خطبة عن (الْخَوْفُ)
نوفمبر 3, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الأمانةُ مسئوليةٌ وفريضةٌ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا} [النساء:58].
وَفي الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ: «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ» [أخرجه أحمد].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّنَا اليَوْمَ- إن شاء الله تعالى- مَعَ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الأَنْبِيَاءِ، وَخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الأَتْقِيَاءِ، إنها (الأَمَانَةُ)؛ تِلْكَ الكَلِمَةُ العَمِيقةُ، الَّتِي ظَنَّ البَعْضُ أَنَّهَا مَقْصُورَةٌ عَلَى حِفْظِ (الوَدَائِعِ المَالِيَّةِ) فَحَسْبُ، بَيْدَ أَنَّ مَفْهُومَهَا فِي الإِسْلَامِ يَمْتَدُّ لِيَشْمَلَ الدِّينَ كُلَّهُ،
فالأَمَانَةُ: هِيَ كُلُّ مَا يُطَالَبُ العَبْدُ بِحِفْظِهِ، وَرِعَايَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ حَقّاً لِلهِ، أَوْ حَقّاً لِلْعِبَادِ، فهِيَ أَمَانَةُ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَمَانَةُ الجَوَارِحِ، وَأَمَانَةُ المَسْؤُولِيَّةِ.
ولِلْأَمَانَةِ صُوَر شَتَّى فِي حَيَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ، ومِنْهَا: أَوَّلًا: الأَمَانَةُ مَعَ اللهِ؛ بِأَنْ تَحْفَظَ حُدُودَهُ، فَلَا تَخُونَهُ فِي سِرِّكَ، وَلَا فِي عَلَانِيَتِكَ، وَأَنْ تُؤَدِّيَ العِبَادَاتِ كَمَا أَمَرَ، فَإِسْبَاغُ الوُضُوءِ أَمَانَةٌ، وَخُشُوعُ الصَّلَاةِ أَمَانَةٌ.
ثَانِيًا: الأَمَانَةُ فِي العَمَلِ؛ فَالمُوَظَّفُ فِي مَكْتَبِهِ، وَالمُعَلِّمُ فِي فَصْلِهِ، وَالطَّبِيبُ مَعَ مَرِيضِهِ، كُلٌّ مِنْهُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، والوَقْتُ الذِي تَقْبِضُ عَلَيْهِ رَاتِبًا هُوَ أَمَانَةٌ، وَإِتْقَانُ صَنْعَتِكَ أَمَانَةٌ، فَمَنْ غَشَّ أَوْ قَصَّرَ فَقَدْ خَانَ الأَمَانَةَ.
ثالثًا: أَمَانَةُ المَجَالِسِ وَالأَسْرَارِ؛ ففي سنن الترمذي: (قَالَ ﷺ: «إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِالحَدِيثِ ثُمَّ التَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ»، فَلَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْتِكَ سِتْرَ أَخِيهِ، أَوْ يُفْشِيَ سِرَّ مَنْ ائْتَمَنَهُ.
وفي صحيح مسلم: (أن أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا»
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَذَكَّرُوا أَنَّ الأَمَانَةَ صِفَةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ قَبْلَ البِعْثَةِ، وَبَعْدَهَا؛ فَقَدْ لُقِّبَ بِـ “الصَّادِقِ الأَمِينِ”، وَحِينَ هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ، لَمْ يَنْسَ أَنْ يَأْمُرَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بِرَدِّ أَمَانَاتِ المُشْرِكِينَ إِلَيْهِمْ، رَغْمَ عَدَاوَتِهِمْ لَهُ، وهَكَذَا يَعْلَمُنَا الإِسْلَامُ أَنَّ الأَمَانَةَ لَا تَتَجَزَّأُ، وَلَا تَسْقُطُ بِالعَدَاوَةِ،
وأنَّ ضَيَاعَ الأَمَانَةِ هُوَ آذَانٌ بِخَرَابِ الدِّيَارِ، وَعَلَامَةٌ مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ، كَمَا في سنن ابن ماجه: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ عَبْدًا نَزَعَ مِنْهُ الْحَيَاءَ فَإِذَا نَزَعَ مِنْهُ الْحَيَاءَ لَمْ تَلْقَهُ إِلاَّ مَقِيتًا مُمَقَّتًا فَإِذَا لَمْ تَلْقَهُ إِلاَّ مَقِيتًا مُمَقَّتًا نُزِعَتْ مِنْهُ الأَمَانَةُ فَإِذَا نُزِعَتْ مِنْهُ الأَمَانَةُ لَمْ تَلْقَهُ إِلاَّ خَائِنًا مُخَوَّنًا فَإِذَا لَمْ تَلْقَهُ إِلاَّ خَائِنًا مُخَوَّنًا نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ فَإِذَا نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ لَمْ تَلْقَهُ إِلاَّ رَجِيمًا مُلَعَّنًا فَإِذَا لَمْ تَلْقَهُ إِلاَّ رَجِيمًا مُلَعَّنًا نُزِعَتْ مِنْهُ رِبْقَةُ الإِسْلاَمِ».
وفي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»،
وفي الصحيحين: (قَالَ حُذَيْفَةُ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – حَدِيثَيْنِ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا «أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ». وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ «يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلاَ يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّى الأَمَانَةَ، فَيُقَالُ إِنَّ فِي بَنِي فُلاَنٍ رَجُلاً أَمِينًا. وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ. وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلَقَدْ أَتَى عَلَىَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِى أَيَّكُمْ بَايَعْتُ لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ الإِسْلاَمُ، وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَىَّ سَاعِيهِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلاَّ فُلاَنًا وَفُلاَنًا»
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
واعلموا أنَّ مَنْ حَمَلَ الأَمَانَةَ بِحَقِّهَا، اسْتَحَقَّ الثَّنَاءَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ خَانَهَا بَاءَ بِالخِزْيِ وَالنَّدَامَةِ، وفي صحيح مسلم: (وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنَبَتَىي الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالاً)،
وفي الصحيحين: (اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – رَجُلاً عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ اللُّتَبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ قَالَ هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «فَهَلاَّ جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ، حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا». ثُمَّ خَطَبَنَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلاَّنِي اللَّهُ ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي. أَفَلاَ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ، وَاللَّهِ لاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ، إِلاَّ لَقِىَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِىَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ». ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطِهِ يَقُولُ «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ»،
وفي مسند أحمد: (أن أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ نَاجَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِّرْنِي. فَقَالَ «إِنَّهَا أَمَانَةٌ وَخِزْيٌ وَنَدَامَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا»،
وفي سنن أبي داود: (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «خَمْسٌ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ مَعَ إِيمَانٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَى وُضُوئِهِنَّ وَرُكُوعِهِنَّ وَسُجُودِهِنَّ وَمَوَاقِيتِهِنَّ وَصَامَ رَمَضَانَ وَحَجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَأَعْطَى الزَّكَاةَ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ وَأَدَّى الأَمَانَةَ». قَالُوا يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ وَمَا أَدَاءُ الأَمَانَةِ قَالَ الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَاحْرِصُوا عَلَى تَرْبِيَةِ أَبْنَائِكُمْ عَلَى حُرْمَةِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَأَعْرَاضِهِمْ، واجْعَلُوا الضَّمِيرَ الرَّقِيبَ هُوَ المُحَرِّكَ لَكُمْ، فَالْمُؤْمِنُ الأَمِينُ هُوَ الذِي لَا يُغَيِّرُهُ المَالُ، وَلَا تُغْرِيهِ المَنَاصِبُ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَلَى خَائِنَةِ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ. وقد قَالَ اللهُ تَعَالَى في وصف المؤمنين: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون:8].
فإِذَا سَادَتِ الأَمَانَةُ فِي أُمَّةٍ، انْتَشَرَتِ الثِّقَةُ، وَزَهَا الِاقْتِصَادُ، وَأَمِنَ كُلُّ فَرْدٍ عَلَى مَالِهِ وَعِرْضِهِ، فالأَمَانَةُ هِيَ الَّتِي تَبْنِي الجُسُورَ بَيْنَ النَّاسِ، وَهِيَ سَبَبٌ لِمَحَبَّةِ اللهِ وَخَلْقِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَعْظَمَ خِيَانَةٍ هِيَ “خِيَانَةُ الوَطَنِ وَالأُمَّةِ”؛ بِتَعْطِيلِ مَصَالِحِهَا أَوْ إِفْشَاءِ أَسْرَارِهَا أَوْ نَشْرِ الفَسَادِ فِيهَا.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (الأمانة مسئولية وفريضة)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
وقَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:72].
وفي سنن أبي داود: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ».
فإِنَّ الأَمَانَةَ لَيْسَتْ لَحْظَةً وَاحِدَةً نُؤَدِّي فِيهَا وَدِيعَةً، بَلْ هِيَ “نَفَسٌ” يَسْرِي فِي كُلِّ شُؤُونِنَا، وَمِنْ أَجْلَى صُوَرِهَا فِي زَمَانِنَا:
أَوَّلًا: أَمَانَةُ الِاسْتِخْلَافِ فِي المَالِ: فَالمَالُ الذِي بَيْنَ يَدَيْكَ لَيْسَ مِلْكَكَ الخَالِصَ لِتَفْعَلَ بِهِ مَا تَشَاءُ، بَلْ هُوَ أَمَانَةٌ عِنْدَكَ، وسَتُسْأَلُ عَنْهُ: مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبْتَهُ؟، وَفِيمَ أَنْفَقْتَهُ؟،
فَالْمُقْتَصِدُ فِيهِ أَمِينٌ، وَالمُسْرِفُ فِيهِ خَائِنٌ لِنِعْمَةِ اللهِ.
ثَانِيًا: أَمَانَةُ التَّرْبِيَةِ وَالأَبْنَاءِ؛ فَهَذِهِ البَرَاعِمُ الَّتِي فِي بُيُوتِكُمْ هِيَ أَخْطَرُ أَمَانَةٍ عِنْدَكُمْ، وأَمَانَةُ تَعْلِيمِهِمُ الصَّلَاةَ، وَتَرْبِيَتِهِمْ عَلَى القِيَمِ، وَحِمَايَةِ عُقُولِهِمْ مِنَ المَوَاقِعِ المُدَمِّرَةِ وَالأَفْكَارِ المُنْحَرِفَةِ، فَكُلُّ رَاعٍ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
وَمِنْ صُوَرِ الأَمَانَةِ الدَّقِيقَةِ: “أَمَانَةُ الكَلِمَةِ فِي العَالَمِ الرَّقْمِيِّ”؛ فَكُلُّ حَرْفٍ تَكْتُبُهُ عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ، وَكُلُّ مَقْطَعٍ تَنْشُرُهُ، هُوَ أَمَانَةٌ فِي عُنُقِكَ، ونَشْرُ الإِشَاعَاتِ خِيَانَةٌ، وَتَزْوِيرُ الحَقَائِقِ خِيَانَةٌ، وَهَتْكُ خُصُوصِيَّاتِ النَّاسِ خِيَانَةٌ، فالأَمِينُ مَنْ يَحْبِسُ لِسَانَهُ وَقَلَمَهُ عَمَّا لَا يَعْلَمُ، وَيَزِنُ كَلِمَاتِهِ بِمِيزَانِ الشَّرْعِ قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ بِهَا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
واعلموا أنَّ “أَثَرَ الأَمَانَةِ” فِي سُلُوكِ المُسْلِمِ، هُوَ الذِي يَجْعَلُهُ “عُمْلَةً نَادِرَةً”، فالأَمَانَةُ تُثْمِرُ “الرَّقَابَةَ الذَّاتِيَّةَ”؛ فَلَا يَحْتَاجُ المُؤْمِنُ إِلَى مُدِيرٍ يَقِفُ فَوْقَ رَأْسِهِ، وَلَا إِلَى قَانُونٍ يُلَاحِقُهُ، لِأَنَّ خَوْفَهُ مِنَ اللهِ أَشَدُّ، والأَمِينُ هُوَ الذِي يَعْمَلُ فِي الخَفَاءِ كَمَا يَعْمَلُ فِي العَلَنِ، وَيُؤَدِّي حَقَّ النَّاسِ وَإِنْ غَابُوا، وَيَحْفَظُ حَقَّ المَيِّتِ وَإِنْ بَعُدَ، فهَذِهِ الأَخْلَاقُ هِيَ الَّتِي حَبَّبَتِ الخَلْقَ فِي هَذَا الدِّينِ، وَجَعَلَتِ الإِسْلَامَ يَدْخُلُ شَرْقَ الأَرْضِ وَغَرْبَهَا بِمُعَامَلَاتِ التُّجَّارِ الأُمَنَاءِ.
وتأملوا في قول الله تَعَالَى: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص:26].
فمن ثَمَرَة الأَمَانَةِ فِي سُلُوكِنَا: “انْتِشَارُ الثِّقَةِ“؛ فَبِهَا تَنْهَضُ الشَّرِكَاتُ، وَبِهَا تَعْمُرُ البُيُوتُ، وَبِهَا تَقْوَى الأَوْطَانُ، والمُؤْمِنُ الأَمِينُ رَجُلٌ يُوثَقُ بِهِ فِي كَلِمَتِهِ، وَفِي عَهْدِهِ، وَفِي مَالِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ رَبَطَ بَيْنَ الأَمَانَةِ وَالأَمْنِ؛
فَفي سنن الترمذي: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ»
فكُونُوا مَنَارَاتٍ لِلْأَمَانَةِ فِي مُجْتَمَعَاتِكُمْ، فاللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الأَمَانَةَ وَزَيِّنْهَا فِي قُلُوبِنَا،
(الدعاء )
