خطبة عن (كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى؟)
نوفمبر 7, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (التَّفْسِيرِ الْمَوْضُوعِيِّ لِسُورَةِ التِّينِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:1-8].
إِخْوَةَ الإِسْلَامِ
التَّفْسِيرُ المَوْضُوعِيُّ لِلْقُرْآنِ الكَرِيمِ: هُوَ دِرَاسَةُ السُّورَةِ القُرْآنِيَّةِ كَوَحْدَةٍ وَاحِدَةٍ، وَاسْتِخْرَاجُ فِكْرَتِهَا المِحْوَرِيَّةِ، وَمَقَاصِدِهَا الأَسَاسِيَّةِ، وَذَلِك بَدَلًا مِنْ تَفْسِيرِ الآيَاتِ بِشَكْلٍ مُنْفَصِلٍ،
وَيَهْدِفُ هَذَا المَنَهَجُ إِلَى: إِبْرَازِ الجَوَانِبِ العَقَائِدِيَّةِ، وَالإِيمَانِيَّةِ، وَالأَخْلَاقِيَّةِ، الَّتِي تَرْبِطُ بَيْنَ آيَاتِ السُّورَةِ الوَاحِدَةِ، بِشَكْلٍ مُتَنَاسِقٍ وَمُرْتَبِطٍ.
وَاليَوْمَ- إن شاء الله تعالى- نَمْضِي فِي سِلْسِلَةِ التَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لقصار السور لِلْقُرْآنِ الكَرِيمِ، مَعَ سُورَةٍ تَقْطَعُ دَابِرَ الغُرُورِ البَشَرِيِّ، وَتَقُومُ بِتَشْرِيحٍ دَقِيقٍ لِلْفِطْرَةِ الإِنْسَانِيَةِ، وَتُبَيِّنُ أَمْوَاجَ الِارْتِقَاءِ وَالهَبُوطِ فِي حَيَاةِ العَبْدِ؛ إِنَّهَا (سُورَةُ التِّينِ).
فَالْمِحْوَرُ المَوْضُوعِيُّ لِهَذِهِ السُّورَةِ يَدُورُ حَوْلَ: “عِظَمِ التَّكْرِيمِ الإِلَهِيِّ لِلإِنْسَانِ، وَخَطَرِ الِانْتِكَاسِ، إِذَا تَجَرَّدَ عَنِ الإِيمَانِ، وَعَدَالَةِ المَصِيرِ الحَتْمِيِّ فِي مِيزَانِ أَحْكَمِ الحَاكِمِينَ”.
فَتَعَالَوْا بِنَا اليَوْمَ مَعَ (سُورَةِ التِّينِ)، الَّتِي تَمْتَلِكُ أَمْوَاجًا هَادِرَةً، فِي تَقْوِيمِ السُّلُوكِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَالرُّوحِيِّ، وَتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ، التَّائِهَةِ فِي مَيَادِينِ المَادَّةِ.
فَهَذِهِ السُّورَةُ الَّتِي نَقْرَؤُهَا كَثِيرًا فِي صَلَوَاتِنَا، هي صَغِيرَةُ الحَجْمِ، ولَكِنَّهَا مَشْحُونَةٌ بِحَقَائِقَ كَوْنِيَةٍ، وَإِنْسَانِيَّةٍ عَمِيقَةٍ، تُعَالِجُ مَرَضَيْنِ خَطِيرَيْنِ، وهما: الغَفْلَةَ عَنْ قِيمَةِ الرُّوحِ، وَالانْخِدَاعَ بِالْمَظَاهِرِ الجَسَدِيَّةِ المَادِّيَّةِ، مَعَ نِسْيَانِ المَآلِ.
فَتَبْدَأُ السُّورَةُ: بِإِقْسَامٍ إِلهِية جَلِيلة، تَسْتَعْرِضُ ثَلَاثَ مَحَطَّاتٍ جُغْرَافِيَّةٍ، وَرُوحِيَّةٍ كُبْرَى فِي تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ، فقال تعالى:
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين:1-3].
فَيُقْسِمُ اللهُ تَعَالَى بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَهُمَا إِشَارَةٌ إِلَى مَنَابِتِهِمَا فِي أَرْضِ الشَّامِ، وَبَيْتِ المَقْدِسِ، مَهْدِ النُّبُوَّاتِ، وَمَبْعَثِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ).
ثُمَّ يُثَنِّي بِـ ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾؛ وَهُوَ جَبَلُ الطُّورِ فِي سِينَاءَ، حَيْثُ نَاجَى نبي الله مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) رَبَّهُ، وَتَلَقَّى التَّوْرَاةَ.
ثُمَّ يَخْتِمُ بـِ ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾؛ وَهِيَ مَكَّةُ المُكَرَّمَةُ، بَلَدُ الأَمْنِ، وَمَبْعَثُ سَيِّدِ الخَلْقِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
وَهُنَا نَرَى الرَّبْطَ العَبْقَرِيَّ فِي التَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ؛ فَالرَّبْطُ بَيْنَ أَمَاكِنِ النُّبُوَّاتِ الثَّلَاثِ، لَيْسَ تَنَقُّلًا جُغْرَافِيًّا لِلْمَكَانِ، بَلْ هُوَ اسْتِحْضَارٌ لِأَعْظَمِ المَنَاهِجِ الرُّوحِيَّةِ، الَّتِي أُنْزِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ، فَلِمَاذَا نَزَلَتْ هَذِهِ الرِّسَالَاتُ؟، وَلِمَاذَا أُرْسِلَ هَؤُلَاءِ الأَنْبِيَاءُ الكِبَارُ؟، لِأَجْلِ هَذَا الإِنْسَانِ الَّذِي يَعْقِبُهُ القَسَمُ الأعْظَمُ:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:4].
فتَأَمَّلُوا: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، فَالإِنْسَانُ فِي الفَلْسَفَةِ القُرْآنِيَّةِ: لَيْسَ مُجَرَّدَ كَائِنٍ حَيَوَانِيٍّ، يَسْعَى خَلْفَ شَهَوَاتِهِ، وَلَا صُدْفَةً بِيُولُوجِيَّةً عَابِرَةً، بَلْ هُوَ شَاهِقٌ مِنْ شَوَاهِقِ خَلْقِ اللهِ.
لقد خَلَقَهُ اللهُ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ حِسِّيَةٍ؛ قَامَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ، وَوَجْهٌ نَضِرٌ، وَعَقْلٌ مُفَكِّرٌ، وَبَنَانٌ دَقِيقٌ ، وَأَوْدَعَ فِيهِ الفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ، الَّتِي تَتَوْقُ إِلَى الخَالِقِ.
هَذَا الخَلْقُ السَّوِيُّ هُوَ الأَصْلُ، وَهُوَ مَحَلُّ التَّكْرِيمِ الإِلَهِيِّ، إِذْ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ.
وَلَكِنْ، حِينَمَا يَتَمَرَّدُ هَذَا الإِنْسَانُ عَلَى فِطْرَتِهِ، وَيَظُنُّ أَنَّ كَمَالَهُ الجَسَدِيَّ، أَوْ المَادِّيَّ، يَكْفِيهِ عَنِ اللهِ، وَيَسْتَغْنِي عَنِ الوَحْيِ، الَّذِي أُنْزِلَ فِي تِلْكَ البِقَاعِ المُقَدَّسَةِ، تَأْتِي الصَّدْمَةُ القُرْآنِيَّةُ المُرِيعَةُ:
﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين:5].
وَتَأَمَّلُوا بَدِيعَ التَّعْبِيرِ القُرْآنِيِّ؛ لَمْ يَقُلْ “فَنَزَلَ”، بَلْ قَالَ: ﴿رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾!
لأَنَّهُ بِنَفْسِهِ اختَارَ المَهَانَةَ، فَرَدَّهُ اللهُ عُقُوبَةً لَهُ.
وَهَذِهِ الانْتِكَاسَةُ تَحْمِلُ جَانِبَيْنِ:
جَانِبًا سُلُوكِيًّا نَفْسِيًّا فِي الدُّنْيَا: فحِينَمَا يَنْحَطُّ الإِنْسَانُ عَنْ أَدَبِهِ، وَعَقْلِهِ، وَإِيمَانِهِ، فَيَكُونُ أَقْسَى مِنَ الحِجَارَةِ، وَأَضَلَّ مِنَ الأَنْعَامِ، يُسَفِّكُ الدِّمَاءَ، وَيَعْبُدُ الشَّهَوَاتِ، وَيَنْتَهِكُ الأعْرَاضَ.
وَجَانِبًا جَزَائِيًّا فِي الآخِرَةِ: فحِينَمَا يُقْذَفُ فِي أَدْرَاكِ جَهَنَّمَ، وَأَسْفَلِ مَرَاتِبِ العَذَابِ.
وَالجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ؛ كَمَا انْتَكَسْتَ عَنْ “أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ” فِطْرِيٍّ، رُدِدْتَ إِلَى “أَسْفَلَ سَافِلِينَ” فِي المَصِيرِ.
ثُمَّ تَسْتَثْنِي السُّورَةُ الصِّنْفَ المَعْصُومَ مِنَ هَذَا الهُبُوطِ، وَتُرْسِي المِيزَانَ الحَقِيقِيَّ لِلنَّجَاةِ:
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين:6].
فَالإِيمَانُ الثَّابِتُ فِي القَلْبِ، المَشْفُوعُ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ فِي الجَوَارِحِ، هُوَ الحَبْلُ المَمْدُودُ مِنَ السَّمَاءِ، الَّذِي يُمْسِكُ بِالإِنْسَانِ أَنْ يَهْوِيَ فِي القَاعِ.
أُولَئِكَ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى نُورِ الوَحْيِ، لَهُمْ أَجْرٌ دَائِمٌ سَرْمَدِيٌّ، غَيْرُ مَقْطُوعٍ، وَلَا مَمْنُونٍ عَلَيْهِمْ بِمَنٍّ يُنَقِّصُ جَلَالَهُ.
ثُمَّ يَتَوَجَّهُ الخِطَابُ الاستِنْكَارِيُّ الفَاحِصُ إِلَى كُلِّ مُتَكَبِّرٍ غَافِلٍ:
﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:7-8].
فَأَيُّ شَيْءٍ يَحْمِلُكَ- أَيُّهَا الإِنْسَانُ الضَّعِيفُ- عَلَى التَّكْذِيبِ بِالْجَزَاءِ وَالْبَعْثِ وَالحِسَابِ، بَعْدَمَا رَأَيْتَ قُدْرَةَ اللهِ فِي خَلْقِكَ وَتَقْوِيمِكَ، وَرَأَيْتَ حِكْمَتَهُ فِي إِرْسَالِ رُسُلِهِ؟، أَلَيْسَ اللهُ الَّذِي بَدَأَ خَلْقَكَ، وَدَبَّرَ الخَلَائِقَ، بِأَحْكَمِ الحَاكِمِينَ عَدْلًا، وَتَقْدِيرًا، وَجَزَاءً؟، بَلَى، وَنَحْنُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَإِنَّ هَذَا المَشْهَدَ القُرْآنِيَّ فِي سُورَةِ التِّينِ، لَمْ يَأْتِ إِلَّا لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسْلَامِيَّةَ تَجْعَلُ بِنَاءَ الإِنْسَانِ، وَحِفْظَ فِطْرَتِهِ، وَتَزْكِيَةَ رُوحِهِ فِي مُقَدِّمَةِ المَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ التَّفْسِيرَ المَوْضُوعِيَّ لِهَذِهِ السُّورَةِ يَرْبِطُهَا مُبَاشَرَةً بِأَقْوَالِ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الَّتِي تُعَضِّدُ هَذَا المَعْنَى الرَّفِيعَ.
فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا قَرَأَ أَحَدُكُمْ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فَقَرَأَ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ فَلْيَقُلْ بَلَى وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ».
فَالْمُؤْمِنُ يَقِفُ عِنْدَ خِتَامِ هَذِهِ السُّورَةِ، لِيُعْلِنَ شَهَادَتَهُ بِالْحِكْمَةِ الإِلَهِيَّةِ، وَيُجَدِّدَ عَهْدَهُ مَعَ اللهِ.
بَلْ إِنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ فِي سُورَةِ الشَّمْسِ يَرْسُمُ السِّيَاجَ العَمَلِيَّ لِهَذَا التَّقْوِيمِ، فَيَقُولُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10].
فَتَدَبَّرُوا كَيْفَ قَرَنَ اللهُ الفَلَاحَ بِتَزْكِيَةِ النَّفْسِ، وَأَثْبَتَ الخَيْبَةَ لِمَنْ طَمَسَهَا بِالمَعَاصِي؛ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الحِفَاظَ عَلَى “أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ” يَحْتَاجُ إِلَى جِهَادٍ دَائِمٍ لِلنَّفْسِ، وَمُرَاقَبَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ لِلْجَوَارِحِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (التَّفْسِيرِ الْمَوْضُوعِيِّ لِسُورَةِ التِّينِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَتُبَيِّنُ سُورَةُ التِّينِ: إِنَّ النَّاسَ فِي مِيزَانِ اللهِ تَعَالَى لَا يُقَاسُونَ بِصُوَرِهِمْ الظَّاهِرَةِ، وَلَا بِأَرْصِدَتِهِمْ، وَلَا بِأَجْسَادِهِمِ المَجَرَّدَةِ، بَلْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الإِيمَانِ، وَمَا صَدَّقَتْهُ جَوَارِحُهُمْ مِنَ العَمَلِ الصَّالِحِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:13].
فَقَدْ يَكُونُ هَذَا الإِنْسَانُ- الَّذِي يَرَاهُ أَهْلُ المَادَّةِ- ضَعِيفًا، أَوْ بَسِيطًا، أَوْ فَقِيرًا، وهو أَعْظَمَ عِنْدَ اللهِ مِنْ مَلء الأَرْضِ بشرا، لِأَنَّهُ حَفِظَ التَّقْوِيمَ الإِلَهِيَّ فِي قَلْبِهِ فَلَمْ يَنْتَكِسْ.
فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ».
وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ «مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ. قَالَ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا». فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لاَ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لاَ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لاَ يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
خُذُوا مِنْ سُورَةِ (التِّينِ) دَسَاتِيرَ عَمَلِيَّةً لِحَيَاتِكُمْ: فَطَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ مِنَ الكِبْرِ وَالغُرُورِ، وَاحْفَظُوا أَعْضَاءَكُمْ وَجَوَارِحَكُمْ عَنِ المَعَاصِي، لِكَي لاَ تَنْتَكِسُوا إِلَى “أَسْفَلَ سَافِلِينَ”،
وَاعْلَمُوا أَنَّ كَمَالَ الإِنْسَانِ لَيْسَ فِي قَامَتِهِ، وَلَا جَمَالِهِ، وَلَا ثَرْوَتِهِ، بَلْ فِي إِيمَانِهِ وَخُلُقِهِ.
وَلْيَحْتَرِمِ الشَّرِيفُ الضَّعِيفَ، وَلْيَعْلَمْ صَاحِبُ الجَاهِ: أَنَّ المَالَ عِمَارَةٌ زَائِلَةٌ، وَأَنَّ التَّقْوِيمَ الحَقِيقِيَّ هُوَ تَقْوَى اللهِ.
فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا».
فَتَدَبَّرُوا سُورَةَ (التِّينِ)، وَتَفَكَّرُوا فِي هَذِهِ الآيَاتِ، وَتَأَمَّلُوا هَذِهِ العِظَاتِ، وَتَرَفَّعُوا عَنْ دَنَايَا الآثَامِ، لِتَسْمُوا بِنُفُوسِكُمْ إِلَى مَقَامَاتِ رِضْوَانِ اللهِ.
الدُّعَاءُ
