خطبة عن «فَضْلُ أُمَّةِ الإِسْلاَمِ وَعَطَايَا الرَّحْمَنِ»
نوفمبر 5, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الشُّكْرُ وَمَنَازِلُ الشَّاكِرِينَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) (152) البقرة،
وقال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (14) لقمان،
وقال تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (15) الأحقاف.
وفي محكم التنزيل عن نبي الله سليمان: (فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (40) النمل،
وقال تعالى: (إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ) (34)، (35) القمر.
وقال تعالى: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) (147) النساء.
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (66) الزمر، وقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:13]. فحديثنا اليوم- إن شاء الله تعالى- عن (الشُّكْرُ وَمَنَازِلُ الشَّاكِرِينَ)،
فَمِنْ أَعْظَمِ العُبُودِيَّاتِ القَلْبِيَّةِ وَالعَمَلِيَّةِ، الَّتِي تَرْقَى بِالإِنْسَانِ إِلَى مَرَاتِبِ القُرْبِ وَالاصْطِفَاءِ، وَتَضَعُهُ فِي مِيزَانِ الكَرَامَةِ الرَّبَّانِيَّةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ: عِبَادَةُ الشُّكْرِ؛ تِلْكَ العِبَادَةُ العَظِيمَةُ، الَّتِي خُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَا بَيْنَهُمَا لِتَحْقِيقِ غَايَتِهَا، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الجِنَانِ، وَأُغْلِقَتْ أَبْوَابُ النِّيرَانِ بِمُقْتَضَاهَا.
وَمَا أَحْوَجَ العَبْدَ فِي زَحْمَةِ نِعَمِ اللَّهِ المُتَتَابِعَةِ السَّابِغَةِ، وَآلَائِهِ الغَامِرَةِ، الَّتِي تَتَرَى صَبَاحَ مَسَاءَ وَلاَ تُحْصَى، وَلاَ تُعَدُّ، إِلَى أَنْ يَعْرِفَ قَدْرَ هَذِهِ النِّعَمِ الجَسِيمَةِ، وَأَنْ يَسْتَغْرِقَ أَنْفَاسَ عُمْرِهِ فِي شُكْرِ مُسْدِيهَا وَوَلِيِّهَا جَلَّ جَلاَلُهُ؛ إِذِ الشُّكْرُ هُوَ السِّيَاجُ الحَاضِنُ لِلنِّعَمِ مِنَ الزَّوَالِ وَالانتِقَالِ، وَالمِفْتَاحُ الأَعْظَمُ لِلْمَزِيدِ مِنَ العَطَاءِ الإِلَهِيِّ المَوْصُولِ، الَّذِي لاَ يَنْقَطِعُ عَنِ العِبَادِ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ
(الشُّكْرُ) لُغَةً: ظُهُورُ أَثَرِ النِّعْمَةِ عَلَى بَدَنِ العَبْدِ، فِي قَلْبِهِ شُهُودًا وَمَحَبَّةً، وَفِي لِسَانِهِ ثَنَاءً وَاعْتِرَافًا، وَفِي جَوَارِحِهِ انْقِيَادًا وَطَاعَةً؛
وَأَمَّا (الشُّكْرُ) فِي الاصْطِلاَحِ الشَّرْعِيِّ: فَهُوَ صَرْفُ العَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ – مِنَ السَّمْعِ وَالبَصَرِ وَالعَقْلِ وَالصِّحَّةِ وَالأَمْوَالِ وَالجَاهِ- إِلَى مَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ، وَاسْتِعْمَالُهَا فِيمَا يُرْضِي المُنْعِمَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَمُجَانَبَةُ اسْتِعْمَالِهَا فِي مَعَاصِيهِ وَمَسَاخِطِهِ؛ فَمَنْ اسْتَعَانَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، فَقَدْ كَفَرَ النِّعْمَةَ، وَتَعَرَّضَ لِلزَّوَالِ.
وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَسْبُرَ “أَنْوَاعَ الشُّكْرِ“، الَّتِي بِهَا يَكْمُلُ إِيمَانُ العَبْدِ، وَيَسْتَقِيمُ، فَإِنَّهَا تَتَجَسَّدُ فِي ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ رَئِيسَةٍ مُتَلاَزِمَةٍ، لاَ يَصِحُّ الشُّكْرُ إِلاَّ بِاجْتِمَاعِهَا وَتَكَامُلِهَا، وهي:
أولا: شُكْرُ القَلْبِ: وَهُوَ المَعْرِفَةُ التَّامَّةُ، وَالاِسْتِقْرَارُ القَلْبِيُّ، وَالاعْتِرَافُ البَاطِنُ، بِأَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ حَصَلَتْ لِلْعَبْدِ – مِنْ دِينٍ أَوْ دُنْيَا، دَقِيقَةٍ أَوْ جَلِيلَةٍ- إِنَّمَا هِيَ بِمَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ، وَمِنَّتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، دُونَ قُدْرَةٍ مِنَ العَبْدِ، وَلاَ حَوْلٍ وَلاَ قُوَّةٍ، فَيَخْضَعُ القَلْبُ لِلْمُنْعِمِ، وَيُمْتَلِأُ بِمَحَبَّتِهِ وَإِجْلاَلِهِ.
ثانيا: شُكْرُ اللِّسَانِ: وَهُوَ اللَّهَجُ المُسْتَمِرُّ بِالثَّنَاءِ العَطِرِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِظْهَارُ التَّحَمُّدِ وَالتَّسْبِيحِ، وَالإِخْبَارُ بِنِعَمِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّحَدُّثِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ الإِلَهِيَّةِ، خُضُوعًا وَمَحَبَّةً، لاَ عَلَى سَبِيلِ التَّفَاخُرِ وَالرِّيَاءِ وَالكِبْرِ عَلَى الخَلْقِ، تَمَثُّلاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى :11].
ثالثا: شُكْرُ الجَوَارِحِ وَالأَرْكَانِ: وَهُوَ التَّسْخِيرُ العَمَلِيُّ لِكُلِّ عُضْوٍ فِي الطَّاعَاتِ؛ فَشكُرُ العَيْن: بِأَنْ لاَ يَنْظُرَ بِهَا إِلَى الحَرَامِ، وَأَنْ يَقْرَأَ بِهَا كِتَابَ اللَّهِ، وَشكرُ الأُذُن: بِأَنْ يَصُونَهَا عَنِ الغِيبَةِ وَالمَلاَهِي، وَيَسْتَمِعَ بِهَا إِلَى العِلْمِ وَالذِّكْرِ، وَشكرُ اليَد: بِالإِنْفَاقِ وَالبِرِّ، وَشكرُ القَدَم: بِالمَشْيِ إِلَى الطاعات والمَسَاجِدِ وَمَجَالِسِ الصَّالِحِينَ.
وَإِذَا طَافَ المُتَدَبِّرُ فِي آيَاتِ القُرْآنِ الحَكِيمِ، وَتَقَصَّى نُصُوصَ الوَحْيِ المُبَارَكِ، رَأَى أَنَّ “الشُّكْرَ فِي الإِسْلاَمِ” لَيْسَ نَافِلَةً مِنَ القَوْلِ، بَلْ هُوَ غَايَةُ الخَلْقِ، وَالمَقْصِدُ الأَسْمَى لِلتَّكْلِيفِ؛ فَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ تَعَالَى شُكْرَهُ بِإِيمَانِ العَبْدِ حِينَمَا قَالَ تعالى:
﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء:147]،
وَجَعَلَ الله الشُّكْرَ المُوجِبَ الأَعْظَمَ لِدَوَامِ النِّعَمِ، وَتَضَاعُفِهَا، فِي قَوْلِهِ الحَكِيمِ:
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:7].
بَلْ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ نَبِيَّهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِهَذَا المَقَامِ الرَّفِيعِ، وَجَعَلَهُ عُنْوَانَ العُبُودِيَّةِ،
فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:66].
فلِيَعْلَم الكَافَّةُ، أَنَّ الشُّكْرَ هُوَ رُوحُ العِبَادَةِ، وَلُبَّ التَّوْحِيدِ، وَالقَاعِدَة الصَّلْبَةُ الَّتِي تَقُومُ عَلَيْهَا عِمَارَةُ الإِيمَانِ فِي قَلْبِ العَبْدِ المُؤْمِنِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ النَّاظِرَ فِي مَنَازِلِ العُبُودِيَّةِ، يَرَى بَوَابَةَ “شَرَفِ الشُّكْرِ وَمَنْزِلَةِ أَهْلِهِ”، فهي تَتَسَنَّمُ أَعْلَى المَرَاتِبِ فِي الدِّينِ؛ فَالشُّكْرُ نِصْفُ الإِيمَانِ، كَمَا أَنَّ الصَّبْرَ نِصْفُهُ الآخَرُ،
وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ خَاصَّةَ خَلْقِهِ، مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ؛ فَوَصَفَ نُوحًا (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بِقَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء:3]،
وَذَكَرَ خَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَقَالَ تعالى: ﴿شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل:121]،
بَلْ وحَكَى عَنْ سُلَيْمَانَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) حِينَ رَأَى عَرْشَ بِلْقَيْسَ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ، أَنَّهُ لَمْ يَطْغَ، وَلَمْ يَفْخَرْ، بَلْ قَالَ فِي خُضُوعٍ إِلهِيٍّ: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:40].
وَكَانَ سَيِّدُ الخَلْقِ مُحَمَّدٌ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) المَثَلَ الأَعْلَى فِي هَذَا المَقَامِ؛ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: (عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَامَ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَفَطَّرَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟! فَقَالَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِكَلِمَةٍ تُكْتَبُ بِنُورٍ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟!».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَمِمَّا يَنْبَغِي تَحْرِيرُهُ عِلْمًا وَفَهْمًا لِدَقَائِقِ الشَّرِيعَةِ: “الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدِ وَالشُّكْرِ“؛ فَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنْ جِهَةِ المَطْلُوبِ، وَأَخَصُّ مِنْ جِهَةِ السَّبَبِ،
فَالحَمْدِ: هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى المَحْمُودِ، بِصِفَاتِ كَمَالِهِ وَجَلاَلِهِ، سَوَاءٌ حَصَلَتْ نِعْمَةٌ مِنْهُ عَلَى الحَامِدِ ، أَمْ لَمْ تَحْصُلْ، وَيَكُونُ بِاللِّسَانِ، وَالقَلْبِ؛
أَمَّا الشُّكْرُ: فَأَخَصُّ مِنْ جِهَةِ المُتَعَلَّقِ، وَأَعَمُّ مِنْ جِهَةِ الآلَةِ، إِذْ لاَ يَكُونُ الشُّكْرُ إِلاَّ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ، وَعَطَاءٍ، وَإِحْسَانٍ، وَصَلَ إِلَى العَبْدِ مِنَ المُنْعمِ، ولَكِنَّهُ يَقَعُ بِالقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالجَوَارِحِ جَمِيعًا.
وَلِلشُّكْرِ “دَرَجَاتٌ وَمَرَاتِبُ” يَتَفَاوَتُ فِيهَا العِبَادُ بِحَسَبِ قُوَّةِ إِيمَانِهِمْ، وَعُمْقِ مَعْرِفَتِهِمْ بِاللَّهِ: فالدَّرَجَةُ الأُولَى: شُكْرُ العَوَامِّ: وَهُوَ شُكْرُ اللَّهِ عِنْدَ السَّرَّاءِ، وَوُرُودِ النِّعَمِ الظَّاهِرَةِ
المَادِّيَّةِ، كَالصِّحَّةِ، وَالمَالِ، وَالوَلَدِ، وَالمَنَاصِبِ، وغيرها.
الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: شُكْرُ الخَوَاصِّ: وَهُوَ الشُّكْرُ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، عَلَى حَدِّ سَوَاءِ، إِذْ يَرَوْنَ فِي البَلِيَّةِ نِعْمَةً خَفِيَّةً، تُكَفِّرُ السَّيِّئَاتِ، وَفِي الاِبْتِلاَءِ اصْطِفَاءً، وَرَحْمَةً رَبَّانِيَّةً تُصْلِحُ القَلْبَ.
الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ: شُكْرُ خَوَاصِّ الخَوَاصِّ: وَهُمُ الَّذِينَ تَفْنَى إِرَادَاتُهُمْ فِي مَحَبَّةِ المُنْعِمِ جَلَّ جَلاَلُهُ، فَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى النِّعْمَةِ لِذَاتِهَا، أَوْ لِلَذَّتِهَا، بَلْ يَنْظُرُونَ إِلَى المُنْعِمِ المُتَفَضِّلِ بِهَا، فَيَكُونُ شُكْرُهُمْ اسْتِغْرَاقًا فِي جَلاَلِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ، لَا لِعَطَايَاهُ فَحَسْبُ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (الشُّكْرُ وَمَنَازِلُ الشَّاكِرِينَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَيَتَسَاءَلُ العَبْدُ المؤمن: “كَيْفَ نَشْكُرُ اللَّهَ حَقَّ شُكْرِهِ؟”؛ فَيَكُونُ الجَوَابُ: بِالاِعْتِرَافِ البَاطِنِ بِالعَجْزِ عَنْ أَدَاءِ حَقِّ النِّعَمِ، وَدَوَامِ تَسْبِيحِ المُنْعِمِ وَتَحْمِيدِهِ، وَبَذْلِ المَالِ وَالجَاهِ فِي مَرَاضِيهِ، وَاسْتِعْمَالِ الحَوَاسِّ جَمِيعِهَا فِي طَاعَتِهِ، وَبِكَثْرَةِ السُّجُودِ شُكْرًا لِلَّهِ، عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ، أَوْ انْدِفَاعِ النِّقَمِ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ المَعْصُومُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِذَا أَتَاهُ أَمْرُ سُرُورٍ، أَوْ بُشِرَ بِهِ، خَرَّ سَاجِدًا شُكْرًا لِلَّهِ المُنْعِمِ الوَهَّابِ.
وعلى هذا فيكون الشكر (بالقلب، واللسان، والجوارح): وقد دل القرآن الكريم على اعتبار الأنواع الثلاثة في قوله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ:١٣]، فلم يقل سبحانه وتعالى: (اشكروا) بدلا من (اعملوا) لينبه على التزام الأنواع الثلاثة من الشكر (بالقلب، واللسان، والجوارح).
وشكر القلب معناه: إقرار القلب بنعم الله تعالى، وأنها منه سبحانه، وقصده الخير، وإضماره لكافة الخلق، ومن شكر القلب: ما روى أن موسى -عليه السلام- قال في مناجاته: (إلهي خلقت آدم بيدك، وفعلت، وفعلت، يا رب كيف شكرك ابن آدم؟، فقال: علم أن ذلك مني، فكان ذلك شكره لي).
وشكر اللسان معناه: إظهار الشكر لله تعالى بالتحميدات الدالة على الشكر، وفي حق الخلق مكافأة صاحب النعمة بالقول الجميل، والثناء الحسن، ومن شكر اللسان: ما روى عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ فَجِئَهُ صَاحِبُ بَلَاءٍ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، فقد أدى شكر تلك النعمة» (أخرجه الترمذي)
وشكر الجوارح معناه: استعمال نعم الله تعالى في طاعته، والتوقي من الاستعانة بها على معصيته، ومن شكر الجوارح: ما روي عن ابن عطاء، أنه قال: دخلتُ على عائشةَ رضي اللهُ عنها، فقلتُ: أخبرينا بأعجبَ ما رأيتِ من رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فبكت وقالت: وأيُّ شأنِه لم يكُنْ عجَبًا؟ أتاني ليلةً فدخل معي في فراشي، أو قالت: في لحافي، حتّى مسَّ جلدي جلدَه، ثمَّ قال: يا ابنةَ أبي بكرٍ ذريني أتعبَّدُ لربِّي قالت: قلتُ: إنِّي أحبُّ قُربَك لكنِّي أوثرُ هواك فأذِنتُ له، فقام إلى قِربةِ ماءٍ، فتوضَّأ فلم يُكثِرْ صبَّ الماءِ، ثمَّ قام يُصلِّي، فبكى حتّى سالت دموعُه على صدرِه، ثمَّ ركع فبكى، ثمَّ سجد فبكى، ثمَّ رفع رأسَه فبكى، فلم يزَلْ كذلك يبكي حتّى جاء بلالٌ فآذنه بالصَّلاةِ فقلتُ: يا رسولَ اللهِ ما يُبكيك وقد غفر اللهُ لك ما تقدَّم من ذنبِك وما تأخَّر؟ قال: أفلا أكونُ عبدًا شكورًا ولم لا أفعلُ ذلك وقد أنزل اللهُ عليَّ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَواتِ والْأَرْضِ} [آل عمران:١٩٠]. (أخرجه ابن حبان عن عطاء)
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَيُمَاثِلُ شُكْرَ اللَّهِ تَعَالَى شُكْرُ المَخْلُوقِينَ، الَّذِينَ أَجْرَى اللَّهُ النِّعْمَةَ عَلَى أَيْدِيهِمْ؛ فَالمُسْلِمُ يَشْكُرُ وَالِدَيْهِ، وَيَشْكُرُ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ مِنَ النَّاسِ؛ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لاَ يَشْكُرُ النَّاسَ» رواه أبو داود وغيره.
وَمِمَا جَاءَ مِنْ “فَضَائِلِ الشُّكْرِ” فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ؛ فَمِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِهِ:
أَنَّ الشكر حِصْنٌ أَمِينٌ لِلنِّعَمِ مِنَ الزَّوَالِ، وَسَبَبٌ مُوجِبٌ لِنَيْلِ رِضَا الرَّحْمَنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:7]،
وَمِنْ فَضَائِلِ الشُّكْرِ: أَنَّ الشَّاكِرِينَ هُمُ المَنْصُورُونَ، المُوَفَّقُونَ، المَكْفِيُّونَ.
وَمِنْ فَضَائِلِ الشُّكْرِ: أَنَّ الشُّكْرَ مِنْ أَعْظَمِ السِّلاَحِ الَّذِي يُدْحَرُ بِهِ كَيْدُ الشَّيْطَانِ، حَيْثُ جَعَلَ إِبْلِيسُ اللَّعِينُ غَايَتَهُ الكُبْرَى صَدَّ النَّاسِ عَنْ الشُّكْرِ، فَقَالَ فِي كَيْدِهِ المَعْرُوفِ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن
بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:17].
وَمِنْ فَضَائِلِ الشُّكْرِ: أنه وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- ودعوته، فقد جاء في الحديث أنه -صلى الله عليه وسلم-قال لمعاذ: «فَقَالَ يَا مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا وَاللَّهِ يا معاذ إنى لأُحِبُّكَ فلا تنس أن تقول فِي دبر كُلِّ صَلَاةٍ اللَّهُمَّ أَعِنِّى عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ». (أخرجه أبو داود)
وَأَمَّا “آدَابُ الشُّكْرِ” فَتَتَجَسَّدُ فِي سُلُوكِيَّاتٍ رَاقِيَةٍ، ومتعددة:
ومنها: اسْتِصْغَارُ العَمَلِ: فَأَلاَّ يَرَى العَبْدُ شُكْرَهُ، أَوْ طَاعَتَهُ كَبِيرَةً مُسْتَكْثَرَةً عَلَى رَبِّهِ، بَلْ يَرَى أَنَّهُ مَهْمَا عَمِلَ وَشَكَرَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ حَقَّ نِعْمَةٍ وَاحِدَةٍ، مِنْ نِعَمِ البَصَرِ، أَوْ النَّفَسِ، أَوْ العَقْلِ.
ومنها: رُؤْيَةُ التَّقْصِيرِ: وَالاعْتِرَافُ الدَّائِمُ بِالعَجْزِ عَنْ شُكْرِ المُنْعِمِ حَقَّ العِرْفَانِ.
ومنها: النَّظَرُ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا: وَإِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فِي أُمُورِ الدِّينِ، لِيَسْتَعْظِمَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي عَافِيَتِهِ وَرِزْقِهِ، فَيَشْكُرَهَا بِلِسَانِهِ وَجَنَانِهِ.
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلاَ تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لاَ تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَمِنْ أَعْظَمِ البَشَائِرِ التَّي يَظْفَرُ بِهَا أَهْلُ الشُّكْرِ: “جَزَاءُ الشَّاكِرِينَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ”:
فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا: فَالسَّكِينَةُ التَّامَّةُ فِي القَلْبِ، وَالْبَرَكَةُ فِي الرِّزْقِ وَالعُمْرِ، وَالحِفْظُ الدَّائِمُ لِلنِّعَمِ مِنَ الزَّوَالِ، وَسَعَةُ العَيْشِ، وَحُسْنُ العَاقِبَةِ؛
وَأَمَّا فِي الآخِرَةِ: فَالمَزِيدُ المُتَوَاصِلُ مِنَ العَطَاءِ الإِلَهِيِّ، وَالفَوْزُ بِرِضْوَانِ اللَّهِ، وَدُخُولُ الجَنَّةِ بِسَلاَمٍ، وَالتَّمَتُّعُ بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ، حَيْثُ يُعْطَى الشَّاكِرُونَ أُجُورَهُمْ بِلاَ حِسَابٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:145].
وتَأَمَّلُوا أثَرَ العَمَلِ بِمَفْهُومِ الشُّكْرِ الحَقِيقِيِّ عَلَى حَيَاةِ الفَرْدِ وَصَلاَحِ المُجْتَمَعِ:
فإِذَا اسْتَقَرَّتْ مَعَانِي الشُّكْرِ فِي قَلْبِ المُؤْمِنِ، انْقَلَبَ بَلاؤُهُ صَبْرًا، وَنِعَمُهُ شُكْرًا، فَزَالَ عَنْهُ السُّخْطُ، وَالقُنُوطُ، وَالحَسَدُ، وَعَاشَ غَنِيَّ النَّفْسِ، رَاضِيًا بِمَا قَسَمَهُ اللَّهُ لَهُ، يَنْشُرُ البِرَّ وَالإِحْسَانَ حَوْلَهُ فِي كُلِّ أُمُورِهِ.
وَإِذَا سَادَتْ ثَقَافَةُ الشُّكْرِ فِي جَسَدِ المُجْتَمَعِ، تَنَاهَتِ الشَّكْوَى، وَانْقَطَعَ الجُحُودُ وَالبَطَرُ وَالأَشَرُ، وَتَعَاوَنَ النَّاسُ عَلَى حِفْظِ نِعَمِ اللهِ، بِالْبَذْلِ وَالعَطَاءِ وَالكَرَمِ، وَصِيَانَةِ المَوَارِدِ، فَتَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ البَرَكَاتُ مِنَ السَّمَاءِ، وَيُدْفَعُ عَنْهُمُ البَلاَءُ وَالنِّقَمُ، وَيَسُودُ الأَمْنُ وَالرَّخَاءُ، وَالاسْتِقْرَارُ بَيْنَ العِبَادِ. فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- واشْكُرُوا نِعَمَهُ الظَّاهِرَةَ وَالبَاطِنَةَ، وَعَامِلُوا آلَاءَهُ بِالطَّاعَةِ وَالإِخْلَاصِ، لِتَكُونُوا مِنْ عِبَادِهِ الشَّاكِرِينَ الفَائِزِينَ بِرِضْوَانِهِ وَجَنَّاتِ النَّعِيمِ.
الدُّعَاء
