خطبة عن (أهميةُ العلمِ، وفضلُ العلماءِ)
أكتوبر 7, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (فِتْنَةُ الشُّهْرَةِ وَحُبِّ الظُّهُورِ فِي زَمَنِ التَّرِنْدَاتِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (28) الكهف، وفي صحيح مسلم: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ». وفي سنن الترمذي:(عَنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلاَ فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ».
إخوة الإسلام
اعْلَمُوا أَنَّ لِلْقُلُوبِ آفَاتٍ تُهْلِكُهَا، وَلِلْأَهْوَاءِ شَهَوَاتٍ تَسْتَبِدُّ بِهَا، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ هَذِهِ الآفَاتِ فِي زَمَانِنَا هَذَا فِتْنَةً طَارَتْ بِهَا الرِّيَاحُ، وَشَاعَتْ بَيْنَ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ؛ فِتْنَةُ الِاسْتِعْرَاضِ، وَالشَّغَفُ بِالظُّهُورِ، وَالتَّكَالُبُ عَلَى صَنَمٍ عَصْرِيٍّ يُدْعَى “الترِنْد”.
لقد أَصْبَحَ الشَّغَفُ بِالتَّصَدُّرِ، وَالتَّكَالُبُ عَلَى جَمْعِ “المُتَابَعَاتِ” وَ”الإِعْجَابَاتِ”، وَالسَّعْيُ لِلشُّهْرَةِ بِأَيِّ ثَمَنٍ، هُوَ المُحَرِّكُ الرَّئِيسُ لِكِثِيرٍ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ وَالسُّلُوكِيَّاتِ.
فالشُّهْرَةُ وَحُبُّ الظُّهُورِ أَصْبَحَتِ صَنَمًا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ لَدَى البَعْضِ؛ فَهُمْ يُضَحُّونَ فِي سَبِيلِهَا بِالقِيَمِ، وَالأَخْلَاقِ، وَالمَبَادِئِ، بَلْ وَحَتَّى بِحُرُمَاتِ الدِّينِ وَالمُرُوءَةِ.
ولهذا فلقاؤنا اليوم- إن شاء الله تعالى- عن:(فِتْنَةُ الشُّهْرَةِ وَحُبِّ الظُّهُورِ فِي زَمَنِ التَّرِنْدَاتِ)،
وبداية: تَتَجَسَّدُ هَذِهِ الفِتْنَةُ فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ، تُدْمِي القَلْبَ:
ومِنْهَا: هَتْكُ السَّتْرِ، وَتَصْوِيرُ الخُصُوصِيَّاتِ: حَيْثُ يَقُومُ البَعْضُ بِتَصْوِيرِ دَقَائِقِ حَيَاتِهِ الأُسَرِيَّةِ، وَإِفْشَاءِ أَسْرَارِ بَيْتِهِ، وَإِهَانَةِ نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ، لِتَحْقِيقِ نِسَبِ مُشَاهَدَةٍ عَالِيَةٍ.
ومنها: صِنَاعَةُ التَفَاهَةِ وَالمُجُونِ: وذلك بإِشَاعَةُ القَوْلِ السَّاقِطِ، وَالفِعْلِ المُشِينِ، لِكَسْبِ انْتِشَارٍ سَرِيعٍ عَلَى مَنَصَّاتِ التَّوَاصُلِ.
ومنها: الخَوْضُ فِي الدِّينِ وَالأَعْرَاضِ: وذلك بإِثَارَة الشُّبُهَاتِ، وَالطَّعْنُ فِي الثَّوَابِتِ، أَوْ الوَقِيعَةُ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ وَالسُّخْرِيَةُ مِنْهُمْ، طَلَبًا لِلإِثَارَةِ وَجَذْبًا لِلأنْظَارِ.
ومنها: التَّظَاهُرُ بَالعَطَاءِ وَالخَيْرِ رِيَاءً: بتَصْوِير الفُقَرَاءِ وَالمَحْتَاجِينَ أُثْنَاءَ إِعْطَائِهِمُ الصَّدَقَاتِ، وَإِهَانَةُ كَرَامَتِهِمْ كَيْ يُقَالَ: “فُلَانٌ جَوَادٌ أَوْ مُحْسِنٌ”.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَلَعَلَّنَا نَتَسَاءَلُ: مَا الذِي دَفَعَ النَّاسَ إِلَى هَذَا الهَوَسِ المَمْقُوتِ؟، والجواب: هناك عدة عوامل:
ومنها: ضَعْفُ الإِيمَانِ وَالإِخْلَاصِ: فحِينَمَا يَخْلُو القَلْبُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَيَغِيبُ مَعْنَى الِابْتِغَاءِ لِوَّجْهِ اللهِ، يَبْحَثُ العَبْدُ عَنْ نَظَرِ المَخْلُوقِينَ لَا نَظَرِ الخَالِقِ.
ومنها: الهَوَسُ المَادِيُّ وَالكَسْبُ السَّرِيعُ: فَقَدْ أَصْبَحَتِ الشُّهْرَةُ مَعْبَرًا سَهْلًا لِلثَّرَاءِ، عَنْ طَرِيقِ الإِعْلَانَاتِ وَالرَّعَايَاتِ، فَقُدِّمَتِ المَالُ عَلَى الدِّينِ وَالمُرُوءَةِ.
ومنها: الفَرَاغُ الرُّوحِيُّ وَالفِكْرِيُّ: فغِيَابُ الأَهْدَافِ السَّامِيَةِ فِي الحَيَاةِ يَجْعَلُ الإِنْسَانَ يَبْحَثُ عَنْ إِثْبَاتِ ذَاتِهِ فِي أُمُورٍ زَائِفَةٍ.
ومنها: الانْبِهَارُ بِشَيْطَانِ المَنَصَّاتِ: حَيْثُ جَعَلَتْ هَذِهِ التِّكْنُولُوجْيَا كُلَّ صَاحِبِ هَاتِفٍ يَظُنُّ أَنَّهُ جَدِيرٌ بِأَنْ يَكُونَ شَخْصِيَّةً عَامَّةً يُشَارُ إِلَيْهَا بِالبَنَانِ.
أما عن خَطَرُ الشُّهْرَةِ وَحُبِّ الظُّهُورِ، وَنَتَائِجُهَا الوَخِيمَةُ: فإِنَّ السَّعْيَ خَلْفَ الشُّهْرَةِ لَيْسَ أَمْرًا هَيِّنًا، بَلْ هُوَ الآفَةُ التِي حَذَّرَ مِنْهَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)؛ فَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلاَ فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ المَرْءِ عَلَى المَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ].
وَمِنْ نَتَائِجِ هَذِهِ الآفَةِ المُهْلِكَةِ: مَحْقُ البَرَكَةِ، وَإِحْبَاطُ الأَعْمَالِ: فَالرِّيَاءُ وَحُبُّ الثَّنَاءِ هو الشِّرْكُ الخَفِيُّ الذِي يَمْحَقُ الحَسَنَاتِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي الحَدِيثِ الـقُدْسِيِّ: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
وَمِنْ نَتَائِجِها: شَتَاتُ القَلْبِ وَقَلَقُ النَّفْسِ: فَالشَّهِيُّ إِلَى الشُّهْرَةِ يَعِيشُ عَبْدًا لِآرَاءِ النَّاسِ؛ إِنْ مَدَحُوهُ فَرِحَ، وَإِنْ جَفَوْهُ، أَوْ قَلَّتْ المُتَابَعَاتُ حَزِنَ وَاكْتَأَبَ.
وَمِنْ نَتَائِجِها: تَبْدِيدُ الأَوْقَاتِ، وَانْتِشَارُ التَفَاهَات: إِذْ تُصْبِحُ الأُمَّةُ مَشْغُولَةً بِتَفَاهَاتِ “التَّرِنْدَاتِ” اليَوْمِيَّةِ بَدَلًا مِنَ النَّهْضَةِ فِي العِلْمِ وَالعَمَلِ وَالبِنَاءِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَعْرِفَ العَظَمَةَ الحَقِيقِيَّةَ، فَلْنَنَظُرْ إِلَى مَقَامِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)؛ وَهُوَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَأَعْظَمُ البَشَرِيَّةِ قَاطِبَةً، فقد كَانَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِذَا دَخَلَ المَجْلِسَ جَلَسَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِسُ. وَكَانَ يَنْهَى أَنْ يُقَامَ لَهُ، أَوْ يُتَمَيَّزَ عَنْ أَصْحَابِهِ.
حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ الغَرِيبُ يَدْخُلُ المَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) جَالِسٌ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُفَرِّقَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَّخِذُ زِيًّا مُمَيَّزًا، وَلَا مَكَانًا مُرْتَفِعًا.
وفي صحيح البخاري: (أن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – فِي الْمَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ وَالنَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ. فَقُلْنَا هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «قَدْ أَجَبْتُكَ». فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَلاَ تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ. فَقَالَ «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ»… الحديث.
وفي حديث الهجرة، كما في البخاري: (..حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِى عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَذَلِكَ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- صَامِتًا، فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم – يُحَيِّى أَبَا بَكْرٍ، حَتَّى أَصَابَتِ الشَّمْسُ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – عِنْدَ ذَلِكَ ،..)
وَعَلَى هَذَا الهَدْيِ النَّبَوِيِّ الكَرِيمِ، سَارَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَالسَّلَفُ الصَّالِحُ؛ فَقَدْ كَانُوا يَفِرُّونَ مِنَ الشُّهْرَةِ كَمَا يَفِرُّ الإِنْسَانُ مِنَ الأَسَدِ المفترِسِ،
وقد رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ كَانَ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ اليَمَنِ سَأَلَهُمْ: “أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟” حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ فَقَالَ: “أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟” قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: “مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟” قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: “فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟” قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: “لَكَ وَالِدَةٌ أَنْتَ بِهَا بَرٌّ؟” قَالَ: نَعَمْ. قَالَ عُمَرُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: «يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلاَّ مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ»؛ فَاسْتَغْفِرْ لِي! فَاسْتَغْفَرَ لَهُ! فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الكُوفَةَ. قَالَ: أَلَا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ فَقَالَ أُوَيْسٌ الزَّاهِدُ المُخْلِصُ: «أَنْ أَكُونَ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ»!.
فَلَمَّا كَانَ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ، حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَوَافَقَ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أُوَيْسٍ، فَقَالَ: تَرَكْتُهُ قَلِيلَ المَتَاعِ رَثَّ البَيْتِ، فَذَكَرَ لَهُ الحَدِيثَ.
فَلَمَّا عَادَ الرَّجُلُ إِلَى أُوَيْسٍ قَالَ لَهُ: اسْتَغْفِرْ لِي، فَقَالَ أُوَيْسٌ: “أَنْتَ أَقْرَبُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ فَاسْتَغْفِرْ لِي”، ثُمَّ قَالَ: “لَقِيتَ عُمَرَ؟” قَالَ: نَعَمْ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ. فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ، فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ (أَيْ هَرَبَ وَرَحَلَ إِلَى الشَّامِ خَوْفًا مِنَ الشُّهْرَةِ وَالثَّنَاءِ).
وَهَذَا الإِمَامُ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، كَانَ إِذَا حَدَّثَ بِالحَدِيثِ، فَقَهَرَهُ البُكَاءُ خَشْيَةً، مَسَحَ وَجْهَهُ وَقَالَ: “مَا أَشَدَّ الزُّكَامَ!”؛ يُوهِمُ النَّاسَ أَنَّهُ مَزْكُومٌ؛ سَتْرًا لِإِخْلَاصِهِ وَطَرْدًا لِلشُّهْرَةِ.
وَكَانَ الإِمَامُ أَحْمَدُ يَبْكِي وَيَقُولُ: “بُلِيتُ بِالشُّهْرَةِ، وَوَدِدْتُ أَنِّي فِي فَجٍّ بِمَكَّةَ لا أُعْرَفُ!”.
وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ يَقُولُ: “مَا صَدَقَ اللهَ عَبْدٌ أَحَبَّ الشُّهْرَةَ”.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (فِتْنَةُ الشُّهْرَةِ وَحُبِّ الظُّهُورِ فِي زَمَنِ التَّرِنْدَاتِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إن الإسلام بطبيعته المعتدلة، يريد لأفراده أن يكونوا صالحين، متوازنين، لا يغترون بالدنيا، أو تتعلق بها قلوبهم، فما مد أحدٌ عينيه إلى متاعها، إلا واشرأبت نفسه، وقارب الفتنة، أو حام حول حماها، والسعيد من جعلها مطيةً للآخرة، فصارت له دار ممر، لا دار مقر،
قال تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [131طه]،
وأمر مدافعة حب الشهرة والظهور، والرغبة في ذيوع الصيت، شاق بلا شك، وإنما يوفق لمدافعته المخلصون من عباد الله، ولكنه يسير على من يسره الله عليه.
ولِكَيْ نَحْمِيَ أَنْفُسَنَا وَمُجْتَمَعَاتِنَا مِنْ هَذِهِ الآفَةِ المُهْلِكَةِ، لا بُدَّ مِنِ اتِّبَاعِ خُطُوَاتٍ عَمَلِيَّةٍ:
ومنها: تَحْقِيقُ الإِخْلَاصِ وَالخَبِيئَةِ الصَّالِحَةِ: بأَنْ يَكُونَ لِلْعَبْدِ طَاعَاتٌ وَصَدَقَاتٌ وَدَعَوَاتٌ فِي السِّرِّ لَا يَعْلَمُ بِهَا إِلا اللهُ، كَمَا قَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَبِيءٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فَلْيَفْعَلْ» [صَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].
ومنها: الحَذَرُ مِنَ التَّصْوِيرِ العَبَثِيِّ: بأَنْ يَتَوَقَّفَ المَرْءُ عَنْ نَشْرِ حَيَاتِهِ الخَاصَّةِ وَتَفَاصِيلِ يَوْمِيَّاتِهِ؛ فَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ، وَالسَّتْرُ شِعَارُ الصَّالِحِينَ.
ومنها: مُقَاطَعَةُ التَفَاهَةِ وَالمُحْتَوَى السَّاقِطِ: فَالمُتَابِعُ شَرِيكٌ فِي الإِثْمِ؛ فَمَنْ يُتَابِعِ التَّفَاهَةَ يُسَاهِمُ فِي رَفْعِ أَهْلِهَا وَجَعْلِهِمْ “تَرِنْدًا”، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:140].
ومنها: تَذَكُّرُ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ: بأَنْ يَعْلَمَ الإِنْسَانُ أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ، وَكُلَّ مَقْطَعٍ، وَكُلَّ صُورَةٍ سَيُسْأَلُ عَنْهَا يَوْمَ القِيَامَةِ؛ ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:18].
الدعاء
