خطبة عن (إِيهًا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ)
أكتوبر 27, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (أَنْتَ مُبْتَلًى)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (48) المائدة، وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (165) الأنعام. وقال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (2) الملك.
إخوة الإسلام
فَإِنَّ العَيْشَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا الفَانِيَةِ، لَيْسَ دَارَ قَرَارٍ سَرْمَدِيٍّ، وَلا مَقَرَّ اسْتِجْمَامٍ خَالِدٍ، بَلْ هِيَ مَحَطَّةُ ابْتِلاءٍ وَامْتِحَانٍ، وَمِضْمَارُ سِبَاقٍ وَتَمْحِيصٍ صَارِمٍ، لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الطَّائِعِينَ وَالعَاصِينَ، وَالصَّابِرِينَ وَالْجَازِعِينَ؛ فَمَا مِنْ عَبْدٍ يَطَأُ بِمِيسَمِهِ أَرْضَ الحَيَاةِ، أَوْ يَتَنَفَّسُ هَوَاءَهَا، إِلاَّ وَهُوَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ فِي دِيوَانِ التَّقْدِيرِ الإِلَهِيِّ أَنَّهُ (مَبْتَلًى) لا مَحَالَةَ.
وهكذا تَتَقَلَّبُ بِهِ أَيَّامُهُ وَأَعْوَامُهُ، بَيْنَ بَسْطٍ وَقَبْضٍ، وَعَافِيَةٍ وَبَلْوَى، وَسَرَّاءَ وَضَرَّاءَ، وَغِنًى وَفَقْرٍ، وَصِحَّةٍ وَسَقَمٍ؛ تَمْحِيصًا لِلسَّرَائِرِ المَكْنُونَةِ، وَكَشْفًا لِلْحَقَائِقِ المَسْتُورَةِ، وَتَرْبِيَةً لِلنُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ، عَلَى مَعَانِي العُبُودِيَّةِ الخَالِصَةِ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
وتَأَمَّلُوا- أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ- جَوْهَرَ هَذِهِ الحَقِيقَةِ الكُبْرَى، الَّتِي تَغْفُلُ عَنْهَا نُفُوسُ كَثِيرٍ مِنَ البَشَرِ، لِتَعْلَمُوا المَعْنَى الدَّقِيقَ وَالعَمِيقَ لِلابْتِلاءِ.
فَالابْتِلاءُ فِي لُغَةِ الشَّرِيعَةِ، وَحَقِيقَةِ القَدَرِ الإِلَهِيِّ هُوَ: الاِمْتِحَانُ وَالاِخْتِبَارُ الشَّامِلُ، الَّذِي يُظْهِرُ بِهِ الخَالِقُ جَلَّ وعَلا حَقِيقَةَ مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ نَفْسُ العَبْدِ، (مِنَ الإِيمَانِ، أَوْ النِّفَاقِ، وَالصَّبْرِ، أَوْ الجَزَعِ، وَالشُّكْرِ أَوْ الكُفْرَانِ).
فلَيْسَ ابْتِلاءُ اللَّهِ لِعِبَادِهِ لِتَعْذِيبِهِمْ، أَوْ إِهْلاَكِهِمْ – حَاشَا لِلَّهِ المَلِكِ الرَّحِيمِ- بَلْ هُوَ مِعْيَارٌ دَقِيقٌ، لِتَمْيِيزِ الصَّادِقِ مِنَ الكَاذِبِ، وَالمُخْلِصِ مِنَ المُرَائِي، والمطيع من العاصي.
وَإِنَّ سُنَّةَ الِابْتِلاءِ هِيَ مِنْ أَثْبَتِ سُنَنِ اللهِ فِي الخَلْقِ كَافَّةً، لا تَتَخَلَّفُ عَنْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، وَلا صِدِّيقٍ مُقَرَّبٍ، وَلا مُؤْمِنٍ مَهْدِيٍّ، وَلا حَتَّى عَنْ كَافِرٍ جَاحِدٍ؛ حَتَّى يَصْفُوَ المَعْدِنُ الإِنْسَانِيُّ، وَتَتَطَهَّرَ النُّفُوسُ مِنْ شَوَائِبِ الهَوَى، وَيَتَمَيَّزَ المُسْتَكْبِرُ عَنْ المُخْبِتِ المُطْمَئِنِّ.
فتَفَكَّرُوا فِي حال هَذه النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ، حِينَمَا تَمُورُ بِهَا الحَيَاةُ؛ فَإِنَّ الإِنْسَانَ جُبِلَ فِي أَصْلِ خِلْقَتِهِ عَلَى حُبِّ العَافِيَةِ، وَالكَرَاهَةِ لِلأَلَمِ، وَالرَّغْبَةِ فِي الدَّوَاِم عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ النَّعِيمِ، وَالدَّعَةِ، فَإِذَا نَزَلَ بِهِ الِابْتِلاءُ، انْكَشَفَتْ حَجُبُ الاِدِّعَاءِ، وَانْهَارَتْ الأَقْنِعَةُ المُصْطَنَعَةُ، وَظَهَرَ المَعْدَنُ الحَقِيقِيُّ، الَّذِي كَانَ يُخْفِيهِ التَّصَنُّعُ فِي أَوْقَاتِ الرَّخَاءِ.
فَتَرَى الضَّعِيفَ الَّذِي كَانَ يَدَّعِي التَّوَكُّلَ، يَنْهَارُ عِنْدَ أَّوَلِ هَزَّةٍ، وَيَسْقُطُ فِي بَؤَرَةِ السَّخَطِ، وَالاعْتِرَاضِ عَلَى أَقْدَارِ اللَّهِ، بَيْنَمَا يَنْبَثِقُ الإِيمَانُ الرَّاسِخُ، مِنْ قَلْبِ المُؤْمِنِ الصَّادِقِ، كَالْجَبَلِ الأَشَمِّ، فَيَزْدَادُ خُضُوعًا وَانْكِسَارًا، وَيَقِينًا: (أَنَّ المَالِكَ هُوَ اللَّهُ، وَأَنَّ المُمَكِّنَ هُوَ اللَّهُ تعالى).
وَلأَنَّ الخَلْقَ يَتَفَاوَتُونَ، فِطْرَةً وَإِيمَانًا فِي دَرَجَاتِ الرُّتَبِ، فَإِنَّ الحَكِيمَ الخَبِيرَ، يَقُولُ فِي تَبْيِينِ تِلْكِ الحِكْمَةِ العَظِيمَةِ السَّامِيَةِ:
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام:165].
فَهَذِهِ المَرَاتِبُ المُتَفَاوِتَةُ، وَالأَمْوَالُ المَقْسُومَةُ، وَالأَصْحَاحُ المُمتَدَّةُ، وَالمَصَائِبُ المُتَنَوِّعَةُ، كُلُّهَا أَدَوَاتٌ إِلَهِيَّةٌ دَقِيقَةٌ، لِلِاخْتِبَارِ فِي هَذِهِ الدَّارِ؛ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ فِي بَيَانِ الغَايَةِ العُظْمَى، وَالمَقْصِدِ الأَسْمَى، مِنْ وَرَاءِ خَلْقِ المَوْتِ وَالحَيَاةِ:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:2].
وَلا تَظُنُّوا- أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُؤْمِنُونَ- أَنَّ البَلاءَ مَقْصُورٌ فِي مَفْهُومِهِ الشَّرْعِيِّ، عَلَى الشَّدَائِدِ وَالمَكْرُوهَاتِ المَادِّيَّةِ أَوْ الجَسَدِيَّةِ فَقَطْ، كَالْمَرَضِ العُضَالِ، وَالفَقْرِ المُدْقِعِ، وَفَقْدِ الأحِبَّةِ وَالأَوْلادِ، بَلْ إِنَّ أَعْظَمَ البَلاءِ وَأَخْطَرَهُ عَلَى الإِنْسَانِ، وَأَشَدَّهُ انْزِلاقًا فِي مَهَاوِي الهَلاَكِ، هُوَ الِابْتِلاءُ (بِالنِّعَمِ وَالخَيْرَاتِ)، بَالصِّحَّةِ المُسْتَفِيضَةِ، وَالغِنَى المُطْغِي، وَالسَّعَةِ فِي الرِّزْقِ، وَالجَاهِ وَالسُّلْطَانِ.
أَمَا تَرَوْنَ كَيْفَ أَنَّ صَبْرَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ عَلَى الضَّرَّاءِ وَالشَّدَائِدِ، يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ بِسَبَبِ الِاضْطِرَارِ، وَالعَجْزِ البَشَرِيِّ، بَيْنَمَا يَقْفِزُ الكَثِيرُونَ جِدًّا عِنْدَ البَلاءِ بِالسَّرَّاءِ، فَيَنْسَوْنَ شُكْرَ المُنْعِمِ، وَيَسْقُطُونَ فِي شِبَاكِ الْكِبْرِ وَالطُّغْيَانِ، وَيَعِيثُونَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا، بِمَا أُوتُوا مِنْ النِّعَمِ ، الَّتِي حَسِبُوهَا مَكْرُمَةً، وَهِيَ فِي الحَقِيقَةِ قَيْدٌ وَابْتِلاءٌ!.
وَكَيْفَ لا يَكُونُ الأَمْرُ كَذَلِكَ، وَالقُرْآنُ الكَرِيمُ يُعْلِنُهَا صَرِيحَةً حَاسِمَةً، فِي أَنَّ الكَشْفَ الإِلَهِيَّ يَقَعُ بِالكِلْتَيْنِ؛ فَقَالَ جَلَّ وعَلا:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:35].
فَالشَّرُّ فِتْنَةٌ: يَتَبَيَّنُ بِهَا الصَّابِرُ، وَالخَيْرُ فِتْنَةٌ: يَتَبَيَّنُ بِهَا الشَّاكِرُ، وَالعَبْدُ بَيْنَهُمَا مَمْتَحَنٌ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ وَطرفة عَيْنٍ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَلِعَظَمَةِ خَطَرِ البَلاءِ فِي الدِّينِ، وَلِشِدَّةِ الشَّفَقَةِ عَلَى القُلُوبِ مِنَ التَّزَعْزُعِ، كَانَ سَيِّدُ الخَلْقِ وَإِمَامُ المُتَّقِينَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَعْظَمَ النَّاسِ اسْتِعَاذَةً بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ القَضَاءِ، وَدَرْكِ الشَّقَاءِ، وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ المُتَوَاتِرِ مَا يَدُلُّ دَلالَةً قَاطِعَةً، عَلَى شِدَّةِ الحَذَرِ مِنْ فِتْنَةِ الدِّينِ، الَّتِي هيَ الرَّزِيَّةُ العُظْمَى.
فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ: (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ القَبْرِ وَعَذَابِ القَبْرِ، وَشَرِّ فِتْنَةِ الغِنَى، وَشَرِّ فِتْنَةِ الفَقْرِ».
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ أَيْضًا: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَعَوَّذُ: «مِنْ جَهْدِ البَلاءِ، وَدَرِكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ».
وَاعْلَمُوا- أَيُّهَا المُسْلِمُونَ- أَنَّ سُنَّةَ اللهِ فِي الِابْتِلاءِ، قَضَتْ بِأَنَّ المَرْءَ يُبْتَلَى عَلَى قَدْرِ دِينِهِ، وَصَلابَةِ إِيمَانِهِ، وَقُوَّةِ يَقِينِهِ؛ فَكُلَّمَا كَانَ العَبْدُ أَقْوَى فِي دِينِهِ، وَأَعْظَمَ فِي يَقِينِهِ، كَانَ البَلاءُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ أَشَدَّ، وَأَعْظَمَ، وَأَثْقَلَ، لا لِهَوَانِهِ عَلَى اللَّهِ، بَلْ لِيَرْتَقِيَ فِي دَرَجَاتِ القُرْبِ وَالاصْطِفَاءِ، وَلِيَعْلُوَ مَقَامُهُ فِي المَلإِ الأَعْلَى.
وَفِي سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ: (عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: «الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ البَلاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ».
فتَأَمَّلُوا هَذَا الهَدْيَ النَّبَوِيَّ العَظِيمَ، الَّذِي يَفُكُّ أَلْغَازَ المَصَائِبِ، وَيَمْسَحُ دُمُوعَ المَحْزُونِينَ، فالأَنْبِيَاءُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ) هُمْ أَحَبُّ الخَلْقِ إِلَى اللَّهِ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ بَلاءً عَلَى مَرِّ العُصُورِ:
فَقَدْ أُوذِيَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنْ قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا،
وَطُرِدَ إِبْرَاهِيمُ الخَلِيلُ، وَأُلْقِيَ فِي النَّارِ، لِيُحْرَقَ حَيًّا،
وَأُلْقِيَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ فِي غَيَابَاتِ الجُبِّ، وَبِيعَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ، ثُمَّ سُجِنَ بَضْعَ سِنِينَ ذَوَاتِ عَدَدٍ،
وَابْتُلِيَ أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي جَسَدِهِ، حَتَّى تَسَاقَطَ لَحْمُهُ، وَفِي مَالِهِ حَتَّى عَدِمَ القُوتَ، وَفِي
وَلَدِهِ حَتَّى مَاتُوا جَمِيعًا، وَنَفَرَ مِنْهُ القَرِيبُ وَالبَعِيدُ،
وَصُبِّرَ نبينا مُحَمَّدٌ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَلَى أَذَى قَوْمِهِ، وَشَجِّ وَجْهُهُ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَفَقَدَ أَوْلادَهُ فِي حَيَاتِهِ- عَدَا فَاطِمَةَ-، وَمَاتَتْ خَدِيجَةُ، وَعَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَرُمِيَتْ زَوْجُهُ الشَّرِيفَةُ عَائِشَةُ فِي عِرْضِهَا!.
فَبِالْبَلاءِ يَرْفَعُ اللَّهُ به الدَّرَجَاتِ العَالِيَةِ، وَيَخْفِضُ به المُتَكَبِّرِينَ، وَيُمَحِّصُ الصُّفُوفَ، وَلِيَعْلَمَ العَبْدُ المُؤْمِنُ، عِلْمًا يَقِينِيًّا، أَنَّ البَلاءَ لَيْسَ دَلِيلاً قَطْعِيًّا، عَلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ، أَوْ هَوَانِهِ وَبُغْضِهِ؛ فَقَدْ أُعْطِيَ الْكُفَّارُ وَالْفُجَّارُ مِنَ المُلْكِ وَالصِّحَّةِ وَالأَمْوَالِ مَا لَمْ يُعْطَ الأَنْبِيَاءُ،
فَهَامَانُ وَقَارُونُ وَفِرْعَوْنُ كَانُوا فِي سَعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَهْوَنَ الخَلْقِ عَلَى اللَّهِ!.
إِذَنْ فَإِنَّ اللَّهَ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ، وَمَنْ لا يُحِبُّ، وَلَكِنَّ الإِيمَانَ وَالصَّبْرَ لا يُعْطِيهِ إِلاَّ لِمَنْ يُحِبُّ.
فَقَدْ يَبْتَلِي اللهُ عَبْدَهُ المُؤْمِنَ بِالمَصَائِبِ المُتَتَالِيَةِ، لا لِيُهْلِكَهُ، بَلْ لِيَرْفَعَهُ مَقَامًا عَلِيًّا فِي الجَنَّةِ، كُتِبَ لَهُ فِي القَدَرِ، وَلَمْ يَبْلُغْهُ بِكَثْرَةِ صَلاةٍ وَلا صِيَامٍ وَلا صَدَقَةٍ، فَيَظَلُّ يَبْتَلِيهِ فِي بَدَنِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ، وَيُرْزِقُهُ الصَّبْرَ، حَتَّى يُبَلِّغَهُ تِلْكَ المَنْزِلَةَ الشَّرِيفَةَ المُقَرَّبَةَ.
ففي سنن أبي داود: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ ابْتَلاَهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ». قَالَ أَبُو دَاوُدَ زَادَ ابْنُ نُفَيْلٍ «ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ». ثُمَّ اتَّفَقَا «حَتَّى يُبْلِغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى».
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (أَنْتَ مُبْتَلًى)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَإِذَا أَيْقَنَ المُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مُبْتَلًى لا مَحَالَةَ، وَأَنَّ هَذِهِ سُنَّةٌ قَادِرَةٌ، لا تُسْتَثْنَى مِنْهَا نَفْسٌ بَشَرِيَّةٌ، فَمَاذَا يَصْنَعُ حِينَمَا يَنْزِلُ بِهِ البَلاءُ الدَّاهِمُ؟، وَتَعْصِفُ بِهِ الرَّزَايَا المُؤْلِمَةُ؟، وَتَظْلُمُ فِي وَجْهِهِ أَبْوَابُ الأَسْبَابِ الأَرْضِيَّةِ؟.
فإِنَّ الْوَاجِبَ السُّلُوكِيَّ وَالإِيمَانِيَّ عَلَى المُؤْمِنِ حِينَ تَنَزُّلِ البَلاءِ: أَنْ يَتَلَقَّاهُ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ، الَّذِي لا شَكْوَى فِيهِ لِلْمَخْلُوقِينَ، وَبِالرِّضَا العَمِيقِ، المُطْمَئِنِّ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، عَالِمًا أَنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ، وَأَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وَأَنَّ الخَلْقَ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوهُ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوهُ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَهُ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوهُ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوهُ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ
وعَلَيْهِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى بِالإِكْثَارِ مِنَ الِاسْتِرْجَاعِ وَاللَّجَأِ؛ وأَنْ يَقُولَ صَادِقًا مُسْتَسْلِمًا مِنْ أَعْمَاقِ قَلْبِهِ: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، مُسْتَحْضِرًا البِشَارَةَ النَّبَوِيَّةَ العَظِيمَةَ، لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِإِيمَانٍ وَاحْتِسَابٍ.
فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلاَّ أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا».
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ أَيْضًا: (عَنْ صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».
ثُمَّ اعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- أَنَّ لِلْبَلاءِ إِذَا نَزَلَ فِي أَرْضِ العَبْدِ الصَّالِحِ ثِمَارًا يَانِعَةً، وَفَوَائِدَ جَلِيلَةً لا يَحُوزُهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ المُحْتَسِبُونَ؛
فَمِنْ أَعْظَمِ ثِمَارِهِ: تَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ، وَحَطُّ الخَطَايَا، وَرَفْعُ الدَّرَجَاتِ فِي الجَنَّاتِ، وَاسْتِجْلَابُ مَحَبَّةِ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالتَّذَلُّلُ الصَّادِقُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَانْكِسَارُ القَلْبِ البَشَرِيِّ، الَّذِي هُوَ أَنَفُسُ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الطَّاعَاتِ الظَّاهِرَةِ، الَّتِي قَدْ يُخَالِطُهَا العُجْبُ وَالرِّيَاءُ.
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ وَلا حَزَنٍ، وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا، إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَأَبْشِرْ -أَيُّهَا المُبْتَلَى- أَيُّهَا الوَاجِدُ لِلَوْعَةِ المَرَضِ فِي جَسَدِكَ، أَوْ المُمْتَحَنُ بِالضِّيقِ فِي رِزْقِكَ، أَوْ المَفْجُوعُ فِي ثَمَرَةِ فُؤَادِكَ، وَحَبِيبِ نَفْسِكَ؛ فَإِنَّ جَزَاءَ الصَّابِرِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ عَظِيمٌ، مُضَاعَفٌ لا يُحَدُّ بِمِقْدَارٍ، وَلا يُوَصَفُ بِمِعْيَارٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر:10].
بَلْ إِنَّ أَهْلَ البَلاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ، حِينَمَا يُعْطَى أَهْلُ العَافِيَةِ الثَّوَابَ وَالجَزَاءَ، يَتَمَنَّوْنَ فِي عَرَصَاتِ القِيَامَةِ، لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُدَّتْ وَقُرِضَتْ بِالمَقَارِيضِ فِي الدُّنْيَا، لِمَا يَرَوْنَ مِنْ عِظَمِ عَوَائِدِ الصَّبْرِ عَلَى المَصَائِبِ، وَجَزِيلِ الثَّوَابِ عِنْدَ اللهِ تعالى.
وَإِنَّ مِمَّا يُعِينُ المَرْءَ عَوْنًا بَالِغًا عَلَى الثَّبَاتِ وَالرَّسَاءِ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ: صِدْقُ اللَّجَأِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالإِلْحَاحُ فِي الدُّعَاءِ كَشْفًا لِلْغُمَّةِ، وَمُلازَمَةُ تِلاوَةِ كِتَابِهِ المَجِيدِ، الَّذِي هُوَ الشِّفَاءُ وَالرَّحْمَةُ، وَاسْتِحْضَارُ أَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا دَارُ مَمَرٍّ وَعُبُورٍ، لا دَارُ مَقَرٍّ وَخُلُودٍ، وَأَنَّ الأَيَّامَ المُؤْلِمَةَ مَهْمَا طَالَتْ فَهِيَ إِلى زَوَالٍ، وَأَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلْمُؤْمِنِينَ.
فَاصْبِرُوا -عِبَادَ اللَّهِ- وَرَابِطُوا، وَأَبْشِرُوا بِرَوْحِ اللَّهِ وَفَرَجِهِ القَرِيبِ، وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا.
الدُّعَاء
