خطبة عن «تَوْقِيرُ المَقَامِ وَأَدَبُ الأَنَامِ»
أكتوبر 31, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (التَّفْسِيرِ الْمَوْضُوعِيِّ لِسُورَةِ العَلَقِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (العلق:1-19).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
اعْلَمُوا أَنَّ التَّفْسِيرَ الْمَوْضُوعِيَّ لِسُوَرِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، يُجَلِّي مَقَاصِدَ التَّنْزِيلِ، وَيُوضِحُ مَعَالِمَ هِدَايَةِ الْبَشَرِيَّةِ، فِي بَدايَاتِ الرِّسَالَةِ وَأُصُولِ الدِّينِ.
وَإِنَّ سُورَةَ «العَلَقِ»: هِيَ أَّوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ لِتَكُونَ مَفْتَاحاً لِعَصْرِ النُّورِ، وَالْعِلْمِ، وَلِتَرْسُمَ المَظَاهِرَ الأَسَاسِيَّةَ لِتَرْبِيَةِ الإِنْسَانِ، وَمُوَاجَهَةِ الطُّغْيَانِ.
وَيَتَجَلَّى الْمَحْوَرُ الرَّئِيسِيُّ لِهَذِهِ السُّورَةِ الْمُبَارَكَةِ فِي بَيَانِ:
«فَضْلِ القِرَاءَةِ وَالعِلْمِ المَقْرُونَيْنِ بِاسْمِ اللَّهِ، وَتَشْخِيصِ آَفَةِ الطُّغْيَانِ البَشَرِيِّ، عِنْدَ الشُّعُورِ بِالاِسْتِغْنَاءِ، مَعَ بَيَانِ سُوءِ عاقِبَةِ الصَّادِّينَ عَنِ الدِّينِ، وَوُجُوبِ الثَّبَاتِ عَلَى العِبَادَةِ وَالقُرْبِ مِنَ اللَّهِ».
وَقَدِ اسْتَفْتَحَتِ السُّورَةُ بِالأَمْرِ الإِلَهِيِّ الخَالِدِ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾؛ أَيْ ابْدَأْ يَا مُحَمَّدُ القِرَاءَةَ، مُسْتَعِيناً بِاسْمِ رَبِّكَ الخَالِقِ لِكُلِّ شَيْءٍ، لِتَكُونَ القِرَاءَةُ وَالعِلْمُ مُوَجَّهَيْنِ لِخِدْمَةِ الحَقِّ وَمَعْرِفَةِ المَعْبُودِ.
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾؛ أَيْ خَلَقَ الله هَذَا الإِنْسَانَ الضَّعِيفَ مِنْ قِطْعَةِ دَمٍ جَامِدَةٍ صَغِيرَةٍ، تَعَلَّقُ بِالرَّحِمِ، لِيَتَذَكَّرَ أَصْلَهُ فَلاَ يَتَكَبَّرَ.
﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾؛ أَيْ اقْرَأْ فِإِنَّ رَبَّكَ بَالِغُ الكَرَمِ الَّذِي يَبْسُطُ العِلْمَ لِعِبَادِهِ، وَجَعَلَ القَلَمَ أَدَاةً لِتَدْوِينِ العُلُومِ، وَحِفْظِ المَعَارِفِ.
ثُمَّ انْتَقَلَتِ السُّورَةُ إِلَى انْحِرَافِ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾؛ أَيْ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَتَجَاوَزُ حُدُودَهُ، وَيَتَكَبَّرُ إِذَا شَعَرَ بِأَنَّهُ غَنِيٌّ بِمَالِهِ، أَوْ قُوَّتِهِ، أَوْ سُلْطَانِهِ، عَنْ رَبِّهِ.
فَيَأْتِي التَّحْذِيرُ الإِلَهِيُّ:
﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾؛ أَيْ إِنَّ المَرَدَّ وَالْمَرْجِعَ فِي النِّهَايَةِ إِلَى اللَّهِ، لِيُحَاسِبَ كُلَّ إِنْسَانٍ عَلَى عَمَلِهِ.
ثُمَّ عَرَضَتِ السُّورَةُ نَمُوذَجاً لِطُغْيَانِ المَادَّةِ، وَالصَّدِّ عَنِ اللَّهِ:
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾؛ فِي إِشَارَةٍ إِلَى أَبِي جَهْلٍ، وَكُلِّ مَنْ يَقِفُ فِي وَجْهِ أَهْلِ الإِيمَانِ.
﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾؛ أَيْ أَلَمْ يَعْلَمْ هَذَا الطَّاغِيَةُ، أَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ، وَمُحْصٍ لأَعْمَالِهِ؟.
ثُمَّ تُخْتَمُ السُّورَةُ بِالتَّهْدِيدِ الحَاسِمِ وَالأَمْرِ بِالثَّبَاتِ:
﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾؛ أَيْ كَلاَّ لاَ تُطِعْ أَيُّهَا النَّبِيُّ هَذَا المَانِعَ لِلْخَيْرِ، وَاسْتَمِرَّ فِي صَلاَتِكَ، وَسُجُودِكَ، لِتَكُونَ أَقْرَبَ مَا تَكُونُ إِلَى رَبِّكَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي جَامِعِ البَيَانِ: «قَوْلُهُ: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) أَيْ اقْرَأْ يَا مُحَمَّدُ بِذِكْرِ رَبِّكَ وَاسْتِعَانَتِهِ، وَقَوْلُهُ: (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) أَيْ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ يَا إِنسَانُ المَرْجِعُ وَالمَصِيرُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَقَوْلُهُ: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) أَيْ اسْجُدْ لِرَبِّكَ وَاقْتَرِبْ مِنْهُ بِالطَّاعَةِ وَالعِبَادَةِ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي تَفْسِيرِ القُرْآنِ العَظِيمِ: «فَأَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ هَذِهِ الآيَاتُ الكَرِيمَاتُ المُبَارَكَاتُ، وَهُنَّ أَوَّلُ رَحْمَةٍ رَحِمَ اللَّهُ بِهَا العِبَادَ، وَأَوَّلُ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِمْ، وَفِيهَا التَّنْبِيهُ عَلَى ابْتِدَاءِ خَلْقِ الإِنْسَانِ مِنْ عَلَقَةٍ، وَأَنَّ مِنْ كَرَمِهِ تَعَالَى أَنْ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، فَشَرَّفَهُ وَكَرَّمَهُ بِالعِلْمِ، وَهُوَ القَدْرُ الَّذِي امْتَازَ بِهِ أَبُوهُ آدَمُ عَلَى المَلاَئِكَةِ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي التَّمْهِيدِ: «فِي هَذِهِ السُّورَةِ الدَّلاَلَةُ العَظِيمَةُ عَلَى فَضْلِ الكِتَابَةِ وَالقَلَمِ، وَأَنَّ العِلْمَ أَعْظَمُ المَوَاهِبِ الإِلَهِيَّةِ، وَفِيهَا أَنَّ القُرْبَ مِنَ اللَّهِ لاَ يُنَالُ إِلاَّ بِالخُضُوعِ وَالسُّجُودِ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي المَدَارِجِ: «تَضَمَّنَتْ سُورَةُ العَلَقِ قَوَاعِدَ السَّلُوكِ؛ فَبَدَأَتْ بِالعِلْمِ الَّذِي هُوَ مِفْتَاحُ المَعْرِفَةِ، ثُمَّ حَذَّرَتْ مِنْ طُغْيَانِ النَّفْسِ عِنْدَ الغِنَى، ثُمَّ بَيَّنَتْ أَنَّ العَلاَجَ والأَمَانَ يِكُونُ فِي لُزُومِ السُّجُودِ وَالقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذَا المَحْوَرَ المَوْضُوعِيَّ لِسُورَةِ العَلَقِ يَرْشُدُ الأُمَّةَ إِلَى حَقَائِقَ إِيمَانِيَّةٍ وَتَرْبَوِيَّةٍ سَامِيَةٍ:
أَوَّلاً: أَنَّ العِلْمَ الشَّرِيفَ هُوَ المَبْدَأُ الأَسَاسِيُّ لِبِنَاءِ الأُمَّةِ وَعِمَارَةِ الأَرْضِ.
ثَانِياً: أَنَّ القِرَاءَةَ وَالتَّعَلُّمَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَا المُنْطَلِقَانِ بِاسْمِ اللَّهِ وَلِمَرْضَاتِهِ.
ثَالِثاً: أَنَّ طُغْيَانَ الإِنْسَانِ يَبْدَأُ حِينَ يَنْسَى أَصْلَهُ وَيَظُنُّ أَنَّهُ اسْتَغْنَى عَنْ رَبِّهِ.
رَابِعاً: أَنَّ السُّجُودَ وَالعِبَادَةَ هُمَا المَلْجَأُ العَظِيمُ لِلثَّبَاتِ أَمَامَ كَيْدِ الطُّغَاةِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفي الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّهَا قَالَتْ: «أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ)» (رواه البخاري ومسلم).
وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ أَوْ لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَمَا فُجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقاً مِنْ نَارٍ وَهَوْلاً وَأَجْنِحَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ دَنَا مِنِّي لَالْتَقَطَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْواً عُضْواً»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾.
وفيه أيضا: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» (رواه مسلم).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: «سَجَدْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) وَ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)» (رواه مسلم).
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (التَّفْسِيرِ الْمَوْضُوعِيِّ لِسُورَةِ العَلَقِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
يقول الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (المجادلة:11).
فَتَدَبَّرُوا المَقَاصِدَ السُّلُوكِيَّةَ، المُنْبَثِقَةَ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لِسُورَةِ العَلَقِ؛ فَإِنَّ الاِعْتِقَادَ بِأَهَمِّيَّةِ العِلْمِ، وَالسُّجُودِ، يَفْرِضُ عَلَى العَبْدِ إِصْلاَحَ حَيَاتِهِ العِلْمِيَّةِ، وَالعَبَادِيَّةِ.
وإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فِي هَذَا العَصْرِ، قَدْ أَقْبَلُوا عَلَى العُلُومِ المَادِيَّةِ، وَالمَعَارِفِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لَكِنَّهُمْ فَصَلُوهَا عَنْ اسْمِ اللَّهِ، وَعَنْ مَعْرِفَةِ الخَالِقِ، فَأَدَّتْ هَذِهِ المَعَارِفُ المَجْرُودَةُ عَنِ الإِيمَانِ، إِلَى كِبْرٍ وَطُغْيَانٍ وَاسْتِكْبَارٍ فِي الأَرْضِ.
وَيَنْسَى هَؤُلاَءِ أَنَّ العِلْمَ الَّذِي لاَ يَهْدِي إِلَى خَشْيَةِ اللَّهِ، وَالتَّواضُعِ لَهُ، هُوَ عِلْمٌ نَاقِصٌ، يَهُوي بِصَاحِبِهِ فِي مَهَالِكِ الطُّغْيَانِ.
كَمَا أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ يَشْتَكُونَ مِنْ ضِيقِ الصُّدُورِ، وَتَكَالُبِ الفِتَنِ، وَيَغْفَلُونَ عَنْ الرَّصِيدِ الأَعْظَمِ لِلثَّبَاتِ، الَّذِي ذَكَرَتْهُ السُّورَةُ فِي خِتَامِهَا، وَهُوَ لُزُومُ السُّجُودِ، وَالإِكْثَارِ مِنَ الصَّلاَةِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ؛ فَإِنَّ فِي السُّجُودِ انْكِسَاراً لِلرَّبِّ الرَّحِيمِ، يَمْحُو كِبْرَ النَّفْسِ، وَيَجْلِبُ السَّكِينَةَ، وَالقُرْبَ الإِلَهِيَّ.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي التَّمْهِيدِ: «مَنْ كُلِّمَ بِالْعِلْمِ فَلَمْ يَزْدَدْ خُضُوعاً لِلَّهِ وَتَواضُعاً لِعِبَادِهِ، فَقَدْ ضَلَّ عَنْ مَقْصُودِ العِلْمِ الأَعْظَمِ الَّذِي بَدَأَ اللَّهُ بِهِ وَحْيَهُ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي المَدَارِجِ: «السُّجُودُ هُوَ سِرُّ العُبُودِيَّةِ وَأَعْظَمُ مَقَامَاتِ القُرْبِ، فَمَنْ أَرَادَ النَّجَاةَ مِنْ جَبَرُوتِ أَهْلِ الطُّغْيَانِ فَلْيَهْرُبْ إِلَى مَقامِ (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفِي هَذِهِ الآيَاتِ، وَالأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ، دُرُوسٌ بَالِغَةٌ لِلْمُسْلِمِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، ومنها:
الاِهْتِمَامُ بِالقِرَاءَةِ وَالتَّعَلُّمِ، المَقْرُونَيْنِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَإِصْلاَحِ النِّيَّةِ.
ومنها: التَّواضُعُ لِلَّهِ، وَتَذَكُّرُ نَشْأَةِ الإِنْسَانِ الأُولَى لِتَوَقِّي آَفَةِ الطُّغْيَانِ.
ومنها: الحَذَرُ مِنْ حُظُوظِ النَّفْسِ، وَالشُّعُورِ بِالاِسْتِغْنَاءِ عَنْ هِدَايَةِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ.
ومنها: المُلاَزَمَةُ لِلسُّجُودِ وَالصَّلاَةِ، بِاعْتِبَارِهِمَا حِصْناً مَنِيعاً، وَسَبِيلاً لِلْقُرْبِ الإِلَهِيِّ.
وفي الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» (رواه مسلم).
وفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزّاً، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ» (رواه مسلم).
وفي الصحيحين: (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ».
وعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: «سَلْ»، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ، قَالَ: «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟»، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» (رواه مسلم).
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاجْعَلُوا مِنْ تَدَبُّرِ سُورَةِ العَلَقِ زَاداً لِلْعِلْمِ النَّافِعِ، وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، وَاحْذَرُوا كِبْرَ النُّفُوسِ وَطُغْيَانَهَا، وَالْزَمُوا مَحَارِيبَ السُّجُودِ وَالطَّاعَةِ، لِتَكُونُوا مِنَ المقَرَّبِينَ المفْلحِينَ.
الدعاء
