خطبة عن (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا)
نوفمبر 2, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الْخَوْفُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (175) آل عمران، وقال تعالى: (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) (37) النور، وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:46].
إخوة الإسلام
موضوع لقائنا اليوم- إن شاء الله تعالى- عن: (الْخَوْفُ).. فَالخَوْفُ فِي الأَصْلِ اللُّغَوِيِّ:
هو: (انْفِعَالٌ رُوحِيٌّ، وَاضْطِرَابٌ يَقَعُ فِي القَلْبِ، حَذَرًا مِنْ مَكْرُوهٍ مُتَوَقَّعٍ).
وَأَمَّا (الْخَوْفُ) فِي الاصْطِلاَحِ الشَّرْعِيِّ: فَهُوَ (فَزَعٌ طَاهِرٌ، وَتَوَجُّهٌ قَلْبِيٌّ صَادِقٌ، يَنْشَأُ عَنْ اسْتِحْضَارِ عَظَمَةِ الخَالِقِ الجَلِيلِ، وَسَطْوَةِ عِقَابِهِ، وَبَطْشِهِ الشَّدِيدِ بِالعُصَاةِ وَالمُتَجَبِّرِينَ، فَيُثْمِرُ ذَلِكَ الفَزَعُ انْكِفَافًا عَنِ المَحَارِمِ، وَمسَارَعَةً فِي الخَيْرَاتِ).
فالخوف في الإسلام: عبادة قلبية عظيمة، لا يراد به مجرد الشعور بالرعب، بل هو دافع للكف عن المعاصي، والاجتهاد في الطاعات، مقرونًا بمعرفة الله وعظمته.
وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَتعرف على أَقْسَام الخَوْفِ، وَأَنْوَاعه، وَأَشْكَاله، فَهِيَ تَنْقَسِمُ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ رَئِيسَةٍ:
الأَوَّلُ: “الخَوْفُ الطَّبِيعِيُّ الجِبِلِّيُّ”: كَخَوْفِ الإِنْسَانِ مِنَ السِّبَاعِ، أَوْ النِّيرَانِ المُضْطَرِمَةِ، أَوْ الأَعْدَاءِ المُدَجَّجِينَ بِالسِّلاَحِ؛ وَهَذَا نَوْعٌ مَجْبُولٌ عَلَيْهِ البَشَرُ، لاَ يُعَابُ عَلَيْهِ العَبْدُ أَبَدًا، وَلاَ يَقْدَحُ فِي دِينِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَنْ نَبِيِّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص :21].
وَالثَّانِي: “الخَوْفُ المَرَضِيُّ الوَهْمِيُّ”: وَهُوَ الخَوْفُ المُسْتَبِدُّ، الَّذِي لاَ سَبَبَ لَهُ حَقِيقِيًّا، فَيَشْلُّ حَرَكَةَ الإِنْسَانِ، وَيَمْنَعُهُ مِنْ أَدَاءِ مَصَالِحِهِ، وَيَجْعَلُهُ حَبِيسَ الأَوْهَامِ وَالشَّيَاطِينِ.
وَالثَّالِثُ: “الخَوْفُ المَحْمُودُ الشَّرْعِيُّ”: وَهُوَ الخَوْفُ الَّذِي يَصِيرُ حَاجِزًا صَلْبًا بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ مَعَاصِي اللَّهِ، وَيَدْفَعُهُ إِلَى التَّشَمِيرِ فِي الطَّاعَاتِ، وَالتَّنَصُّلِ مِنَ المَظَالِمِ.
وَالرَّابِعُ: “الخَوْفُ المَذْمُومُ المُهْلِكُ”: وَهُوَ الخَوْفُ الَّذِي يَسُوقُ العَبْدَ إِلَى القُنُوطِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَاليَأْسِ مِنْ رَوْحِهِ، أَوْ ذَلِكَ الخَوْفِ الَّذِي يَدْفَعُ المَرْءَ إِلَى تَرْكِ الوَاجِبَاتِ أَوْ ارْتِكَابِ المُحَرَّمَاتِ، خَشْيَةً مِنَ المَخْلُوقِينَ، الَّذِينَ لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا.
وللخوف عند السالكين درجات ثلاث، وهي: درجة العامة: الذين يخافون من العقوبة، ودرجة أهل المراقبة: وهم الخائفون من المكر، وسلب لذة الحضور، ثم درجة أهل الخصوص: وهي أعلى درجات الخوف، وفيها يسمى الخوف: “هيبة”، وهؤلاء يخافون من ” الإعراض ” بعد ” الإقبال “، وتبلغ هذه الدرجة ذروة سنامها عند النبي – ﷺ – لأنه “لا إقبال أتم من إقباله ” ولا خوف أشد من خوفه، ففي صحيح مسلم: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ومن أقسام الخوف: “الخَوْفُ من اللَّهِ تَعَالَى“: فإِنَّ القَلْبَ البَشَرِيَّ إِذَا تَرَعْرَعَ عَلَى غَفْلَتِهِ، وَسَرِحَ فِي مَيَادِينِ أَمَانِيهِ المُسْتَبِدَّةِ، غَرِقَ فِي أَدْرَانِ الدُّنْيَا، وَتَاهَتْ بِهِ السُّبُلُ فِي قِفَارِ المهَالكِ، فَمَا أَحْوَجَ النَّفْسَ البَشَرِيَّةَ، فِي زَحْمَةِ الفِتَنِ المُتَلاَطِمَةِ، وَتَبَايُنِ الأَهْوَاءِ المُضِلَّةِ، إِلَى سِيَاجٍ رُوحِيٍّ صَارِمٍ، يَرُدُّهَا إِلَى حِصْنِ الرَّشَادِ، وَيُوقِظُ فِيهَا مَعَانِي اليَقَظَةِ، وَالاِحْتِيَاطِ وَالاِسْتِعْدَادِ لِيَوْمِ المَعَادِ، إنه (الخوف من الله).
“الخَوْفُ من اللَّهِ تَعَالَى“: ذَلِكَ السِّيَاجَ العَظِيمَ، الَّذِي تُحْرَسُ بِهِ المَقَامَاتُ، وَتُصَانُ بِهِ الحُرُمَاتُ “الخَوْفُ من اللَّهِ تَعَالَى”: هُوَ ذَلِكَ الشُّعُورُ القَلْبِيُّ العَمِيقُ، الَّذِي يُمَثِّلُ الجَنَاحَ الثَّانِي لِلطَّائِرِ، فِي سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ، مَعَ جَنَاحِ المَحَبَّةِ وَالرَّجَاءِ، بَلْ هُوَ السَّوْطُ الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يَسُوقُ العَبْدَ سَوْقًا إِلَى المَنَازِلِ العُلْيَا، وَيَكُفُّ طُغْيَانَ النَّفْسِ الأَمَّارَةِ، عَنْ مُرْتَكَبَاتِ البَاطِلِ وَالهَوَى.
“الخَوْفُ من اللَّهِ تَعَالَى“: جَاءَتِ الآيَاتُ القُرْآنِيَّةُ نَاطِقَةً بِعَظَمَةِ هَذَا المَقَامِ، تَتَنَزَّلُ قَوَاصِمَ لِتَكْسِرَ حِدَّةَ الغَفْلَةِ فِي النُّفُوسِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَوْلِيَائِهِ حَاثًّا لَهُمْ عَلَى إِفْرَادِهِ بِالخَشْيَةِ: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:175]
وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم:14]،
فَالقُرْآنُ الكَرِيمُ يَجْعَلُ مِنَ (الخَوْفِ من الله تعالى) مِقْيَاسًا لِصِحَّةِ الإِيمَانِ، وَمِعْيَارًا لِنَيْلِ الأَمْنِ يَوْمَ يُبْعَثُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ.
وإذا كان الله تعالى قد أمر عباده بالخوف منه، وجعله شرطًا للإيمان؛ فقد وصف الله ملائكته بقولِه تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:50]، ووصف أنبياءه بقوله تعالى:
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب:39].
ومدح الله الذين يخشونه، فقال عنهم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾ [المؤمنون:57 – 61].
والخوف من الله تعالى، ورجاء رحمته، واجبان، يلزم العبد أن يتحلى بهما، فلا يأمن مكر الله، ولا يقنط من رحمته،
قال الله تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) {الحجر:49-50}. وقال تعالى: (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) {غافر:3}.
وإذا كان المؤمن العارف بربه، المسارع في طاعته، وجل القلب مع طاعته، فمن باب أولى أن يبتعد عن المعاصي، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) {المؤمنون:60-61}.
وفي سنن الترمذي: (أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَتْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ هَذِهِ الآيَةِ (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) قَالَتْ عَائِشَةُ أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ قَالَ «لاَ يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لاَ يُقْبَلَ مِنْهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ».
وفي صحيح البخاري: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ الخَوْفَ المَطْلُوبَ فِي الإِسْلاَمِ، يَرْتَكِزُ عَلَى جَانِبَيْنِ جَلِيلَيْنِ، يُمَثِّلاَنِ جَوْهَرَ العُبُودِيَّةِ:
الجَانِبُ الأَوَّلُ: خَوْفٌ صَادِرٌ عَنِ الحَذَرِ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ، وَسَخَطِهِ، وَعَذَابِ نَارِهِ، مَقْرُونًا بِالطَّمَعِ فِي ثَوَابِهِ وَجَنَّتِهِ، وَهَذَا هُوَ مَقَامُ أَهْلِ الاِسْتِقَامَةِ، وَعَامَّةِ المُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ.
وَالجَانِبُ الثَّانِي: هُوَ الخَوْفُ الخَالِصُ المُنَزَّهُ عَنِ الرَّغَبِ وَالرَّهَبِ الحِسِّيِّ، الصَّادِرُ عَنْ شُهُودِ عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلاَلِهِ، وَكِبْرِيَائِهِ وَهَيْبَتِهِ؛ وَهُوَ خَوْفُ العَارِفِينَ المُقَرَّبِينَ، الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ لأَنَّهُ اللَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْجَلاَلِ، فَيَخَافُونَ حِجَابَهُ وَبُعْدَهُ، أَعْظَمَ مِمَّا يَخَافُونَ عِقَابَهُ.
والخَوْفُ مِنَ اللَّهِ لَهُ عِنْدَ أَهْلِ السُّلُوكِ وَالعِلْمِ دَرَجَاتٌ وَمَرَاتِبُ بَدِيعَةٌ:
الأُولَى: “الخَشْيَةُ”: وَهِيَ خَوْفٌ مَقْرُونٌ بِالعِلْمِ التَّامِّ بِالمُخُوفِ مِنْهُ؛ وَلِذَلِكُ خُصَّ بِهَا العُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:28].
وَالثَّانِيَةُ: “الهَيْبَةُ”: وَهِيَ خَوْفٌ يَنْشَأُ عَنْ إِجْلاَلِ العَظَمَةِ، وَإِعْظَامِ الجَلاَلِ الإِلَهِيِّ.
وَالثَّالِثَةُ: “الإِشْفَاقُ”: وَهُوَ دَوَامُ الحَذَرِ، وَوَجَلِ القَلْبِ مِنْ نَقْصِ العَمَلِ، أَوْ سُوءِ الخَاتِمَةِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾ [المعارج:27].
وَاعلموا أن مَنْزِلَةُ (الخَوْفِ من الله تعالى) فِي الدِّينِ مَنْزِلَةُ الفَرْضِ اللاَزِمِ، وَالوَاجِبِ العَيْنِيِّ، الَّذِي لاَ يَسْتَغْنِي عَنْهُ سَالِكٌ إِلَى اللَّهِ؛ إِذْ لاَ يَصِحُّ الإِيمَانُ بِدُونِهِ، بَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ التَّقْوَى
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ
الخُطْبَةُ الثانية (الْخَوْفُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَإِنَّ لِلْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ ثَمَرَاتٍ زَاكِيَةً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ فَمِنْ ثَمَرَاتِهِ: انْقِمَاعُ الشَّهَوَاتِ المُحَرَّمَةِ ،وَتَهْذِيبُ الجَوَارِحِ، وَزَوَالُ الحَسَدِ وَالكِبْرِ، وَحُصُولُ الحِكْمَةِ فِي القَلْبِ، وَالأَمْنُ النَّفْسِيُّ مِمَّا سِوَى اللَّهِ.
ومن ثمرات الخوف من الله: أنه يبعث على العمل الصالح، والإخلاص فيه؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان:9،10].
ومن ثمرات الخوف: أنه يجعل صاحبه في ظل العرش يوم القيامة؛ ففي الصحيحين: (عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ .. (وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ)..».
ومن ثمرات الخوف: الأمان يوم القيامة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: وعزَّتي، لا أجمع على عبدي خوفينِ، ولا أجمع له أمنينِ؛ إذا أمِنَني في الدنيا أخفتُه يوم القيامة، وإذا خافني في الدنيا أمَّنتُه يوم القيامة) حسنه الألباني في الصحيحة.
ومن ثمرات الخوف من الله: أنه من أسباب المغفرة، ففي الصحيحين: (عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ، فَقَالَ لأَهْلِهِ إِذَا أَنَا مُتُّ فَخُذُونِي فَذَرُّونِي ، فِي الْبَحْرِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، فَفَعَلُوا بِهِ، فَجَمَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِي صَنَعْتَ قَالَ مَا حَمَلَنِي إِلاَّ مَخَافَتُكَ. فَغَفَرَ لَهُ».
ومن ثمرات الخوف من الله: أنه يؤدي إلى الجنة: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ» رواه الترمذي.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَمِنْ أَعْظَمِ الوَسَائِلِ المعينة والمُحَصِّلَةِ لِلخَوْفِ من اللَّهِ: دِرَاسَةُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الحُسْنَى، الدَالَّةِ عَلَى الجَلاَلِ وَالقَهْرِ، كَالجَبَّارِ وَالقَهَّارِ وَالمُنْتَقِمِ، وَتَدَبُّرُ آيَاتِ الوَعِيدِ، وَتَذَكُّرُ مَصَارِعِ الظَّالِمِينَ، وَمُحَاسَبَةُ النَّفْسِ عَلَى الأَنْفَاسِ وَالخَطَرَاتِ، وَالمُبَادَرَةُ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ فَواتِ الأَوَانِ.
ومن الوسائل المعينة لِلخَوْفِ من اللَّهِ: تذكر الموت والأخرة، واستحضار عذاب القبر، وأهوال يوم القيامة، والحساب العسير.
ومنها: التأَمِّل فِي سِيَرِ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ: فَإِنَّ المُتَأَمِّلَ فِي سِيَرِ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ لَيَرَى العَجَبَ العُجَابَ مِنْ شِدَّةِ خَشْيَتِهِمْ، فَهَا هُوَ سَيِّدُ الخَلْقِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَهُوَ المَغْفُورُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ- يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، وَيُنَاجِي رَبَّهُ بِدُمُوعٍ تَغْسِلُ لِحْيَتَهُ الشَّرِيفَةَ، وَكَانَ لِصَدْرِهِ فِي الصَّلاَةِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المِرْجَلِ مِنَ البُكَاءِ.
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا».
وَهَذَا الصِّدِّيقُ أَبُو بَكْرٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) كَانَ إِذَا قَامَ فِي الصَّلاَةِ كَأَنَّهُ عُودٌ مِنْ شِدَّةِ الخَشْيَةِ، وَيَبْكِي حَتَّى لاَ يُسْمِعُ النَّاسَ قِرَاءَتَهُ.
وَهَذَا الفَارُوقُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) الَّذِي دَوَّخَ مَمَالِكَ الكُفْرِ، كَانَ فِي وَجْهِهِ خَطَّانِ أَسْوَدَانِ مِنَ البُكَاءِ، وَكَانَ يَسْقُطُ صَرِيعًا مِنَ الخَوْفِ إِذَا سَمِعَ الآيَةَ مِنَ القُرْآنِ حَتَّى يُعَادَ أَيَّامًا كَأَنَّهُ مَرِيضٌ.
وَهَذَا عُثْمَانُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) إِذَا وَقَفَ عَلَى القَبْرِ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ،
وَهَذَا عَلِيٌّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) كَانَ يَتَمَلْمَلُ فِي المِحْرَابِ تَمَلْمُلَ السَّلِيمِ، وَيَبْكِي بُكَاءَ الحَزِينِ وَيَقُولُ: «يَا دُنْيَا غُرِّي غَيْرِي، آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ، وَبُعْدِ السَّفَرِ، وَوَحْشَةِ الطَّرِيقِ».
وهذا ابن عباس (رضي الله عنه) كان أسفل عينيه مثل الشّراك البالي من البكاء.
وهذا أبو عبيدة (رضي الله عنه) يقول عن نفسه: وددت أني كنت كبشا فيذبحني أهلي فيأكلون لحمي ويشربون مرقي،
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَتَأَمَّلُوا أثَرَ العَمَلِ بِهَذِهِ المَنْزِلَةِ العَظِيمَةِ عَلَى حَيَاةِ الفَرْدِ، وَصَلاَحِ المُجْتَمَعِ: فإِذَا اسْتَقَرَّ الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ فِي قَلْبِ العَبْدِ: امْتَنَعَ عَنِ الأَكْلِ الحَرَامِ، وَتَرَكَ الرِّشْوَةَ وَالبَغْيَ، وَحَفِظَ بَصَرَهُ وَلِسَانَهُ، وَأَدَّى الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا.
وَإِذَا شَاعَ الخَوْفُ الرَّبَّانِيُّ فِي جَسَدِ المُجْتَمَعِ: انْقَطَعَتِ الجَرَائِمُ، وَأُمِنَتِ الحُرُمَاتُ، وَانْتَشَرَ العَدْلُ وَالإِحْسَانُ، وَاسْتَقَامَتِ المَوَازِينُ، وَصَارَتِ الأُمَّةُ كُلُّهَا تَخْشَى اللَّهَ، وَتَرْجُو نَوَالَهُ، فَتَتَنَزَّلُ عَلَيْهَا بَرَكَاتُ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- وَاعْمُرُوا قُلُوبَكُمْ بِخَشْيَةِ الجَبَّارِ، وَتَذَكَّرُوا الوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ لاَ تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، لِتَكُونُوا مِنَ الآمِنِينَ يَوْمَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَلِتَفُوزُوا بِالجَنَّتَيْنِ المَوْعُودَتَيْنِ لِأَهْلِ الخَوْفِ وَالتَّقْوَى.
الدُّعَاء
