خطبة عن (أَوْصِنِي يا رسول الله قَالَ لاَ تَغْضَبْ)
مايو 12, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (أَوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
روى البخاري في صحيحه: (أن أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ – رضي الله عنه- يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ فَقَالَ «إِنِّي مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا». فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ فَسَكَتَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم – فَقِيلَ لَهُ مَا شَأْنُكَ تُكَلِّمُ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- وَلاَ يُكَلِّمُكَ فَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ. قَالَ- فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ فَقَالَ «أَيْنَ السَّائِلُ» وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ. فَقَالَ «إِنَّهُ لاَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ إِلاَّ آكِلَةَ الْخَضْرَاءِ، أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ، فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ وَرَتَعَتْ، وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ- أَوْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ) [الحديد:20]، فإِنَّ أَعْظَمَ مَا يَحْتَاجُهُ المُسْلِمُ هُوَ “فِقْهُ التَّعَامُلِ مَعَ الدُّنْيَا”؛ حَتَّى لَا تَغْرَقَ السَّفِينَةُ بِمَا فِيهَا، وَمِنْ أَعْظَمِ المَوَاقِفِ التَّرْبَوِيَّةِ هذا الحديث المتقدم الذي رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، حِينَ جَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى المِنْبَرِ، وَالقُلُوبُ مُشْرَئِبَّةٌ إِلَيْهِ، فَقَالَ كَلِمَةً تَهْتَزُّ لَهَا النُّفُوسُ: «إِنِّي مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا»، إِنَّهُ خَوْفُ الرَّحِيمِ عَلَى أُمَّتِهِ، لَيْسَ مِنَ الفَقْرِ، بَلْ مِنَ الغِنَى الَّذِي يُطْغِي، وَالزِّينَةِ الَّتِي تُعْمِي.
ولَقَدْ وَصَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدُّنْيَا بِأَنَّهَا “زَهْرَةٌ”، وَالزَّهْرَةُ جَمِيلَةُ المَنْظَرِ، طَيِّبَةُ الرِّيحِ، ولَكِنَّهَا سَرِيعَةُ الذُّبُولِ، قَصِيرَةُ العُمُرِ، وَهَذَا هُوَ حَالُ الدُّنْيَا بِمَالِهَا وَجَاهِهَا.
فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَسْأَلُ سُؤَالَ الذَّكِيِّ الفَطِنِ قائلا: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَيَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟». أَيْ: كَيْفَ يَكُونُ المَالُ وَالخَيْرُ الَّذِي يَسُوقُهُ اللهُ سَبَباً فِي الشَّرِّ وَالهَلَاكِ؟،
فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، وَتَصَبَّبَ عَرَقاً مِنْ ثِقَلِ القَوْلِ، حَتَّى مَسَحَ عَنْهُ “الرُّحَضَاءَ” -وَهُوَ العَرَقُ الكَثِيرُ- ثُمَّ قَالَ بِرِفْقٍ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟». وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ عَلَى سُؤَالِهِ الَّذِي فَتَحَ بَاباً لِلْعِلْمِ، فأَجَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَوَاباً جَامِعاً فَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ». فَالْمَالُ فِي ذَاتِهِ نِعْمَةٌ، وَفَضْلُ من اللهِ، وهو خَيْرٌ مَحْضٌ، وَلَكِنَّ الشَّرَّ يَأْتِي مِنْ “سُوءِ تَعَامُلِ العَبْدِ” مَعَ هَذَا الخَيْرِ، ثُمَّ ضَرَبَ الرسول صلى الله عليه وسلم مَثَلاً بَدِيعاً مِنَ البِيئَةِ ،فَقَالَ: «وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ (أَيْ يُقَارِبُ القَتْلَ) إِلَّا آكِلَةَ الخَضْرَاءِ»، فالرَّبِيعُ يُنْبِتُ كَلأً طَيِّباً، ولَكِنَّ بَعْضَ الدَّوَابِّ لَا تَعْرِفُ مِقْدَارَ حَاجَتِهَا، فَتَأْكُلُ حَتَّى تَنْتَفِخَ بَطْنُهَا فَتَهْلَكُ، وَهَكَذَا الإِنْسَانُ مَعَ المَالِ: فإِذَا انْغَمَسَ فِيهِ دُونَ شَرْعٍ أَوْ ضَابِطٍ، كَانَ مَالُهُ سَبَبَ هَلَاكِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ،
ثُمَّ وَصَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّابَّةَ النَّاجِيَةَ، الَّتِي تَعْرِفُ قَدْرَ كِفَايَتِهَا؛ فأَكَلَتْ حَتَّى إِذَا “امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا” (أَيْ شَبِعَتْ)، لَمْ تَسْتَمِرَّ فِي النَّهَمِ، بَلْ “اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ، فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ وَرَتَعَتْ”، إِنَّهَا حِكْمَةُ التَّخَلُّصِ مِنَ الفُضُولِ!
وَهَكَذَا المُؤْمِنُ، يَأْخُذُ مِنَ المَالِ حَاجَتَهُ، ثُمَّ “يُخْرِجُ” الفَضْلَ فِيمَا يَنْفَعُ، فَلَا يَحْبِسُ المَالَ فِي صَدْرِهِ، فَيَقْتُلَهُ الغِلُّ وَالطَّمَعُ، بَلْ يُبَالِغُ فِي النَّفَقَةِ وَالعَطَاءِ، لِيَظَلَّ خَفِيفاً لِلرَّحِيلِ، مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ بِاليَقِينِ، وفي مسند أحمد: (عن رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. قَالَ «يَا عَمْرُو نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ»،
وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي حَرَّةِ الْمَدِينَةِ عِشَاءً وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَى أُحُدٍ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «يَا أَبَا ذَرٍّ». قَالَ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «مَا أُحِبُّ أَنَّ أُحُدًا ذَاكَ عِنْدِي ذَهَبٌ أَمْسَي ثَالِثَةً عِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ إِلاَّ دِينَارًا أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ إِلاَّ أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللَّهِ هَكَذَا- حَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ -وَهَكَذَا- عَنْ يَمِينِهِ- وَهَكَذَا- عَنْ شِمَالِهِ». قَالَ ثُمَّ مَشَيْنَا فَقَالَ «يَا أَبَا ذَرٍّ». قَالَ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا». مِثْلَ مَا صَنَعَ فِي الْمَرَّةِ الأُولَى)
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ هَذَا المَالَ “خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ)؛ فِيهِ إِغْرَاءُ اللَّوْنِ، وَلَذَّةُ المَذَاقِ، وَلَكِنَّ طِيبَهُ مَرْهُونٌ بِكَيْفِيَّةِ صَرْفِهِ، فقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِمِ هُوَ؛ مَا أَعْطَى مِنْهُ المِسْكِينَ وَاليَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ»، فَالْمَالُ يَتَحَوَّلُ مِنْ “فِتْنَةٍ” إِلَى “رَفِيقٍ صَالِحٍ” حِينَ يُسَخَّرُ لِكفكَفَةِ دُمُوعِ اليَتَامَى، وَسَدِّ جَوْعَةِ المَسَاكِينِ، عِنْدَهَا يَكُونُ المَالُ سُلَّماً لِلْجَنَّةِ، وَنُوراً فِي القَبْرِ، فالعِبْرَة لَيْسَتْ فِي كَمْ تَمْلِكُ، بَلْ فِي كَمْ بَذَلْتَ لِتَمْلِكَ رِضَا اللهِ تَعَالَى، وفي صحيح البخاري: (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلاَّ مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ. قَالَ «فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ»
واعلموا أنَّ الجَانِبَ المُظْلِمَ فِي قَضِيَّةِ المَالِ هُوَ مَا حَذَّرَ مِنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خِتَامِ حَدِيثِهِ: «وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ»، فهَذَا هُوَ “الجَشَعُ المَقِيتُ” الَّذِي يَنْزِعُ البَرَكَةَ، فَيَظَلُّ صَاحِبُهُ لَاهِثاً خَلْفَ الأَرْقَامِ، جَامِعاً لِلْحَرَامِ، لَا يَقْنَعُ بِقَلِيلٍ وَلَا يَرْتَوِي بِكَثِيرٍ، وَالأَدْهَى مِنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا المَالَ «يَكُونُ شَهِيداً عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»، سَتَنْطِقُ الأَمْوَالُ، وَتَشْهَدُ الأَرْصِدَةُ بِأَنَّهَا جُمِعَتْ مِنْ ظُلْمٍ، أَوْ حُبِسَتْ عَنْ حَقٍّ،
وفي صحيح مسلم: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لاَ يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا إِلاَّ جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قَطُّ وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَسْتَنُّ عَلَيْهِ بِقَوَائِمِهَا وَأَخْفَافِهَا وَلاَ صَاحِبِ بَقَرٍ لاَ يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا إِلاَّ جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَنْطِحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِقَوَائِمِهَا وَلاَ صَاحِبِ غَنَمٍ لاَ يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا إِلاَّ جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَنْطِحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلاَفِهَا لَيْسَ فِيهَا جَمَّاءُ وَلاَ مُنْكَسِرٌ قَرْنُهَا وَلاَ صَاحِبِ كَنْزٍ لاَ يَفْعَلُ فِيهِ حَقَّهُ إِلاَّ جَاءَ كَنْزُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَتْبَعُهُ فَاتِحًا فَاهُ فَإِذَا أَتَاهُ فَرَّ مِنْهُ فَيُنَادِيهِ خُذْ كَنْزَكَ الَّذِى خَبَأْتَهُ فَأَنَا عَنْهُ غَنِىٌّ فَإِذَا رَأَى أَنْ لاَ بُدَّ مِنْهُ سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ فَيَقْضَمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ»
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (أَوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
إن هذه النعم، وتلك الخيرات، إذا أعطى منها للفقير حقه، وابن السبيل، وكل ذي حق حقه، عند ذلك، لا يأتي (الخير إلا بالخير)، وقال (الطيبي): (يؤخذ من المثل أربعة أصناف: فمن أكل منه أكل مستلذ مفرط منهمك، حتى تنتفخ أضلاعه، ولا يقلع، يسرع إليه الهلاك، ومن أكل كذلك، لكنه أخذ في الاحتيال لدفع الداء، بعد أن استحكم، غلبه فأهلكه، ومن أكل كذلك، لكنه بادر إلى إزالة ما يضره، وتحيل في دفعه، حتى انهضم، فسلم، ومن أكل غير مفرط، ولا منهمك، وإنما اقتصر على ما يسد جوعته، ويمسك رمقه، نجا، فالأول: مثال الكافر، والثاني: مثال العاصي الغافل عن الإقلاع والتوبة، إلا عند فوتها، والثالث: مثال للمخلط، المبادر للتوبة، حيث تكون مقبولة، والرابع: مثال الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الحديث فيه ذم المنافسة في حطام الدنيا وزهرتها والافتتان بذلك، وأن هذا أمر يخشاه النبي – صلى الله عليه وسلم – على أمته لأنه – صلى الله عليه وسلم – يدرك ما في هذه الدنيا من زخرف وزينة يتقاتل عليها الناس ويفتنون بها، وفي الحديث دلالة على حرص الصحابة على طلب العلم والبيان فيه، والسؤال عما أشكل عليهم وتعارض عندهم، وفي الحديث حسن تعليم النبي – صلى الله عليه وسلم – وثناؤه لمن سأله، وتقريبه – صلى الله عليه وسلم – الجواب، بضرب مثالين للمفرط والمقتصد، وفي الحديث الحث على إعطاء المسكين واليتيم وابن السبيل وصرف المال في وجوه الخير،
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فلِنَحْذَرْ أَنْ نَكُونَ عَبِيداً لِلدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ، ففي صحيح البخاري: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ)، وَلْنَسْعَ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ بِيَقِينِ “آكِلَةِ الخَضْرَاءِ”، الَّتِي تَعْرِفُ مِقْدَارَ مَا يُصْلِحُ بَدَنَهَا، دُونَ أَنْ يُهْلِكَهَا، ولنعلم أنَّ كُلَّ لُقْمَةٍ نَأْكُلُهَا مِنْ حَرَامٍ هِيَ نَارٌ نُوقِدُهَا فِي أَجْسَادِنَا، وَكُلُّ دِرْهَمٍ نَمْنَعُهُ عَنْ مُحْتَاجٍ، هُوَ حِجَابٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللهِ، فَلْنُطَهِّرْ أَمْوَالَنَا بِالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ، وَلْنَعْلَمْ أَنَّ الرِّزْقَ مَقْسُومٌ، وَالأَجَلَ مَحْتُومٌ، وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى،
الدعاء
