَيْسَتْ خَيْرِيَّةَ نَسَبٍ، وَلَا لَوْنٍ، وَلَكِنَّهَا خَيْرِيَّةُ رِسَالَةٍ، وَمَنْهَجٍ، خَيْرِيَّةُ أَمْرٍ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٍ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَإِيمَانٍ بِاللَّهِ.
وَمِنْ فَضَائِلِهَا: مَا جاء في قَول اللَّه تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) الْبَقَرَةِ: 143،
فَنَحْنُ أُمَّةٌ وَسَطٌ، أي معتدلة، فلَا غُلُوَّ وَلَا تَفْرِيطَ، ولَا إِفْرَاطَ وَلَا تَفْرِيطَ، فهي وَسَطٌ فِي الْعَقِيدَةِ ،وَوَسَطٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وَوَسَطٌ فِي الْأَخْلَاقِ، وَسَيَشْهَدُ هَذَا الْوَسَطُ عَلَى الْأُمَمِ كُلِّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ففي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ، أَيْ رَبِّ. فَيَقُولُ لأُمَّتِهِ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ لاَ، مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ. فَيَقُولُ لِنُوحٍ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ – صلى الله عليه وسلم – وَأُمَّتُهُ، فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَهْوَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ».
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ «فَضْلُ أُمَّةِ الإِسْلاَمِ وَعَطَايَا الرَّحْمَنِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفِي سُنَنِ الْإِمَامِ ابْنِ مَاجَهْ: (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «مَا حَسَدَتْكُمُ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ، مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى السَّلَامِ وَالتَّأْمِينِ».
وَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ، فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ وَالْأَحَدَ، وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ»
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
فَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ: أَنَّهُ فَضَّلَهَا بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ، فَالْيَهُودُ اخْتَارُوا السَّبْتَ، وَالنَّصَارَى اخْتَارُوا الْأَحَدَ، وَهَدَانَا اللَّهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَهُوَ يَوْمُ عِيدِنَا الْأُسْبُوعِيِّ، فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ.
ففي الصحيحين: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ «فِيهِ سَاعَةٌ لاَ يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ».
ومِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ: أَنَّ اللَّهَ حَفِظَ لَهَا كِتَابَهَا، فَقَالَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ الْآيَةِ التَّاسِعَةِ: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر: 9،
فَالْقُرْآنُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ، الْمَحْفُوظُ مِنَ التَّحْرِيفِ، وَالتَّبْدِيلِ، فلَمْ تَمْتَدَّ إِلَيْهِ يَدُ التَّحْرِيفِ، كَمَا امْتَدَّتْ إِلَى التَّوْرَاةِ، وَالْإِنْجِيلِ، فَبَقِيَ غَضًّا طَرِيًّا، كَمَا أُنْزِلَ عَلَى النبي مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
وَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ»
وَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ».
فَانْظُرُوا إِلَى هَذَا الْفَضْلِ: فصُفُوفُنَا فِي الصَّلَاةِ كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَ اللَّهِ، مُتَرَاصَّةٌ، مُتَسَاوِيَةٌ، مُتَكَامِلَةٌ، وَالْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ لَنَا، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنَا الصَّلَاةُ صَلَّيْنَا.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
فَمَا هو أَثَرُ الْعَمَلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ؟، والجواب: أَثَرُهُ أَنْ نَعْرِفَ قِيمَةَ أَنْفُسِنَا، وَقِيمَةَ أَوْقَاتِنَا، فَإِذَا كَانَ بَقَاؤُنَا قَصِيرًا، كَمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ نُضَيِّعَهُ فِي اللَّهْوِ، وَالْغَفْلَةِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ نَسْتَثْمِرَ كُلَّ لَحْظَةٍ، فَإِنَّ اللَّحْظَةَ الْوَاحِدَةَ عِنْدَنَا، تَعْدِلُ سَاعَاتٍ طَوِيلَةً عِنْدَ غَيْرِنَا فِي الْمِيزَانِ.
وَأَثَرُهُ الْعَمَلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ: أَنْ نَزْدَادَ حُبًّا لِلَّهِ، وَشُكْرًا لَهُ، إِذْ أَعْطَانَا الْكَثِيرَ عَلَى الْقَلِيلِ،
وَأَثَرُهُ الْعَمَلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ: أَنْ نَجْتَهِدَ فِي الطَّاعَةِ، فَإِنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ أَجْرَهُ مُضَاعَفٌ، ازْدَادَ نَشَاطُهُ وَإِقْبَالُهُ.
وَأما وَاجِبُنَا تُجَاهَ هَذَا التَّفْضِيلِ العَظِيم:
فَأَوَّلُ الْوَاجِبِ: الشُّكْرُ وَالِاعْتِزَازُ بِالِانْتِمَاءِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ،
وَالثَّانِي: التَّمَسُّكُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَهُمَا سِرُّ فَضْلِنَا،
وَالثَّالِثُ: الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى نُحَقِّقَ قَوْلَهُ تعالى:
(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) آلِ عِمْرَانَ (110).
وَالرَّابِعُ: أَلَّا نَحْسِدَ وَلَا نَحْقِدَ، بَلْ نَعْمَلُ لِأَنْفُسِنَا، فَإِنَّ فَضْلَ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاعْرِفُوا قَدْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى مَا اصْطَفَاكُمْ، وَاعْمَلُوا فِيمَا بَقِيَ مِنْ نَهَارِكُمْ، قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ شَمْسُكُمْ، وَقَبْلَ أَنْ يُقَالَ: قَدْ فَاتَ الْأَوَانُ.
الدعاء
