خطبة عن (أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى)
مايو 19, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (25) الأنبياء، وقال تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (92) الأنبياء، وقال تعالى: (يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) (56) العنكبوت، وفي الصحيحين: (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ». قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ «أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ». قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ «أَنْ لاَ يُعَذِّبَهُمْ».
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات:56]. لَقَدْ أَعْلَنَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ غَايَةَ الخَلْقِ، وَأَصْلَ الإِيجَادِ، وَأَلْزَمَ البَشَرِيَّةَ بِالاعْتِرَافِ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَالخُضُوعِ لِأُلُوهِيَّتِهِ، فَالرَّبُّ هُوَ الخَالِقُ والرَّازِقُ والمُدَبِّرُ، وهو الَّذِي يَسْتَحِقُّ وَحْدَهُ أَنْ تُعَنَّى لَهُ الوُجُوهُ، وَتَخْشَعَ لَهُ القُلُوبُ، ولذا، فسوف نتوقف اليَوْمَ قليلا مَعَ النِّدَاءِ العَلَوِيِّ الخَالِدِ: (أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)؛ لِنَتَدَبَّرَ مَعَانِيَ هَذِهِ العُبُودِيَّةِ، وَنَسْتَشْعِرَ حَقَّ اللهِ العَظِيمِ عَلَى عِبَادِهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء:25]. فهَذِهِ الآيَةُ تَقْطَعُ بِأَنَّ دَعْوَةَ الأَنْبِيَاءِ جَمِيعاً -مِنْ نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- كَانَتْ تَدُورُ حَوْلَ قُطْبٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ “التَّوْحِيدُ”.
وَالتَّوْحِيدُ يَقُومُ عَلَى رُكْنَيْنِ: أَوَّلُهُمَا: “مَعْرِفةُ الرُّبُوبِيَّةِ”؛ وَهُوَ الإِيمَانُ بِأَنَّ اللهَ هُوَ المَالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ، المُتَصَرِّفُ فِي الكَوْنِ، وبِيَدِهِ الحَيَاةُ، وَالمَوْتُ وَالنَّفْعُ وَالضَّرُّ، وَإِذَا اسْتَقَرَّ مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ فِي النَّفْسِ، أَثْمَرَ فِيهَا رَاحَةً وَأَمْناً، فَلَا يَخَافُ العَبْدُ مَخْلُوقاً، وَلَا يَلْجَأُ لِغَيْرِ الخَالِقِ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ مَقَادِيرَ الأُمُورِ كُلَّهَا بِيَدِ رَبِّ العَالَمِينَ.
أَمَّا الرُّكْنُ الثَّانِي فَهُوَ: “الِامْتِثَالُ بِالعِبَادَةِ”: وَالْعِبَادَةُ هِيَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ، وَالعِبَادَةُ لَهَا صُوَرٌ شَتَّى فِي حَيَاتِنَا؛ فَمِنْهَا: “عِبَادَاتٌ بَدَنِيَّةٌ” كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَمِنْهَا: “عِبَادَاتٌ مَالِيَّةٌ” كَالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ، وَأَعْظَمُهَا “عِبَادَاتٌ قَلْبِيَّةٌ”: كَالخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالتَّوَكُّلِ وَالإِنَابَةِ.
فَالْمُسْلِمُ لَا يَكُونُ عَابِداً حَقّاً حَتَّى يُسَلِّمَ جَوَارِحَهُ وَقَلْبَهُ لِلَّهِ، قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء:92]، فَالْعِبَادَةُ هِيَ حَبْلُ الوَصْلِ، الَّذِي يَجْمَعُ صُفُوفَ الأُمَّةِ، وَيَجْعَلُهَا قُوَّةً وَاحِدَةً، تَتَوَجَّهُ لِرَبٍّ وَاحِدٍ.
والعبادة تنبيه دائم للإنسان إلى أنه روح قبل أن يكون مادة، وكما أن للجسد مطالب، فكذلك الروح لها مطالب وغذاء، وغذاؤها عبادة خالقها.
والعبادة تذكير للإنسان الفاني بالله ربه الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى، ولو خلا الإنسان من العبادة لنسي ربه وخالقه ورازقه، قال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) [طه:14]،
والعبادة فرار إلى الله، وهروب من الأثقال والقيود والأغلال، التي تقسي القلب وتكدره، قال تعالى: (وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) [الحديد:16].
والعبادة تحرير للإنسان من عبادة غير الله، فإن الله تعالى قضى أن من ترك عبادته عبد غيره، وهذا الغير قد يكون حجراً أو قمراً أو هوى أو حزباً أو فكراً أو كاهناً أو شهوة..
فينبغي أن تكون أعمالنا كلها عبودية، سواءً كانت عبادات محضة، من صلاة، وصيام، وذكر، وتلاوة، أو كان يقصد بها العبادة؛ كملاعبة الرجل زوجته، ومداعبة ولده، ورياضة جسمه، وإتيانه شهوته بالحلال، وكسبه للعيش لأجل الإنفاق الذي أمر به على أهله من زوجة، وولد، ووالدين، محتاجين ونحو ذلك.
فمن عاش مع الله، كان نومه عبادة، وطعامه عبادة، ولبسه عبادة، وترويحه عن نفسه عبادة؛ لأنه يروح ليستعين على هذه الشعائر، ويطعم لأجل أن يقوم للصلاة، وهكذا ينام، ويتعفف بالحلال عن الحرام،
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
(وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ): وَإِذَا ضَاقَتْ بِالعَبْدِ الأَرْضُ، أَوْ واجَهَتْهُ الصُّعُوبَاتُ فِي دِينِهِ، فَإِنَّ الأَمْرَ الرَّبَّانِيَّ يَأْتِيهِ بِالهِجْرَةِ وَالسَّعْيِ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى هَذِهِ العِبَادَةِ؛ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: (يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) [العنكبوت:56].
(وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ): فَلَا عُذْرَ لِمُقَصِّرٍ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ بِحُجَّةِ ضِيقِ المَكَانِ أَوْ فَسَادِ الزَّمَانِ، فَالأَرْضُ أَرْضُ اللهِ، وَالوُجُودُ كُلُّهُ مَجَالٌ لِلطَّاعَةِ، وإِنَّ الِاعْتِذَارَ بِالظُّرُوفِ لِتَرْكِ الصَّلَوَاتِ أَوْ ارْتِكَابِ المُحَرَّمَاتِ هُوَ وَهْمٌ يَكْشِفُهُ سِعَةُ مَلَكُوتِ اللهِ، فَحَيْثُمَا كُنْتَ، فَأَنْتَ مَطْلُوبٌ بِتَحْقِيقِ العُبُودِيَّةِ الخَالِصَةِ لِمَنْ خَلَقَكَ.
(وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ): تَأَمَّلُوا فِي هَذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ؟». قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً». هَذَا هُوَ العَهْدُ الأَوَّلُ؛ أَنْ تُفْرِدَ اللهَ بِالقَصْدِ.
(وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ): فَلَا تَدْعُو نَبِيّاً مُرْسَلاً، وَلَا مَلَكاً مُقَرَّباً، وَلَا وَلِيّاً صَالِحاً، بَلْ يَكُونُ هُتَافُكَ دَائِماً: “يَا اللهُ”، فحَقُّ اللهِ عَلَيْنَا أَنْ نُطِيعَهُ فَلَا نَعْصِيَهُ، وَأَنْ نَذْكُرَهُ فَلَا نَنْسَاهُ، وَأَنْ نَشْكُرَهُ فَلَا نَكْفُرَهُ، وهَذِهِ هِيَ ركِيزَةُ الحَيَاةِ الَّتِي بِدُونِهَا يَصِيرُ العَبْدُ هَائِماً بِلَا هَدَفٍ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
وإِنَّ الجَانِبَ الآخَرَ المَلِيءَ بِالرَّحْمَةِ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟». قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ».
فسُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ!، فهَذَا حَقٌّ أَوْجَبَهُ اللهُ عَلَى نَفْسِهِ، كَرَماً مِنْهُ وَفَضْلاً، لَيْسَ لِأَنَّ العِبَادَ يَمْلِكُونَ ضَرًّا أَوْ نَفْعاً لِلَّهِ، بَلْ لِأَنَّهُ جَعَلَ جَزَاءَ الإِحْسَانِ الإِحْسَانَ، فَمَنْ صَدَقَ فِي عِبَادَتِهِ، وَطَهَّرَ صَحِيفَتَهُ مِنَ الشِّرْكِ، فَلَهُ الأَمْنُ التَّامُّ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَالنَّجَاةُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ.
والسؤال الذي يطرح نفسه: كَيْفَ نُحَقِّقُ هَذَا التَّوَازُنَ فِي حَيَاتِنَا؟، والجواب: يَكُونُ ذَلِكَ بِأَنْ نَعِيشَ بَيْنَ “الخَوْفِ وَالرَّجَاءِ”؛ نَخَافُ تَقْصِيرَنَا فِي حَقِّ اللهِ (أَنْ يَعْبُدُوهُ)، وَنَرْجُو فَضْلَهُ وَمَوْعُودَهُ (أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ).
وإِنَّ المُجْتَمَعَ الَّذِي يَعْرِفُ حَقَّ اللهِ تَعَالَى لَا تَرَى فِيهِ ظُلْماً لِلْعِبَادِ، وَلَا انْتِهَاكاً لِلْحُرُمَاتِ، لِأَنَّ الخَوْفَ مِنَ الرَّبِّ المُدَبِّرِ يَزْجُرُ النُّفُوسَ عَنِ الطَّغْيَانِ.
فاِلْتَزِمُوا عِبَادَةَ رَبِّكُمْ فِي سِرِّكُمْ وَعَلَنِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ سَجْدَةٍ تَسْجُدُونَهَا هِيَ رِفْعَةٌ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَذُخْرٌ لَكُمْ فِي الآخِرَةِ.
وَلْنُجَدِّدِ العَهْدَ مَعَ اللهِ، وَلْنُنَادِ فِي مَحَارِيبِ طَاعَتِنَا: “لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، أَنْتَ رَبُّنَا وَنَحْنُ عَبِيدُكَ
فاللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.
اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا عَلَى التَّوْحِيدِ الخَالِصِ، وَأَعِذْنَا مِنَ الشِّرْكِ خَفِيِّهِ وَجَلِيِّهِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ حَفِظَ حَقَّكَ فَحَفِظْتَهُ، وَأَمَّنْتَهُ يَوْمَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ، وَاصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ،
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
الدعاء
