خطبة عن (الإِنَابَةُ إِلَى اللَّهِ)
أبريل 30, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (من دلالات: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى عن مريم: (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا) (22): (26) مريم
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم- إن شاء الله تعالى- مع: (من دلالات قوله تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ)، ومعنى: (وهزي إليك بجذع النخلة): أي حركي ذلك الجذع، ويقول علماء التفسير: قوله تعالى: “وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا” (مريم:25)، تحمل دلالات إيمانية، وتربوية عميقة، فهي تشير إلى أمر الله تعالى للسيدة (مريم) بالأخذ بالأسباب (هز الجذع)، رغم ضعفها بعد الولادة، ليؤكد أن الرزق وإن كان من الله، فهو يتطلب سعياً،
وقالوا: لمّا تعجبت مريم وطرحت هذا السؤال: (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) (20) مريم، جاءها الجواب: (قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا) (21) مريم، فأراها الله تعالى مشهداً تبصره بأم عينها، يثبت لها الجواب، وهو أن الله عندما يقول للشيء كن فيكون، فما إن هزّت مريم جذع النخلة اليابس الميّت، حتى أثمرت الرطب في الحال، من دون تلقيح، فتساقط رطب مذاقه طيب،.. فأراد الله لها أن تأنس وتطمئن بما تراه من لطف الله بها، وأن الله تعالى لن يتخلى عنها،
(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ): فكأن المولى تبارك وتعالى يقول لها: يا مريم من جعل النخلة تعود إليها حياتها، وتثمر من دون تلقيح، هو الذي جعلكِ تحملين دون أن يمسسك بشر، فلما رأت ذلك، أيقنت أن الله تعالى معها، فقابلت قومها بقوة واطمئنان، وحينما سألوها، فأشارت إلى الطفل، ليتولى الإجابة عن سؤالهم، فتكلم ذلك الوليد في أول أيامه: بأنه عبد الله تعالى، آتاه الكتاب وأوصاه بالبرّ بأمه، والقوم يسمعون كلامه بوضوح.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقوله تعالى: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) [مريم:23-25]. فإِنَّنَا أَمَامَ مَشْهَدٍ عَظِيمٍ مِنْ مَشَاهِدِ القُرْآنِ، يَتَجَلَّى فِيهِ لُطْفُ اللهِ بِعِبَادِهِ، وَتَبْرُزُ فِيهِ دَلَالَاتٌ عَمِيقَةٌ فِي مَفْهُومِ التَّوَكُّلِ، وَالأَخْذِ بِالأَسْبَابِ، وَكَيْفَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُرَبِّي أَوْلِيَاءَهُ فِي أَحْلَكِ الظُّرُوفِ.
وأَوَّلُ دَلَالَاتِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) هِيَ “مَشْرُوعِيَّةُ الأَخْذِ بِالأَسْبَابِ”. فَمَرْيَمُ عَلَيْهَا السَّلَامُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ كَانَتْ فِي حَالَةٍ مِنَ الضَّعْفِ البَشَرِيِّ الشَّدِيدِ؛ أَلَمُ المَخَاضِ، وَوِحْدَةُ الغُرْبَةِ، وَهَمُّ مُواجَهَةِ القَوْمِ، وَمَعَ ذَلِكَ، لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهَا الرُّطَبُ دُونَ جُهْدٍ، بَلْ أُمِرَتْ بِالحَرَكَةِ “وَهُزِّي”.
وإِنَّ الله القَادِرَ عَلَى إِيجَادِ الطَّعَامِ لَهَا فِي المِحْرَابِ صَيْفاً وَشِتَاءً دُونَ عَنَاءٍ، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُسْقِطَ الرُّطَبَ دُونَ هَزٍّ، ولَكِنَّهُ تَعَالَى يُرِيدُ أَنْ يُعَلِّمَنَا: أَنَّ السَّمَاءَ لَا تُمْطِرُ ذَهَباً وَلَا فِضَّةً، وَأَنَّه عَلَى المُؤْمِنِ أَنْ يَبْذُلَ مَا فِي وُسْعِهِ، ثُمَّ يَتْرُكَ النَّتَائِجَ لِرَبِّ السَّبَبِ.
(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ): وتَأَمَّلُوا فِي اخْتِيَارِ “الجِذْعِ” دُونَ الثَّمَرَةِ أَوْ الغُصْنِ، فَقَالَ: (بِجِذْعِ النَّخْلَةِ)، وَالجِذْعُ هُوَ أَصْلَبُ مَا فِي النَّخْلَةِ وَأَثْبَتُهُ، وَهَزُّهُ مِنِ امْرَأَةٍ نُفَسَاءَ ضَعِيفَةٍ لَا يُحَرِّكُ فِيهِ شَيْئاً فِي المَقَايِيسِ المَادِّيَّةِ، وَهُنَا نَلْمَحُ دَلَالَةً بَدِيعَةً: أَنَّ المَطْلُوبَ مِنْكَ لَيْسَ “إِيْجَادُ النَّتِيجَةِ”، بَلْ المَطْلُوبُ هُوَ “الِامْتِثَالُ لِلأَمْرِ”، فَمَتَى مَا بَذَلْتَ جُهْدَكَ الصَّادِقَ -مَهْمَا كَانَ بَسِيطاً- فَتَحَ اللهُ لَكَ أَبْوَابَ المَعُونَاتِ، الَّتِي لَا تَخْطُرُ لَكَ عَلَى بَالٍ، فَالثَّمَرَةُ سَقَطَتْ بِقُدْرَةِ اللهِ، لَا بِقُوَّةِ هَزِّ مَرْيَمَ، ولَكِنَّ اللهَ لَا يَهَبُ نَصْرَهُ وَرِزْقَهُ لِلْقَاعِدِينَ المُتَوَاكِلِينَ.
(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ): وَمِنْ دَلَالَاتِ الآيَةِ أَيْضاً: اخْتِيَارُ “النَّخْلَةِ” بِذَاتِهَا، فَالنَّخْلَةُ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ رَمْزٌ لِلْمُؤْمِنِ؛ فِي ثَبَاتِهَا، وَخَيْرِهَا الدَّائِمِ، وَصَبْرِهَا عَلَى الرِّيَاحِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ.. هِيَ النَّخْلَةُ » [رواه البخاري]. وَكَأَنَّ اللهَ يُرِيدُ مِنْ مَرْيَمَ -وَمِنْ كُلِّ مُبْتَلًى- أَنْ يَسْتَمِدَّ القُوَّةَ مِنَ الثَّبَاتِ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ بَعْدَ الشِّدَّةِ فَرَجاً، وَأَنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ المُبَارَكَةَ لَا تُعْطِي طَيِّبَ ثَمَرِهَا، إِلَّا بَعْدَ صَبْرٍ طَوِيلٍ عَلَى حَرِّ الشَّمْسِ وَقَحْطِ الأَرْضِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقَوْلهُ تَعَالَى: (تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا): فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى رَحْمَةِ اللهِ بِالنِّسَاءِ، وَفِيهِ إِعْجَازٌ طِبِّيٌّ بَيَّنَهُ العِلْمُ الحَدِيثُ؛ فَالرُّطَبُ مِنْ أَفْضَلِ الأَغْذِيَةِ لِلْمَرْأَةِ فِي حَالِ الوِلَادَةِ، لِمَا فِيهِ مِنْ مُنَبِّهَاتٍ لِعَضَلَاتِ الرَّحِمِ، وَمَوَادَّ سُكَّرِيَّةٍ سَرِيعَةِ الِامْتِصَاصِ، تَمُدُّ الضَّعِيفَ بِالطَّاقَةِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ جَمَعَتِ الآيَةُ بَيْنَ التَّرْبِيَةِ الإِيمَانِيَّةِ، وَالرِّعَايَةِ الجَسَدِيَّةِ، فإِنَّ رَبَّنَا رَحِيمٌ، لَا يَتْرُكُ عَبْدَهُ فِي سَاعَةِ الكَرْبِ، بَلْ يُهَيِّئُ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ مِرْفَقاً، وَيُرْشِدُهُ لِمَا فِيهِ صَلَاحُ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ.
ومن الملاحظ أنَّ العِبْرَةَ مِنْ قِصَّةِ الهَزِّ وَالنَّخْلَةِ لَيْسَتْ مَقْصُورَةً عَلَى مَرْيَمَ (عَلَيْهَا السَّلَامُ)، وحدها، بَلْ هِيَ مَنْهَجٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ يُوَاجِهُ عَقَبَاتِ الحَيَاةِ، فَإِذَا أُغْلِقَتْ فِي وَجْهِكَ الأَبْوَابُ، وَضَاقَتْ بِكَ السُّبُلُ، فَلَا تَقُلْ “مَاذَا أَفْعَلُ وَأَنَا ضَعِيفٌ؟”، بَلْ “هُزَّ جِذْعَ” أَمَلِكَ بِالعَمَلِ، وَطَرَقَ أَبْوَابَ الرِّزْقِ بِالسَّعْيِ، فإِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ “التَّوَكُّلِ” وَ “التَّوَاكُلِ” هُوَ هَذِهِ الهَزَّةُ؛ فَمَنْ هَزَّ بَذَلَ، وَمَنْ تَرَاخَى فَقَدْ جَهِلَ حَقِيقَةَ السُّنَنِ الإِلَهِيَّةِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا): فهَذَا هُوَ نَتَاجُ الإِعْمَالِ بِالأَسْبَابِ، مَعَ اليَقِينِ بِاللهِ: طُمَأْنِينَةُ النَّفْسِ، وَزَوَالُ الهَمِّ، لَقَدْ كَانَتْ مَرْيَمُ قَبْلَ قَلِيلٍ تَتَمَنَّى المَوْتَ مِنْ شِدَّةِ الكَرْبِ، فَلَمَّا انْشَغَلَتْ بِالأَمْرِ الإِلَهِيِّ (وَهُزِّي)، انْتَقَلَتْ مِنْ حَالَةِ اليَأْسِ إِلَى حَالَةِ “قُرَّةِ العَيْنِ” ،وَهَكَذَا المُؤْمِنُ، مَتَى مَا اشْتَغَلَ بِطَاعَةِ اللهِ، وَالسَّعْيِ فِي أَرْضِهِ، أَذْهَبَ اللهُ عَنْهُ وَسَاوِسَ الشَّيْطَانِ، وَتَخَوُّفَاتِ المُسْتَقْبَلِ.
(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ): فلنَخْرُجْ مِنْ هَذِهِ الآية بِقَاعِدَةٍ إِيمَانِيَّةٍ: “ابْذُلْ جُهْدَ المَخْلُوقِ، وَثِقْ بِقُدْرَةِ الخَالِقِ”، ولَا تَحْتَقِرْ أَيَّ سَعْيٍ تَقُومُ بِهِ، مَهْمَا بَدَا صَغِيراً، فَرُبَّ “هَزَّةٍ” صَادِقَةٍ لِجِذْعِ الصَّبْرِ، تُسَاقِطُ عَلَيْكَ رَحَمَاتٍ لَمْ تَكُنْ تَحْتَسِبُهَا.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (دلالات: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
ويقول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [الملك:15]. فالسعي والتسبب في تحصيل الرزق، لا ينافي التوكل على الله جل وعلا، وهذا أمر كالمعلوم من الدين بالضرورة، لأن المكلف يتعاطى السبب امتثالا لأمر ربه، مع علمه ويقينه أنه لا يقع إلا ما يشاء الله وقوعه، فهو متوكل على الله، عالم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر.
ولَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَرْتَضِ لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا عَالَةً عَلَى غَيْرِهِمْ، بَلْ جَعَلَ السَّعْيَ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ عِبَادَةً يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَيْهِ، وَفَرِيضَةً تُتَمَّمُ بِهَا مَصَالِحُ الخَلْقِ، فإِنَّ الحَيَاةَ لَا تَقُومُ بِالأَمَانِيِّ، وَالمُجْتَمَعَاتِ لَا تُبْنَى بِالخُمُولِ، بَلْ بِسَوَاعِدَ تَعْمَلُ، وَقُلُوبٍ تَتَوَكَّلُ.
وإِنَّ النَّاظِرَ فِي سِيَرِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ -وَهُمْ صَفْوَةُ الخَلْقِ- يَجِدُ أَنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ مِهَنٍ وَسَعْيٍ؛ فَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَرَعَى الغَنَمَ، وَكَانَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَكَانَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ نَجَّاراً، وقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» [رواه البخاري]. فَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مَقَامُ النُّبُوَّةِ، وَانْشِغَالُهُمْ بِالوَحْيِ، عَنِ الكَدِّ وَالعَمَلِ، لِيَكُونُوا أُسْوَةً لِلأُمَّةِ فِي عِزَّةِ النَّفْسِ، وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنِ النَّاسِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ): ومن المؤسف أنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَخْلِطُونَ بَيْنَ “التَّوَكُّلِ” وَ “التَّوَاكُلِ”، فَيَظُنُّونَ أَنَّ انْتِظَارَ الرِّزْقِ بِلَا عَمَلٍ هُوَ قِمَّةُ الإِيمَانِ، وَهَذَا فَهْمٌ سَقِيمٌ نَفَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» [رواه الترمذي]. وتَأَمَّلُوا قَوْلَهُ “تَغْدُو” وَ “تَرُوحُ”؛ فَالطَّيْرُ لَمْ تَبْقَ فِي عُشِّهَا تَنْتَظِرُ الحَبَّ، بَلْ بَذَلَتْ جُهْدَ السَّعْيِ وَالطَّيَرَانِ، فَكَافَأَهَا اللهُ بِالرِّزْقِ، فَالجَوَارِحُ تَعْمَلُ، وَالقُلُوبُ تَتَوَكَّلُ، وَهَذَا هُوَ التَّوَازُنُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الإِسْلَامُ.
ولَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ نَمُوذَجاً فَرِيداً فِي ذَلِكَ؛ فَهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، حِينَ هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ وَعَرَضَ عَلَيْهِ الأَنْصَارُ نِصْفَ مَالِهِمْ، لَمْ يَرْكَنْ إِلَى الدَّعَةِ، بَلْ قَالَ كَلِمَتَهُ الخَالِدَةَ: «دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ» [رواه البخاري]. فَذَهَبَ وَتَاجَرَ وَبَاعَ وَاشْتَرَى حَتَّى صَارَ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ، فإِنَّ يَدَ المُؤْمِنِ الَّتِي تَعْمَلُ هِيَ يَدٌ يُحِبُّهَا اللهُ وَرَسُولُهُ، وَالعَمَلُ مَهْمَا كَانَ بَسِيطاً -إِذَا كَانَ حَلَالاً- فَهُوَ أَشْرَفُ وَأَكْرَمُ مِنَ المَسْأَلَةِ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ» [رواه البخاري ومسلم].
وإِنَّ وَاجِبَ السَّعْيِ يَقْتَضِي أَيْضاً “الإِتْقَانَ” وَ “الأَمَانَةَ”: فَلَيْسَ المَطْلُوبُ مُجَرَّدَ الحَرَكَةِ، بَلْ أَنْ يَكُونَ العَمَلُ نَافِعاً وَمُجَوَّداً، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» [رواه الطبراني]. وَالأَمَانَةُ فِي الكَسْبِ هِيَ بَرَكَةُ الرِّزْقِ؛ فَالْتَّاجِرُ الصَّدُوقُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ، وَالعَامِلُ الَّذِي يَنْصَحُ لِصَاحِبِ العَمَلِ يُضَاعَفُ لَهُ الأَجْرُ، فَالرِّزْقُ مَضْمُونٌ، وَلَكِنَّ طَرِيقَةَ تَحْصِيلِهِ هِيَ الِامْتِحَانُ؛ فَإِمَّا كَسْبٌ طَيِّبٌ يُورِثُ الجَنَّةَ، وَإِمَّا كَسْبٌ خَبِيثٌ يَمْحَقُ البَرَكَةَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ): واعلموا أنَّ الِانْشِغَالَ بِطَلَبِ الرِّزْقِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سَبَباً فِي نِسْيَانِ الآخِرَةِ، أَوْ التَّفْرِيطِ فِي حُقُوقِ اللهِ، فَالْمُؤْمِنُ الحَقُّ هُوَ مَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) وَبَيْنَ (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) [النور:37]، فإِنَّ التَّوَازُنَ هُوَ سِرُّ النَّجَاحِ؛ فَلَا تُفْنِ عُمْرَكَ فِي جَمْعِ المَالِ وَتَنْسَى صَلَاتَكَ وَتَرْبِيَةَ أَبْنَائِكَ، وَلَا تَقْعَدْ فِي المَسْجِدِ بَاكِياً وَأَهْلُكَ يَتَضَوَّرُونَ جُوعاً، وإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقّاً، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ.
وَمِمَّا يُعِينُ عَلَى بَرَكَةِ السَّعْيِ: “البُكُورُ”: فَقَدْ دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا» [رواه أبو داود والترمذي]. فَالبِدَايَةُ المُبَكِّرَةُ لِلْيَوْمِ بَعْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ فِيهَا نَشَاطٌ لِلْبَدَنِ، وَسَعَةٌ فِي الوَقْتِ، وَتَنْزِيلٌ لِلرَّحَمَاتِ. كَمَا أَنَّ الصَّدَقَةَ وَصِلَةَ الرَّحِمِ مِنْ أَعْظَمِ مجْلَبَاتِ الرِّزْقِ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» [رواه البخاري ومسلم].
فَلْنَتَّقِ اللهَ فِي مَكَاسِبِنَا، وَلْنَسْعَ فِي أَرْضِ اللهِ بِأَمَلٍ وَثِقَةٍ، وَلْنَعْلَمْ أَنَّ مَا قُدِّرَ لَنَا سَيَأْتِينَا، لَكِنَّ شَرَفَنَا فِي طَرِيقَةِ السَّعْيِ إِلَيْهِ.
الدعاء
