خطبة عن (الحُبُّ وَالخَوْفُ وَالرَّجَاءُ)
أكتوبر 5, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الزكاةُ طُهرةٌ لِلنَّفسِ وبَركةٌ لِلمَالِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ مُخَاطِبًا نَبِيَّهُ ﷺ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة:103]. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ: «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» [متفق عليه].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّنَا اليَوْمَ مَعَ الرُّكْنِ الذِي قَرَنَهُ اللهُ بِالصَّلَاةِ فِي اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ مَوْضِعًا فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ، لَقَدْ جَاءَ الإِسْلَامُ لِيُوَازِنَ بَيْنَ حَقِّ الرُّوحِ فِي الصَّلَاةِ، وَحَقِّ المُجْتَمَعِ فِي الزَّكَاةِ،
وَلَيْسَ اخْتِيَارُ اسْمِ “الزَّكَاةِ” عَبَثًا؛ فَالزَّكَاةُ فِي اللُّغَةِ تَعْنِي “النَّمَاءَ” وَتَعْنِي “الطَّهَارَةَ”، فَالمَالُ الذِي تُخْرِجُ زَكَاتَهُ لَا يَنْقُصُ أَبَدًا، بَلْ يَنْمُو بِبَرَكَةِ اللهِ، وَالنَّفْسُ الَّتِي تَبْذُلُ هَذَا الحَقَّ تَتَطَهَّرُ مِنْ رِجْسِ الشُّحِّ، وَأَدْرَانِ البُخْلِ،
وفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا. وَيَقُولُ الآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا».
والزَّكَاة لَيْسَتْ مِنَّةً مِنَ الغَنِيِّ عَلَى الفَقِيرِ، وَلَا هِيَ تَفَضُّلٌ يَحْمِلُ مَعَهُ المَنَّ وَالأَذَى، بَلْ هِيَ “حَقٌّ وَاجِبٌ” وَدَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ، قَالَ تَعَالَى:
{وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج:24-25].
فَالغَنِيُّ حِينَمَا يُخْرِجُ زَكَاةَ مَالِهِ، إِنَّمَا يُؤَدِّي أَمَانَةً اسْتَوْدَعَهُ اللهُ إِيَّاهَا، لِيُوصِلَهَا إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا،
وَمَا ضَاعَ فَقِيرٌ إِلَّا بِمَا مَنَعَ غَنِيٌّ، فَالزَّكَاةُ هِيَ صِمَامُ أَمَانِ المُجْتَمَعِ، وَهِيَ الجِسْرُ الذِي يَمُدُّ رَوَابِطَ المَحَبَّةِ بَيْنَ الطَّبَقَاتِ، فَيَزُولُ الحَسَدُ مِنَ القُلُوبِ، وَيَحِلُّ مَكَانَهُ الدُّعَاءُ وَالوِئَامُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» [أخرجه مسلم]. فهَذَا قَسَمٌ نَبَوِيٌّ يُطَمْئِنُ المُنْفِقِينَ؛ فَالشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ، وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا، فالمَالُ مَالُ اللهِ، وَالإِنْسَانُ مُسْتَخْلَفٌ فِيهِ،
فَإِذَا أَدَّى العَبْدُ زَكَاةَ مَالِهِ، حَصَّنَ أَمْوَالَهُ مِنَ التَّلَفِ، وَبَارَكَ اللهُ لَهُ فِي القَلِيلِ حَتَّى يَصِيرَ كَثِيرًا،
وَأَمَّا مَنْ حَبَسَ حَقَّ اللهِ، فَقَدْ جَعَلَ مَالَهُ وَبَالًا عَلَيْهِ؛ فَمَا خَالَطَتِ الزَّكَاةُ مَالًا إِلَّا أَهْلَكَتْهُ إِذَا لَمْ تُخْرَجْ.
والزَّكَاة تَصْنَعُ مُجْتَمَعًا مُتَكَافِلًا، لَا جَائِعَ فِيهِ وَلَا مَحْرُومَ، فهِيَ عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ، تُعَلِّمُنَا أَنَّ الإِيمَانَ لَيْسَ تَمْتَمَةً بِاللِّسَانِ، بَلْ هُوَ بَذْلٌ وَتَضْحِيَةٌ،
فَاتَّقُوا اللهَ فِي أَمْوَالِكُمْ، وَاحْصُوا زَكَاةَ عُرُوضِ تِجَارَتِكُمْ وَذَهَبِكُمْ، وَمُدَّخَرَاتِكُمْ، وَأَعْطُوهَا لِمُسْتَحِقِّيهَا بِطِيبِ نَفْسٍ، لِتَنَالُوا رِضَا رَبِّكُمْ، وَتَسْعَدُوا فِي دُنْيَاكُمْ وَآخِرَتِكُمْ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللهُ تَعَالَى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ:39]. فمَنْ جَادَ جَادَ اللهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ بَخِلَ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَلَى نَفْسِهِ،
ولَقَدْ حَذَّرَنَا اللهُ مِنْ كَنْزِ الأَمْوَالِ دُونَ أَدَاءِ حَقِّهَا، فَقَالَ تعالى:
{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة:34].
فإِنَّ المَالَ الذِي لَا تُخْرَجُ زَكَاتُهُ، يَنْقَلِبُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوِّقُ عُنُقَ صَاحِبِهِ وَيَقُولُ: (أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ)، ففي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم –
«مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ – يَعْنِي شِدْقَيْهِ – ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ ، أَنَا كَنْزُكَ» ثُمَّ تَلاَ (لاَ يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) الآيَةَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فاجْعَلُوا مِنْ زَكَاتِكُمْ بَلْسَمًا لِجِرَاحِ الفُقَرَاءِ، وَعَوْنًا لِلْأَرَامِلِ وَالأَيْتَامِ، فَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ، ولَا تَنْتَظِرُوا أَنْ تَحِلَّ بِكُمْ النَّكَبَاتُ لِتَتَصَدَّقُوا، بَلْ سَارِعُوا وَأَنْتُمْ فِي صِحَّةٍ وَغِنًى،
واعلموا أنَّ بَرَكَةَ الزَّكَاةِ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى المَالِ، بَلْ تَمْتَدُّ لِتَشْمَلَ الصِّحَّةَ فِي البَدَنِ، وَالصَّلَاحَ فِي الذُّرِّيَّةِ، وَالطُّمَأْنِينَةَ فِي القَلْبِ،
فاللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يُؤَدُّونَ حَقَّكَ فِي أَمْوَالِهِمْ. وطَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الشُّحِّ، وَنُفُوسَنَا مِنَ البُخْلِ. واجْعَلْ أَمْوَالَنَا عَوْنًا لَنَا عَلَى طَاعَتِكَ، وَارْزُقْنَا الإِخْلَاصَ فِي القَوْلِ وَالعَمَلِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (الزكاة طُهرةٌ لِلنَّفسِ وبَركةٌ لِلمَالِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ المَجِيدِ: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261].
وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ» [أخرجه مسلم].
فإن المَالَ مَحْبُوبٌ لِلنُّفُوسِ، فَإِذَا بَذَلَهُ العَبْدُ طَوْعًا لِلهِ، كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا قَاطِعًا، وَبُرْهَانًا صَادِقًا، عَلَى صِحَّةِ إِيمَانِهِ، وَقُوَّةِ يَقِينِهِ بِمَا عِنْدَ اللهِ،
فالزكاة والصَّدَقَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَالٍ يُدْفَعُ، بَلْ هِيَ “تِجَارَةٌ مَعَ اللهِ” لَا تَعْرِفُ الخُسْرَانَ، وهِيَ دَوَاءٌ لِلأَمْرَاضِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ». وَهِيَ دَفْعٌ لِلْبَلَاءِ؛ فَمَا اسْتُدْفِعَتْ نِقَمُ اللهِ بِمِثْلِ طَاعَتِهِ وَالإِحْسَانِ إِلَى خَلْقِهِ،
وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، أَنَّ الصَّدَقَةَ تَكُونُ سِتْرًا لَكَ مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ، كَمَا قَالَ ﷺ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» [متفق عليه]. فَلَا تَسْتَصْغِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا، فَرُبَّ دِرْهَمٍ سَبَقَ أَلْفَ دِرْهَمٍ بِإِخْلَاصِ صَاحِبِهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ لِلصَّدَقَةِ “أَدَبًا” يَرْفَعُ قِيمَتَهَا عِنْدَ اللهِ؛ وَأَوَّلُ هَذِهِ الآدَابِ: “الإِخْفَاءُ” كُلَّمَا أَمْكَنَ، لِيَكُونَ العَبْدُ مِمَّنْ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ، حَيْثُ: «تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ».
وَمِنْ آدَابِهَا أَيْضًا: “طِيبُ المَطْعَمِ“؛ فَاللهُ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَأَهَمُّهَا “تَرْكُ المَنِّ وَالأَذَى”؛ فَالذِي يَمُنُّ بَعَطَائِهِ يَكْسِرُ قَلْبَ الفَقِيرِ، وَيُبْطِلُ أَجْرَ الصَّدَقَةِ، قَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} البقرة:264. فَاجْعَلُوا بَذْلَكُمْ رَحْمَةً، وَعَطَاءَكُمْ سَكِينَةً.
وتَخَيَّلُوا ذَلِكَ المَشْهَدَ المَهُولَ، يَوْمَ تَدْنُو الشَّمْسُ مِنَ الرُّؤُوسِ، فهُنَاكَ لَا ظِلَّ إِلَّا مَا قَدَّمْتَ، قَالَ ﷺ: «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ» [أخرجه أحمد].
فصَدَقَتُكَ اليَوْمَ هِيَ “مِظَلَّتُكَ” غَدًا، وَبَذْلُكَ فِي الدُّنْيَا هُوَ سَعَتُكَ فِي الآخِرَةِ، فَسَابِقُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- إِلَى هَذَا الفَضْلِ، وَاجْعَلُوا لَكُمْ خَبِيئَةً مِنَ العَمَلِ الصَّالِحِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} [المزمل: 20]. فإِنَّ مِنَ الحِكْمَةِ أَنْ يَغْرِسَ الإِنْسَانُ غَرْسًا يَأْكُلُ مِنْ ثَمَرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ وَتِلْكَ هِيَ “الصَّدَقَةُ الجَارِيَةُ”. قَالَ ﷺ: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [أخرجه مسلم].
وسَقْيُ مَاءٍ، أَوْ بِنَاءُ مَسْجِدٍ، أَوْ كَفَالَةُ يَتِيمٍ، أَوْ طِبَاعَةُ كِتَابٍ نَافِعٍ.. كُلُّهَا أَنْهَارٌ مِنَ الحَسَنَاتِ تَجْرِي إِلَيْكَ وَأَنْتَ فِي قَبْرِكَ.
ولَا تَنْظُرُوا إِلَى قِلَّةِ مَا تُنْفِقُونَ، بَلْ انْظُرُوا إِلَى عِظَمِ مَنْ تُنْفِقُونَ لَهُ، فإِنَّ اللهَ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ (فَلُوَّهُ) حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ.
فَأَحْسِنُوا الظَّنَّ بِرَبِّكُمْ، وَجُودُوا مِمَّا جَادَ اللهُ بِهِ عَلَيْكُمْ؛ فَمَا بَخِلَ أَحَدٌ إِلَّا ضَاقَتْ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ، وَمَا جَادَ أَحَدٌ إِلَّا اتَّسَعَتْ لَهُ آخِرَتُهُ.
( الدعاء )
