خطبة عن حديث (ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)
أكتوبر 29, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (بِغُصْنِ شَوْكٍ وَسُقْيَا كَلْبٍ دَخَلُوا الْجَنَّةَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
رُوي في الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ».
وفي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي فَمَلأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ، فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا قَالَ «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ».
وفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – قَالَ قَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ».
إخوة الإسلام
إِنَّنِي أَقِفُ بِكُمْ الْيَوْمَ عَلَى مَشْهَدٍ مِنْ مَشَاهِدِ النُّبُوَّةِ، مَشْهَدٍ يَهُزُّ الْقُلُوبَ هَزًّا، وَيُحَرِّكُ الضَّمَائِرَ تَحْرِيكًا، إِنَّهُ مَشْهَدُ الرَّجُلِ وَغُصْنِ الشَّوْكِ، وَالرَّجُلِ وَالْكَلْبِ اللَّهْثَانِ، وَالْبَغِيِّ وَالْكَلْبِ الطَّائِفِ، ثَلَاثَةُ مَشَاهِدَ، تَجْمَعُهَا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، غَابَتْ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِي زَحْمَةِ الْحَيَاةِ، وَهِيَ كَلِمَةُ (الْعَمَلِ الْمُمَيَّزِ، وَالْخَبِيئَةِ الصَّالِحَةِ) الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ.
تَأَمَّلُوا أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى، حِينَ يَصِفُ قُلُوبَ الرُّحَمَاءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) الْأَعْرَافُ: 156، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) الْأَنْبِيَاءُ: 107، فَرَحْمَةُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ، وَرَحْمَةُ نَبِيِّنَا وَاسِعَةٌ، وَالْمُؤْمِنُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ رَحْمَتُهُ وَاسِعَةً.
أيها المسلمون
فقوله – صلى الله عليه وسلم -: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ». فإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ الْأَوَّلَ: الَّذِي مَشَى فِي الطَّرِيقِ، مَا الَّذِي جَعَلَهُ يَتَوَقَّفُ؟، إِنَّ النَّاسَ يَمْشُونَ فِي هذا الطَّرِيقِ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَرَوْنَ الْأَذَى، وَيَرَوْنَ الْحَجَرَ، وَيَرَوْنَ الشَّوْكَ، وَيَرَوْنَ الْقُمَامَةَ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هَذَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِي، أَنَا مُسْتَعْجِلٌ، أَنَا مَشْغُولٌ، أَنَا لَسْتُ مُوَظَّفَ نَظَافَةٍ، وَيَمْضُونَ، وَيَتْرُكُونَ الْأَذَى، لِيُؤْذِيَ غَيْرَهُمْ.
أَمَّا هَذَا الرَّجُلُ: فَقَدْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ آخَرُ، وَعَيْنٌ أُخْرَى، وَفِكْرٌ آخَرُ، إِنَّهُ فِكْرُ الْعَمَلِ الْمُمَيَّزِ، الَّذِي لَا يَفْعَلُهُ كُلُّ النَّاسِ، فَكُلُّ النَّاسِ يَقْدِرُونَ أَنْ يَمُرُّوا، وَلَكِنْ قَلِيلٌ مِنْهُمْ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَنْزِلَ مِنْ دَابَّتِهِ، وَيُخْرِجَ أَدَوَاتِهِ، وَيُجَاهِدَ نَفْسَهُ، وَيَحْمِلَ الشَّوْكَ بِيَدِهِ، وَيُبْعِدَهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا هُوَ التَّمَيُّزُ، أَنْ تَفْعَلَ مَا لَا يَفْعَلُهُ الْآخَرُونَ، وَأَنْ تُفَكِّرَ فِيمَا لَا يُفَكِّرُ فِيهِ الْآخَرُونَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ»
فَهَذَا الرَّجُلُ الثَّانِي، هو أَعْجَبُ مِنْ الأول: فَقَدْ بَلَغَ بِهِ الْعَطَشُ مَبْلَغًا عَظِيمًا، حَتَّى كَادَ يَهْلِكُ، فَنَزَلَ الْبِئْرَ بِصُعُوبَةٍ، وَشَرِبَ وَنَجَا، ثُمَّ خَرَجَ فَرَأَى كَلْبًا يَلْهَثُ، يَأْكُلُ التُّرَابَ الرَّطْبَ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ، فَهَلْ تَجَاهَلَهُ؟، وهَلْ قَالَ: أَنَا لَا أَمْلِكُ دَلْوًا؟، وهَلْ قَالَ: هَذَا كَلْبٌ نَجِسٌ، وَلَا قِيمَةَ لَهُ؟، لَا وَاللَّهِ، بَلْ قَالَ فِي نَفْسِهِ كَلِمَةً عَظِيمَةً: (لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ بِي)، فَاسْتَشْعَرَ أَلَمَ الْكَلْبِ كَأَلَمِهِ، وَعَطَشَ الْكَلْبِ كَعَطَشِهِ، وَهَذِهِ هِيَ الرَّحْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ، أَنْ تَضَعَ نَفْسَكَ مَكَانَ غَيْرِكَ.
ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى الْعَمَلِ الْمُمَيَّزِ هُنَا، إِنَّهُ لَا يَمْلِكُ دَلْوًا، فَمَاذَا فَعَلَ؟، خَلَعَ خُفَّهُ، وَهُوَ أَغْلَى مَا يَمْلِكُ فِي الصَّحْرَاءِ، وَنزل البئر، ومَلَأَ خفه مَاءً، ثُمَّ تسلق جدران البئر بيديه ورجليه، فلم يجد ما يمسك به الخف المملوء بالماء، فأَمْسَكَهُ بِفَمِهِ، وَتَسَلَّقَ الْبِئْرَ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَهُوَ يَحْمِلُ الْمَاءَ بِفَمِهِ، حَتَّى لَا يَنْسَكِبَ، ثُمَّ سَقَى الْكَلْبَ، وقد كرر هذا العمل حتى ارتوى الكلب، فأَيُّ جُهْدٍ هَذَا؟ ، وَأَيُّ تَمَيُّزٍ هَذَا؟، إِنَّهُ عَمَلٌ لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا الْكِبَارُ، وأَصْحَابُ الْقُلُوبِ الْكَبِيرَةِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ».
فَهذه الثَّالِثَةُ هِيَ الْأَعْجَبُ: إنها امْرَأَةٌ بَغِيٌّ، قَدْ عُرِفَتْ بِالْفَاحِشَةِ، وَاشْتُهِرَتْ بِالذَّنْبِ، وَالنَّاسُ جَمِيعًا يَحْتَقِرُونَهَا، وَلَكِنَّهَا فِي لَحْظَةٍ صَادِقَةٍ، نَظَرَتْ إِلَى كَلْبٍ يَطُوفُ حَوْلَ بِئْرٍ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْمَاءِ، فَتَحَرَّكَ فِي قَلْبِهَا شَيْءٌ مِنَ الرَّحْمَةِ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا، وَهُوَ حِذَاؤُهَا الثَّمِينُ، وَنَزَعَتْ ثَوْبَهَا، وَرَبَطَتْهُ بِالْمُوقِ، وَأَدْلَتْهُ فِي الْبِئْرِ، وَسَقَتِ الْكَلْبَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهَا ذُنُوبَ عُمُرِهَا كُلِّهَا بِسُقْيَا كَلْبٍ.
وَقَدْ يَسْأَلُ سَائِلٌ: وَلِمَاذَا كَانَ هَذَا الْعَمَلُ مُمَيَّزًا؟، وَالْجَوَابُ: لِأَنَّ النَّاسَ يَنْقَسِمُونَ أَمَامَ الْخَيْرِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ: يَرَى الشَّرَّ وَيَصْنَعُهُ، وَقِسْمٌ: يَرَى الْخَيْرَ وَيَتَجَاهَلُهُ، وَقِسْمٌ ثَالِثٌ قَلِيلٌ: يَرَى الْخَيْرَ، وَيُبَادِرُ إِلَيْهِ، وَيَبْتَكِرُ فِيهِ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَصْحَابُ الْخَبِيئَةِ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ.
إِنَّ الْخَبِيئَةَ: هِيَ عَمَلٌ صَالِحٌ، تَسْتُرُهُ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، وَتَجْعَلُهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ، لَا يَعْلَمُ بِهِ أَحَدٌ، وَلَا تُحَدِّثُ بِهِ أَحَدٌ، تَفْعَلُهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، أَوْ فِي وَضَحِ النَّهَارِ، وَالنَّاسُ غَافِلُونَ، فَتَكُونُ تِلْكَ الْخَبِيئَةُ سَبَبَ نَجَاتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) الْكَهْفُ: 110، فَالْعَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ الْخَبِيئَةُ، وَالْإِخْلَاصُ هُوَ سِرُّهَا.
وقال النبي ﷺ: «مَنِ استطاعَ منكم أنْ يكونَ لَهُ خَبْءٌ مِنْ عمَلٍ صالِحٍ فلْيَفْعَلْ» (صحيح الجامع).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَقَدْ يَسْأَلُ سَائِلٌ: وَمَا هِيَ صُوَرُ رَحْمَةِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِالْحَيَوَانِ؟، وَالْجَوَابُ: إِنَّ السُّنَّةَ مَلِيئَةٌ بِذَلِكَ، فَفِي سُنَنِ الْإِمَامِ أَبِي دَاوُدَ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) «دَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَإِذَا جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ، فَسَكَنَ، فَقَالَ: مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ؟ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا؟ فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ».
وَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تُعَرِّشُ، فَجَاءَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ: مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا»
يَا اللَّهُ، حُمَّرَةٌ، طَائِرٌ صَغِيرٌ، يَفْجَعُهَا الصَّحَابَةُ بِأَخْذِ فَرْخَيْهَا، فَيَغْضَبُ النَّبِيُّ لَهَا، وَيَقُولُ: مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟، فأَيُّ رَحْمَةٍ هَذِهِ؟ وَأَيُّ قَلْبٍ هَذَا؟.
وَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ».
فَانْظُرُوا: امْرَأَة دَخَلَتِ النَّارَ فِي هِرَّةٍ، وَبَغِيّ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ فِي كَلْبٍ، فَالْمِيزَانُ عِنْدَ اللَّهِ بِالرَّحْمَةِ، لَا بِالْمَظَاهِرِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ (بِغُصْنِ شَوْكٍ وَسُقْيَا كَلْبٍ دَخَلُوا الْجَنَّةَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) آلُ عِمْرَانَ: 159، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى) النَّحْلُ:90.
وَقَدْ يَسْأَلُ سَائِلٌ: وَمَا أَثَرُ الْعَمَلِ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى الْفَرْدِ والمجتمع؟، وَالْجَوَابُ:
أَثَرُهَا عَلَى الْفَرْدِ لَا يُحْصَى: أَوَّلًا: فَإِنَّهَا تُحْيِي قَلْبَهُ، فَالْقَلْبُ الْقَاسِي لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَفِي سُنَنِ الْإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»، فَمَنْ رَحِمَ رُحِمَ، وَمَنْ قَسَا قُسِيَ عَلَيْهِ.
وَثَانِيًا: إِنَّهَا سَبَبٌ لِمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ، كَمَا غُفِرَ لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ، فَكَمْ مِنْ ذَنْبٍ كَبِيرٍ مَحَاهُ عَمَلٌ صَغِيرٌ مُتَمَيِّزٌ خَالِصٌ لِلَّهِ.
وَثَالِثًا: إِنَّهَا سَبَبٌ لِتَفْرِيجِ الْكُرُوبِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُفَرِّجُ عَنْكَ كَمَا فَرَّجْتَ عَنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَتِلْكَ الْخَبِيئَةُ الَّتِي تَجْعَلُهَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ، هِيَ الَّتِي تَنْجِيكَ عِنْدَمَا تَنْقَطِعُ بِكَ السُّبُلُ، كَمَا نَجَّى اللَّهُ أَصْحَابَ الْغَارِ بِخَبَايَاهُمْ.
وَأمَا أَثَرُهَا عَلَى الْمُجْتَمَعِ؟، فَالْجَوَابُ:
إِنَّ الْمُجْتَمَعَ الَّذِي يَتَرَبَّى عَلَى الْعَمَلِ الْمُمَيَّزِ يَكُونُ مُجْتَمَعًا نَظِيفًا، آمِنًا، مُتَحَابًّا.
فَإِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا يُزِيلُ غُصْنَ شَوْكٍ مِنْ طَرِيقِ النَّاسِ، فَكَيْفَ سَتَكُونُ طُرُقُنَا؟،
وَإِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ يَسْقِي كَلْبًا أَوْ يُطْعِمُ هِرَّةً، فَكَيْفَ سَتَكُونُ الرَّحْمَةُ بَيْنَنَا؟
فإِنَّ الْمُجْتَمَعَ سَيَكُونُ جَنَّةً فِي الدُّنْيَا قَبْلَ جَنَّةِ الْآخِرَةِ.
وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) الْمَائِدَةُ: 2، فَالتَّعَاوُنُ عَلَى الْبِرِّ هُوَ إِزَالَةُ الْأَذَى، وَسُقْيَا الْعَطْشَانِ، وَرَحْمَةُ الْحَيَوَانِ.
وَوَاجِبُنَا الْعَمَلِيُّ: أَنْ تَجْعَلَ لَكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ عَمَلًا مُمَيَّزًا، لَا يَفْعَلُهُ غَيْرُكَ، وأَنْ تَمْشِيَ فِي الشَّارِعِ فَتَجْمَعَ حَجَرًا، أَوْ تُصْلِحَ حُفْرَةً، أَوْ تَسْقِيَ زَرْعًا، أَوْ تُطْعِمَ طَيْرًا، أَوْ تَضَعَ إِنَاءَ مَاءٍ لِقِطَّةٍ فِي حَرِّ الصَّيْفِ، وَاجْعَلْ هَذَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ، لَا تُحَدِّثْ بِهِ أَحَدًا، وَلَا تَنْتَظِرْ عَلَيْهِ شُكْرًا مِنْ أَحَدٍ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الشَّكُورُ الَّذِي يَشْكُرُ الْقَلِيلَ وَيُعْطِي الْكَثِيرَ.
فَلْتَكُنْ لَكَ خَبِيئَةٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ، تَلْقَى اللَّهَ بِهَا، وَتَدْخُلُ بِهَا الْجَنَّةَ، كَمَا دَخَلَ أُولَئِكَ الْقَوْمُ الْجَنَّةَ بِأَعْمَالٍ يَرَاهَا النَّاسُ صَغِيرَةً، وَهِيَ عِنْدَ اللَّهِ كَبِيرَةٌ.
الدعاء
