خطبة عن (الإسلامُ ومخططاتُ أعدائِهِ)
أكتوبر 25, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (التَّفْسِيرِ الْمَوْضُوعِيِّ لِسُورَةِ الْقَدْرِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (القدر :1-5).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
اعْلَمُوا أَنَّ التَّفْسِيرَ الْمَوْضُوعِيَّ لِسُوَرِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، يُكْشِفُ عَنْ أَسْرَارِ التَّنْزِيلِ، وَيُجَلِّي عَظَمَةَ شَعَائِرِ الدِّينِ، وَمَوَاسِمِ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ.
وَإِنَّ سُورَةَ «الْقَدْرِ» هِيَ إِحْدَى السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ الْعَظِيمَةِ، الَّتِي أُنْزِلَتْ لِتُبَيِّنَ شَرَفَ الْكِتَابِ الْخَالِدِ ،وَتُعْلِيَ مِنْ شَأْنِ أَعْظَمِ لَيْلَةٍ شَهِدَتْهَا الْبَشَرِيَّةُ مُنْذُ خَلْقِ الآدَمِيِّينَ.
وَيَتَجَلَّى الْمَحْوَرُ الرَّئِيسِيُّ لِهَذِهِ السُّورَةِ الْمُبَارَكَةِ فِي:
«بَيَانِ شَرَفِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، بِابْتِدَاءِ أَنْزَالِهِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَبَيَانِ عَظَمَةِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَفَضْلِهَا المضَاعَفِ، وَتَنَزُّلِ الْمَلاَئِكَةِ فِيهَا بِالسَّلاَمِ وَالْبَرَكَةِ».
وَقَدِ اسْتَفْتَحَتِ السُّورَةُ بِأَسْلُوبِ العَظَمَةِ وَالإِجْلاَلِ:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾:
أَيْ أَنَّ اللَّهَ العَظِيمَ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ هَذَا القُرْآنَ العَظِيمَ، جُمْلَةً وَاحِدَةً، مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى بَيْتِ العِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فِي لَيْلَةِ العَظَمَةِ، وَالشَّرَفِ، وَالتَّقْدِيرِ.
ثُمَّ عَظَّمَ اللَّهُ شَأْنَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِالاِسْتِفْهَامِ التَفْخِيمِيِّ:
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾:
أَيْ وَأَيُّ شَيْءٍ أَعْلَمَكَ يَا مُحَمَّدُ بِعَظَمَةِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَمَا خُصَّتْ بِهِ مِنَ الفَضْلِ وَالْمَهَابَةِ؟.
ثُمَّ جَاءَ الجَوَابُ الإِلَهِيُّ الكَاشِفُ عَنْ المِقْدَارِ:
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾:
أَيْ أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ فِيهَا: (مِنَ الصَّلاَةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ)، يَفْضُلُ وَيَزِيدُ فِي الثَّوَابِ عَلَى
عِبَادَةِ أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَهِيَ زَهَاءُ ثَلاَثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
ثُمَّ كَشَفَتِ السُّورَةُ عَنْ مَشْهَدِ التَّنَزُّلِ المَلاَئِكِيِّ المَهِيبِ:
﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾:
أَيْ يَكْثُرُ تَنَزُّلُ المَلاَئِكَةِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، لِكَثْرَةِ بَرَكَتِهَا، وَيَتَنَزَّلُ مَعَهُمُ الرُّوحُ، وَهُوَ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- بِأَمْرِ اللَّهِ وَإِذْنِهِ، بِكُلِّ أَمْرٍ قَضَاهُ اللَّهُ وَقَدَّرَهُ لِذَلِكَ العَامِ، مِنَ الأَرْزَاقِ وَالآجَالِ وَالأَحْكَامِ.
ثُمَّ خُتِمَتْ السُّورَةُ بِبَيَانِ صِفَةِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَامْتِدَادِ زَمَنِهَا:
﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾:
أَيْ هِيَ سَلاَمٌ وَأَمَانٌ وَخَيْرٌ كُلُّهَا، لاَ يَسْتَطِيعُ الشَّيْطَانُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا سُوءاً أَوْ أَذًى، وَتَسْلَمُ فِيهَا المَلاَئِكَةُ عَلَى أَهْلِ المَسَاجِدِ، وَالطَّاعَاتِ، وَيَسْتَمِرُّ هَذَا الفَضْلُ وَالسَّلاَمُ، مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وحَتَّى طُلُوعِ الفَجْرِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي جَامِعِ البَيَانِ: «قَوْلُهُ: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) أَيْ أَنْزَلْنَا القُرْآنَ فِي لَيْلَةِ الحُكْمِ وَالتَّقْدِيرِ، وَقَوْلُهُ: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) أَيْ العَمَلُ فِيهَا بِمَا يُرْضِي اللَّهَ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ سِوَاهَا، وَقَوْلُهُ: (سَلَامٌ هِيَ) أَيْ هِيَ سَلاَمٌ كُلُّهَا لَيْسَ فِيهَا شَرٌّ وَلاَ دَاءٌ إِلَى مَطْلَعِ الفَجْرِ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي تَفْسِيرِ القُرْآنِ العَظِيمِ: «يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ أَنْزَلَ القُرْآنَ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ المُبَارَكَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)، ثُمَّ عَظَّمَ شَأْنَهَا بِأَنَّ العَمَلَ فِيهَا يَعْدِلُ عِبَادَةَ أَلْفِ شَهْرٍ، وَتَكْثُرُ المَلاَئِكَةُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِكَثْرَةِ بَرَكَتِهَا، وَالمَلاَئِكَةُ يَتَنَزَّلُونَ مَعَ تَنَزُّلِ البَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ، كَمَا يَتَنَزَّلُونَ عِنْدَ تِلاَوَةِ القُرْآنِ وَيُحِيطُونَ بِحِلَقِ الذِّكْرِ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي التَّمْهِيدِ: «فِي هَذِهِ السُّورَةِ أَعْظَمُ الدَّلاَلَةِ عَلَى فَضْلِ القُرْآنِ العَظِيمِ وَشَرَفِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، حَيْثُ أُعْطِيَتْ لَيْلَةً وَاحِدَةً تَعْدِلُ أَعْمَارَ أُمَمٍ طَوِيلَةٍ، فَالْمَحْرُومُ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا وَفَضْلَهَا».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي المَدَارِجِ: «تَضَمَّنَتْ سُورَةُ القَدْرِ إِثْبَاتَ شَرَفِ الزَّمَانِ بِشَرَفِ المَنْزُولِ فِيهِ، فَلَمَّا نَزَلَ القُرْآنُ العَظِيمُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ صَارَتْ خَيْراً مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، وَلَمَّا نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ صَارَ أَعْظَمَ المَلاَئِكَةِ، وَلَمَّا نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ صَارَ سَيِّدَ المُرْسَلِينَ، وَلَمَّا أُنْزِلَ عَلَى الأُمَّةِ صَارَتْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ هَذَا المَحْوَرَ المَوْضُوعِيَّ لِسُورَةِ (القَدْرِ) يَرْشُدُ الأُمَّةَ إِلَى حَقَائِقَ إِيمَانِيَّةٍ وَتَرْبَوِيَّةٍ سَامِيَةٍ:
أَوَّلاً: أَنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ هُوَ النُّورُ الأعْظَمُ، الَّذِي شَرَّفَ الزَّمَانَ وَالمَكَانَ بِتَنْزِيلِهِ.
ثَانِياً: أَنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ مَوْسِمٌ غَالٍ لِمَضَاعَفَةِ الحَسَنَاتِ، وَمَحْوِ السَّيِّئَاتِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ المَرْحُومَةِ.
ثَالِثاً: أَنَّ كِتَابَةَ المقَادِيرِ السَّنَوِيَّةِ تَكُونُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ بِإِذْنِ اللَّهِ.
رَابِعاً: أَنَّ السَّلاَمَ وَالأَمَانَ يَتَنَزَّلاَنِ فِي الأَرْضِ عِنْدَ إِقْبَالِ العِبَادِ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِمْ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وقد جاء في السنة النبوية المباركة الكثير من الأحاديث التي تبين لنا فضل هذه السورة، وكذا ليلة القدر وفضائلها، ففي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (رواه البخاري ومسلم).
وفي مسند أحمد: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: «إِنَّهَا لَيْلَةُ سَابِعَةٍ أَوْ تِاسِعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي الْأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الْحَصَى».
وفي الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (رواه الترمذي وابن ماجه).
وفي الصحيحين: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رِجَالاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي المَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ».
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (التَّفْسِيرِ الْمَوْضُوعِيِّ لِسُورَةِ الْقَدْرِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
يقول الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص:29).
فَتَدَبَّرُوا المَقَاصِدَ السُّلُوكِيَّةَ، المُنْبَثِقَةَ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لِسُورَةِ القَدْرِ؛ فَإِنَّ ادِّرَاكَ شَرَفِ هَذِهِ السُّورَةِ، يَفْرِضُ عَلَى العَبْدِ تَعْظِيمَ القُرْآنِ العَظِيمِ، وَاسْتِثْمَارَ أَوْقَاتِ الفَضْلِ فِي حَيَاتِهِ. فإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ، يَمُرُّونَ عَلَى أَوْقَاتِ الفَضْلِ، وَمَوَاسِمِ الطَّاعَاتِ، مَرَّ الغَافِلِينَ، فَيَضِيعُ عُمْرُهُمْ فِي غَيْرِ طَائِلٍ، مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لَهُمْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، مَا يَرْفَعُ دَرَجَاتِهِمْ، وَيُكَلِّلُ صَحَائِفَهُمْ بِأَعْمَالٍ تَعْدِلُ أَعْمَاراً طَوِيلَةً.
كَمَا أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ يَهْتَمُّونَ بِالتَّفَكُّرِ فِي تَقْدِيرِ الأَرْزَاقِ وَالأَعْمَارِ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ، لَكِنَّهُمْ يُغْفِلُونَ عَنْ السَّبَبِ الأَعْظَمِ لِتَنْزِيلِهَا وَهُوَ: إِقَامَةُ القُرْآنِ الكَرِيمِ فِي المَشَاعِرِ وَالسُّلُوكِ.
وَإِنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ المَلاَئِكَةَ تَتَنَزَّلُ بِالسَّلاَمِ فِي أَوْقَاتِ العِبَادَةِ، حَرَصَ كُلَّ الحِرْصِ عَلَى أَنْ تَكُونَ بِيُوتُهُ وَمَجَالِسُهُ عَامِرَةً بِذِكْرِ اللَّهِ، وَتِلاَوَةِ كِتَابِهِ، نَقِيَّةً مِنَ اللَّغْوِ وَالمَعَاصِي الَّتِي تَطْرُدُ المَلاَئِكَةَ ، وَتَسْتَجْلِبُ الشَّيَاطِينَ.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي التَّمْهِيدِ: «مَنْ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِشَرَفِ أَوْقَاتِ الفَضْلِ وَلَمْ يُحَرِّكْ نَفْسَهُ لِلْعِبَادَةِ فِيهَا، فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَغَبَنَهَا غَبْناً جَسِيماً لاَ يُدْرَكُ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي المَدَارِجِ: «إِنَّمَا صَارَتْ لَيْلَةُ القَدْرِ سَلاَماً لاِسْتِغْرَاقِهَا فِي الطَّاعَةِ وَعَدَمِ خُلُوطِ السُّوءِ فِيهَا، فَمَنْ أَرَادَ السَّلاَمَةَ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ فَلْيَلْزَمْ مَوَاطِنَ القُرْآنِ وَحِلَقَ الذِّكْرِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفِي هَذِهِ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ دُرُوسٌ بَالِغَةٌ لِلْمُسْلِمِ فِي كُلِّ عَصْرٍ:
ومنها: تَعْظِيمُ القُرْآنِ الكَرِيمِ: تِلاَوَةً وَتَدَبُّراً وَعَمَلاً بِمُحْكَمَاتِهِ.
ومنها: الحِرْصُ عَلَى أَوْقَاتِ الفَضْلِ: وَالاِجْتِهَادُ فِي التَّحَرِّي لِلَيْلَةِ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ.
ومنها: الاِسْتِكْثَارُ مِنَ الدُّعَاءِ: بِالعَفْوِ وَالمَغْفِرَةِ وَصَلاَحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
ومنها: تَطْهِيرُ المَجَالِسِ وَالبِيُوتِ: بِالذِّكْرِ وَالطَّاعَةِ لِتَتَنَزَّلَ فِيهَا المَلاَئِكَةُ وَالسَّكِينَةُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفي السنة الصحيحة: (عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ» (رواه مسلم).
وفي الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» (رواه البخاري ومسلم).
وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ».
وفيه أيضا: (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ؟ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ».
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاجْعَلُوا مِنْ تَدَبُّرِ سُورَةِ القَدْرِ زَاداً لِتَعْظِيمِ كِتَابِ اللَّهِ، وَإِحْيَاءِ أَوْقَاتِ الفَضْلِ، وَسَارِعُوا إِلَى المَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، لِتَكُونُوا مِنْ أَهْلِ السَّلاَمِ وَالفَوْزِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
الدعاء
