خطبة عن (السُّفَهَاءُ، وَكَيْفَ نتعامل مَعَهُمْ؟)
مايو 3, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الحج أركانه وفضائله)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) [الحج:27-28]. وفي الصحيحين: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَحَجِّ الْبَيْتِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ».
إخوة الإسلام
إِنَّ الحَجَّ إِلَى بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ هُوَ عِبَادَةُ العُمُرِ، وَخِتَامُ الأَمْرِ، وَرُكْنُ الإِسْلَامِ، الَّذِي تَجْتَمِعُ فِيهِ عِبَادَةُ البَدَنِ وَالمَالِ وَالقَلْبِ، هُوَ رِحْلَةٌ نَحْوَ المَلِكِ القُدُّوسِ، يَتَجَرَّدُ فِيهَا العَبْدُ مِنْ مَحِيطِ ثِيَابِهِ، وَمِنْ شَوَاغِلِ دُنْيَاهُ، لِيَقِفَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ خَاضِعاً ذَلِيلاً، يَرْجُو رَحْمَتَهُ وَيَخْشَى عَذَابَهُ.
ولِلْحَجّ فَضَائِل تَعْجِزُ الكَلِمَاتُ عَنْ حَصْرِهَا، وَيَكْفِيهِ شَرَفاً أَنَّهُ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ مِنَ الآثَامِ، فقد قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟» [رواه مسلم]. وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» [رواه البخاري ومسلم]. فَأَيُّ كَرَامَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ العَبْدُ صَفِيّاً نَقِيّاً مِنْ دَنَسِ الذُّنُوبِ، كَأَنَّمَا بَدَأَ حَيَاتَهُ مِنْ جَدِيدٍ؟
وَمِنْ فَضَائِلِهِ: أَنَّ الحَجَّ المَبْرُورَ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةَ، وَالحَجُّ المَبْرُورُ هُوَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ إِثْمٌ، وَالَّذِي خَرَجَ فِيهِ العَبْدُ مِنْ مَالٍ حَلَالٍ، وَأَخْلَصَ فِيهِ النِّيَّةَ لِذِي الجَلَالِ، إِنَّهُ سِيَاحَةٌ إِيمَانِيَّةٌ، يَرَى فِيهَا المُسْلِمُ وَحْدَةَ الأُمَّةِ، وَقُوَّةَ الرَّابِطَةِ، حَيْثُ لَا فَرْقَ بَيْنَ عَرَبِيٍّ وَلَا أَعْجَمِيٍّ، وَلَا غَنِيٍّ وَلَا فَقِيرٍ؛ فكُلُّهُمْ لَبِسُوا كَفَناً أَبْيَضَ، وَلَبَّوْا لِرَبٍّ وَاحِدٍ، وَوَقَفُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ. وَقَدْ سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ»، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» [رواه البخاري].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ولهذه الشعيرة مقاصد وأهداف وغايات، علينا أن نتفهمها، فمن هذه المقاصد التي ينبغي للزائر أن يفهمها:
المقصد الأول من مقاصد الحج: تحقيق التوحيد والإخلاص لله عز وجل: فالله تعالى لم يأمر نبيه إبراهيم -عليه السلام- ببناء البيت إلّا لتحقيق توحيده سبحانه، حيث قال تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا} [الحج:26].
وأمّا عن تحقيق الإخلاص فقد قال الله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة:196].
والمقصد الثاني من مقاصد الحج: تحقيق معنى العبودية والانقياد لله سبحانه وتعالى: وهذا يظهر بوضوح عند استجابة الحاج للقيام بأركان وواجبات هذه الفريضة، من ارتداء لباس الإحرام، والطواف بالكعبة، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة، فهو يقوم بهذا الأعمال منقادًا لأمر الله تعالى، ومتأسيًا برسول الله صلى الله عليه وسلـم- وإن غابت عنه الحكم والمقاصد من القيام بهذا الأفعال، إلّا أنه لم يغب عنه أنه عبد منقاد لأمر سيده ومولاه . ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم- في الحج على الخصوص: (لبَّيك بحَجَّةٍ حقًّا؛ تعبُّدًا ورِقًّا)،
أما المقصد الثالث من مقصد الحج: فهو: تنقية النفس من الأخلاق المذمومة: فقد نهى اللهُ سبحانه وتعالى الحاج عن الفحش والسباب واللغو والجدال، فقال تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} [البقرة:197].
فيعتاد المسلم على الابتعاد عن مثل هذه الأخلاق المذمومة بعد الحج؛ لأنها مذمومة في كلّ زمان ومكان.
أما المقصد الرابع من مقاصد الحج فهو: التنبيه على أهمية الاستعداد للآخرة: فقد نبّه الله سبحانه وتعالى الحاج الذي يتزود عند سفره بما يكفيه من زاد الدنيا من مال وطعام وغيره، ألّا ينسى التزوّد للدار الآخرة، وخير ما يتزود به في سفره للدار الآخرة هو تقوى الله سبحانه، وذلك بفعل الطاعات، واجتناب المعاصي والسيئات، فقال تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة:197].
أما المقصد الخامس من مقاصد الحج فهو: الحثّ على تعظيم شعائر الله سبحانه: فالمسلم عندما يعتاد على تعظيم شعائر الله المتمثلة في أعمال الحج من الطواف والوقوف بعرفة ورمي الجمار وذبح الهدي وغيرها، فإنّ ذلك يربي في نفسه تعظيم أوامر الله وتقواه في كلّ وقت؛ لذلك قال الله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32].
والمقصد السادس: الاعتدال والموازنة بين المصالح الدنيوية والأخروية: فقد أباح الله -سبحانه- للحاجّ أن يجمع بين أداء المناسك وبين التجارة والتكسّب، بشرط أن لا تؤثِّر على المقصد الأصلي ألَا وهو العبادة، قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة:198]، وقال سبحانه: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} [الحج:28].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَلِكَيْ يَكُونَ الحَجُّ صَحِيحاً مَقْبُولاً، فَلَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ بِأَرْكَانِهِ الَّتِي لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهَا، وَأَرْكَانُ الحَجِّ أَرْبَعَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ العِلْمِ: أَوَّلُهَا: “الإِحْرَامُ“؛ وَهُوَ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِي النُّسُكِ، وَمَحَلُّهَا القَلْبُ.
ثَانِيهَا: “الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ“؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الحَجُّ عَرَفَةُ» [رواه التّرمذي وحسّنه].
ثَالِثُهَا: “طَوَافُ الإِفَاضَةِ“؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج:29].
رَابِعُهَا: “السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ“؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْعَوْا؛ فَإِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» [رواه أحمد].
فهَذِهِ الأَرْكَانُ مَنْ تَرَكَ وَاحِداً مِنْهَا لَمْ يَتِمَّ حَجُّهُ، وَلَا يُجْبَرُ تَرْكُهَا بِدَمٍ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهَا.
ومَنْ أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ بَيْتَ اللهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَفَقَّهَ فِي أَحْكَامِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْحَلَ إِلَيْهِ، فَالْعِبَادَةُ عَلَى جَهْلٍ رُبَّمَا أَوْقَعَتِ الصَّاحِبَ فِي المَحْظُورِ،
وَمِنْ تَمَامِ الرِّحْلَةِ: أَنْ يَسْتَعِدَّ العَبْدُ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، وَرَدِّ المَظَالِمِ إِلَى أَهْلِهَا، وَنَفَقَةٍ طَيِّبَةٍ لَا شَوْبَ فِيهَا.
فَمَا ظَنُّكُمْ بِمَنْ دَعَاهُ مَلِكُ المُلُوكِ لِزِيَارَةِ بَيْتِهِ؟، أَلَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ أَنْ يَتَهَيَّأَ لَهُ العَبْدُ بِأَحْسَنِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الخُلُقِ وَاليَقِينِ؟، فَالْحَجُّ رِحْلَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ، تُعَلِّمُ الصَّبْرَ عَلَى المَشَقَّةِ، وَالرِّفْقَ بِالخَلْقِ، وَالإِخْلَاصَ لِلْخَالِقِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (الحج أركانه وفضائله)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
إِنَّ شَوْقَ القُلُوبِ إِلَى مَكَّةَ لَا يَنْقَطِعُ، وَإِنَّ دَعْوَةَ الخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ قَالَ: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) [إبراهيم:37] فلَا تَزَالُ تَتَرَدَّدُ فِي كُلِّ قَلْبٍ مُؤْمِنٍ، وَلَكِنَّ العِبْرَةَ لَيْسَتْ فَقَطْ بِالْوُصُولِ إِلَى الكَعْبَةِ، بَلْ بِالْوُصُولِ إِلَى طَاعَةِ اللهِ،
وَمَنْ حُرِمَ السَّفَرَ بِبَدَنِهِ لِعُذْرٍ، فَلَا يُحْرَمُ السَّفَرَ بِقَلْبِهِ وَنِيَّتِهِ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَنْ حَبَسَهُمُ العُذْرُ فِي المَدِينَةِ: «إِنَّ بِالمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ» [رواه مسلم].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الوَاجِبَاتِ فِي الحَجِّ بَعْدَ الأَرْكَانِ: الإِتْيَانُ بِالوَاجِبَاتِ الأُخْرَى كَالمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى، وَرَمْيِ الجِمَارِ، وَطَوَافِ الوَدَاعِ، وَالَّتِي يُجْبَرُ نَقْصُهَا بِذَبْحِ فِدْيَةٍ.
فَكُنْ -أَيُّهَا الحَاجُّ- سَمْحاً هَيِّناً لَيِّناً، مُبْتَعِداً عَنِ الجِدَالِ وَالمِرَاءِ، مُنْفِقاً مِنْ وَقْتِكَ وَجُهْدِكَ لِخِدْمَةِ إِخْوَانِكَ، فَإِنَّ تِلْكَ هِيَ رُوحُ الحَجِّ وَجَوْهَرُهُ.
فَلْنَعْزِمِ النِّيَّةَ عَلَى عِبَادَةِ اللهِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ المُبَارَكَةِ، وَلْنَسْتَعِدَّ لِمَوْسِمِ الطَّاعَةِ بِتَجْدِيدِ التَّوْبَةِ. فاللَّهُمَّ بَلِّغْنَا بَيْتَكَ الحَرَامَ، وَارْزُقْنَا حَجّاً مَبْرُوراً، وَذَنْباً مَغْفُوراً، وَسَعْياً مَشْكُوراً.
اللَّهُمَّ أَعِنِ الحُجَّاجَ عَلَى أَدَاءِ مَنَاسِكِهِمْ، وَرُدَّهُمْ إِلَى أَهْلِيهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذِهِ الرِّحْلَةَ خَالِصَةً لِوَجْهِكَ الكَرِيمِ، وَتَقَبَّلْ مِنَّا وَمِنْهُمْ صَالِحَ الأَعْمَالِ.
الدعاء
