خطبة عن طاعة الحكام ،وحديث ( لَيْسَ يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ طَاعَةٌ لِمَنْ عَصَى اللَّهَ )
أبريل 18, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (مِنْ وَصَايَا لُقْمَانَ: وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان:18]. وَفي الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ” [رواه مسلم].
إخوة الإسلام
(الْكِبرُ): داء قلبي، وصفة مذمومة، وهو يعني: (استعظام النفس، واحتقار الناس، ورفض الحق)، وفي صحيح مسلم: قال صلى الله عليه وسلم: (الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ)، وهو من كبائر الذنوب ،وسبب للطرد من رحمة الله، ونقيضه التواضع، وأول من سنه إبليس اللعين،
وقد حذر الإسلام من الكبر أشد التحذير، وذلك لأن المتكبر قدوته الشيطان، ولأن الله تعالى لا يحب المتكبرين، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: “لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ” [رواه مسلم]. وفي سنن الترمذي: «يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةِ الْخَبَالِ»
والمتكبر يترفَّع عن الناس وهو أحقَرُهم، ويترفَّع عن الضعفاء وهو أضعَفُهم، ويُزكِّي نفسه ويمدحها وهو أخبثهم نفسًا، ويتباهَى بنَسَبه، ولعلَّ في نسَبه سفاحًا، ويتباهَى بماله وهو عاريةٌ في يده، ويفتخِر بجماله، وقد تأكله النار، ويتباهَى بالقوَّة، وهو أضعفُ مِن بعوضة، ويتباهَى بالأتباع، وينسى أن الله يُعزُّ مَن يشاء، ويُذلُّ مَن يشاء،
والكِبْر قسمان: كِبْر هو (كُفر)، وآخَر هو (معصية)، فالكُفر: هو ما كان المتكبَّرُ عليه هو: الله ورسوله، أو كتابه، أما المعصية: فما دون ذلك من الخلق،
والكِبْر يُهلِك الناس بشتَّى أصنافهم، عالِمهم وجاهلهم، زاهدهم وفاسقهم، فحُقَّ أن يوجِب اللعنة للمتَّصف به، كما هو شأنُ إبليس رئيس المتكبِّرين، فمن تكبَّر فهو من حزبه وجُنْده، إنْ أمرَه إبليس يُطِع، وإن نهاه ينته، فاستحقَّ صاحبُه النار؛ واعلموا أن المتكبر من المُبعَدين يومَ القيامة؛ ففي سنن الترمذي: قال صلى الله عليه وسلم: (وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَىَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّى مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ قَالَ «الْمُتَكَبِّرُونَ»، والمتكبر من أهل النار: ففي صحيح مسلم: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «احْتَجَّتِ النَّارُ وَالْجَنَّةُ فَقَالَتْ هَذِهِ يَدْخُلُنِي الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ..)، وفي الصحيحين: (أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ»، واستحق المتكبر ذلك كله: لأنَّ المتكبِّر قد نازع اللهَ في صفته التي لا تنبغي إلا له – جلَّ وعلا – وفي سنن أبي داود وغيره: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ». وفي صحيح الأدب للبخاري: (أنَّ رسولَ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: (ثلاثة لا يُسأل عنهم: رجلٌ نازع الله رِداءَه، فإنَّ رداءه الكبر، وإزاره العِز، ورجلٌ في شكٍّ مِن أمر الله، والقنوط مِن رحمته)
أيها المسلمون
وللكِبر صُور كثيرة، ومنها: ردُّ الحقِّ، وعدم الإذعان والانقياد له؛ قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:14]، ومنها: التكبُّر على الله – جل وعلا – مثل تكبُّر فرعون عندَ ادعائه الألوهية؛ قال تعالى:﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ [القصص:38-39]. ومنها: مخالفةُ الحقِّ لدافع الهوى؛ قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:87]. ومنها: الكذِب والمكر والخيانة؛ مخالفةً للحق، واستكبارًا عليه؛ قال تعالى: ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُورًا * اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ ﴾ [فاطر:42-43]. ومنها: الإعجابُ بالقوَّة كقومِ عاد؛ قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:15]. ومنها: الاغترار بالعمل، ويظن أنَّ ما يعمله هو عيْنُ الصواب دون مبالاة منه إنْ وافَق الشرع أو لا؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [النحل:28-29]. ومنها: الاختيال في المِشية واللِّباس؛ قال تعالى: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:37-38]، ومنها: الاستعلاء في الأرْض؛ قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:83]. ومنها: محبَّة المرء أن يقومَ الناس له في مجلسِهم؛ قال رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم : (مَن أحبَّ أن يتمثَّل له الرجالُ قِيامًا، فليتبوأْ مقعدَه من النار) رواه أبو داود
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ثم نأتي إلى قول اللَّه تَعَالَى: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان:18]. فبَعْدَ أَنْ أَسَّسَ لُقْمَانُ الحَكِيمُ لِابْنِهِ جَوَانِبَ العَقِيدَةِ وَالعِبَادَةِ، انْتَقَلَ بِهِ إِلَى تَهْذِيبِ النَّفْسِ، وَجَمَالِ الأَخْلَاقِ مَعَ الخَلْقِ، فَنَهَاهُ عَنْ أَخْطَرِ آفَاتِ النُّفُوسِ وَهِيَ “الكِبْرُ”، فَقَالَ: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ}؛ وَالصَّعَرُ فِي الأَصْلِ دَاءٌ يُصِيبُ الإِبِلَ فَيَلْوِي أَعْنَاقَهَا، فَاسْتَعَارَهُ الحَكِيمُ لِيَصِفَ حَالَ مَنْ يَلْوِي عُنُقَهُ وَيُعْرِضُ بِوَجْهِهِ عَنِ النَّاسِ اسْتِهَانَةً بِهِمْ وَتَرَفُّعاً عَلَيْهِمْ، فهَذَا الإِعْرَاض لَيْسَ مُجَرَّدَ حَرَكَةٍ بَدَنِيَّةٍ، بَلْ هُوَ تَرْجَمَةٌ لِقَلْبٍ امْتَلأَ بِالغُرُورِ، وَرَأَى نَفْسَهُ فَوْقَ الخَلائِقِ، وَالمُؤْمِنُ الحَقُّ هُوَ الذِي يَبْسُطُ وَجْهَهُ لِلنَّاسِ، وَيَلِينُ جَانِبُهُ لِلضَّعِيفِ قَبْلَ القَوِيِّ، اقْتِدَاءً بِنَبِيِّهِ الذِي كَانَ يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ عَلَى مَنْ يُحَدِّثُهُ حَتَّى يَظُنَّ الرَّجُلُ أَنَّهُ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْهِ.
ثُمَّ ثَنَّى لُقْمَانُ بِالنَّهْيِ عَنْ هَيْئَةِ المَشْيِ الذِي يَنِمُّ عَنِ الخُيَلَاءِ، فَقَالَ: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا}، فإِنَّ الأَرْضَ الَّتِي تَمْشِي عَلَيْهَا بِمَرَحٍ وَخُيَلَاءَ سَتَكُونُ غَداً قَبْرَكَ، وَالسَّمَاءَ الَّتِي تُطَاوِلُهَا بِرَأْسِكَ هِيَ مَلِكُ خَالِقِكَ الذِي قَهَرَ الجَبَابِرَةَ، فالمَرَحُ هُوَ الفَرَحُ الذِي يُؤَدِّي إِلَى البَطَرِ وَنِسْيَانِ النِّعْمَةِ، وَهُوَ مِشْيَةٌ تُسْخِطُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، وتَأَمَّلُوا قَوْلَ اللهِ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} [الإسراء:37].
فَمَا لِابْنِ آدَمَ وَالفَخْرِ، وَأَوَّلُهُ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ، وَهُوَ بَيْنَ ذَلِكَ يَحْمِلُ العَذِرَةَ؟، واعلموا أنَّ التَّوَاضُعَ فِي المِشْيَةِ وَالسَّكِينَةَ فِي الحَرَكَةِ هِيَ شِيمَةُ عِبَادِ الرَّحْمَنِ.
ولَقَدْ خَتَمَ اللهُ الآيَةَ بِعِلَّةِ النَّهْيِ، فَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}، فالمُخْتَالُ هُوَ الذِي يَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ بِعَيْنِ الإِعْجَابِ فِي حَرَكَاتِهِ، وَالفَخُورُ هُوَ الذِي يُعَدِّدُ مَنَاقِبَهُ عَلَى النَّاسِ بِلِسَانِهِ وَمَنْ لَمْ يُحِبَّهُ اللهُ، فَأَيُّ خَيْرٍ يَرْجُوهُ؟، فالكِبْرُ يَمْنَعُ العِلْمَ، وَيَحْرِمُ الجَنَّةَ، وَيُورِثُ البُغْضَ فِي قُلُوبِ الخَلْقِ، والمُنَافِسُ لِلهِ فِي رِدَائِهِ (وهو الكبرياء) مَقْصُومٌ لَا مَحَالَةَ.
وليكن معلوما أنَّ التَّوَاضُعَ لَا يَزِيدُ العَبْدَ إِلَّا رِفْعَةً، كَمَا قَالَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ: “وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ”، فَطُوبَى لِمَنْ خَفَضَ جَنَاحَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَعَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ أَمَامَ عَظَمَةِ رَبِّ العَالَمِينَ. وإِنَّ مَظَاهِرَ الصَّعَرِ وَالخُيَلَاءِ فِي زَمَانِنَا قَدْ تَنَوَّعَتْ؛ فَمِنْهَا التَّعَالِي بِالنَّسَبِ، أَوْ بِالمَالِ، أَوْ بِالمَنْصِبِ، أَوْ حَتَّى بِمَظَاهِرِ الدُّنْيَا الزَّائِلَةِ مِن مَرَاكِبَ وَمَلَابِسَ، بَلْ إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ يَتَكَبَّرُ بِعِلْمِهِ أَوْ طَاعَتِهِ، وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ أَنْوَاعِ الكِبْرِ.
ولُقْمَانُ الحَكِيمُ أَرَادَ أَنْ يَحْمِيَ ابْنَهُ مِنْ هَذِهِ السَّمُومِ القَلْبِيَّةِ؛ لِأَنَّ العَبْدَ إِذَا تَكَبَّرَ انْقَطَعَ عَنْهُ نُورُ الهِدَايَةِ، وَأَصْبَحَ يَرَى الحَقَّ بَاطِلاً وَالبَاطِلَ حَقّاً.
فلِنُفَتِّشْ فِي قُلُوبِنَا، هَلْ نَجِدُ فِيهَا احْتِقَاراً لِفَقِيرٍ؟، أَوْ تَرَفُّعاً عَنْ مُجَالَسَةِ بَسِيطٍ؟، إِنْ كَانَ ذَلِكَ، فَلْنُبَادِرْ بِغَسْلِ قُلُوبِنَا بِماءِ التَّوَاضُعِ قَبْلَ لِقَاءِ اللهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَفي الحديث: (عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ” [رواه مسلم]. وعِلَاجَ الكِبْرِ يَكُونُ بِأَمْرَيْنِ: الأَوَّلُ مَعْرِفَةُ الرَّبِّ بِعَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ، وَالثَّانِي مَعْرِفَةُ النَّفْسِ بِضَعْفِهَا وَفَقْرِهَا.
وإن الذِي يَتَوَاضَعُ لِلنَّاسِ يَكْسِبُ قُلُوبَهُمْ، وَيَفْتَحُ اللهُ لَهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ، فالتَّوَاضُعُ لَيْسَ ذُلًّا وَلَا مَهَانَةً، بَلْ هُوَ قُوَّةٌ فِي النَّفْسِ وَثِقَةٌ بِاللهِ، وكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي مَعَ الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ، وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَرْقَعُ ثَوْبَهُ، وَهُوَ سَيِّدُ وُلْدِ آدَمَ. فلِنَكُنْ مِمَّنْ يَسْمَعُونَ الوَصِيَّةَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهَا، ولَا تَجْعَلُوا الدُّنْيَا تُنْسِيكُمْ حَقِيقَةَ أَصْلِكُمْ، وعَامِلُوا النَّاسَ بِمَا تُحِبُّونَ أَنْ يُعَامِلُوكُمْ بِهِ، وَانْظُرُوا إِلَى الخَلْقِ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ لَا بِعَيْنِ الِازْدِرَاءِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (مِنْ وَصَايَا لُقْمَانَ: لَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ، وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
لَقَدْ أَدْرَكَ لُقْمَانُ الحَكِيمُ أَنَّ الإِيمَانَ الصَّادِقَ لَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُهُ عَلَى “الوَجْهِ” وَفِي “المِشْيَةِ” وَفِي “التَّعَامُلِ”؛ فَمَنْ عَرَفَ اللهَ بِالعَظَمَةِ، عَرَفَ نَفْسَهُ بِالتَّوَاضُعِ. وتَأَمَّلُوا فِي هَذَا التَّهْذِيبِ الإِلَهِيِّ لِلأَخْلَاقِ: فالنَّهْيُ عَنْ صَعَرِ الخَدِّ (أَدَبُ الوَجْهِ): قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ}: فيُرِيدُ لُقْمَانُ أَنْ يَقُولَ لِابْنِهِ: “يَا بُنَيَّ، لَا تُمِلْ وَجْهَكَ عَنِ النَّاسِ تَكَبُّراً، وَلَا تَنْظُرْ إِلَيْهِمْ بِشَزْرٍ، وَلَا تَتَعَالَى بِخَدِّكَ عَنْهُمْ”، فالمُؤْمِنُ سَمْحُ الوَجْهِ، بَسِيطُ الـمُحَيَّا، يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ بِقَلْبِهِ قَبْلَ وَجْهِهِ.
ومن تهذيب الأخلاق: النَّهْيُ عَنِ المَرَحِ فِي المِشْيَةِ (أَدَبُ الجَوَارِحِ): {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا}، فالمَرَحُ هُوَ الخُيَلَاءُ وَالبَطَرُ، فمَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ لِتَضْرِبَ الأَرْضَ بِقَدَمِكَ تَكَبُّراً؟ {إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا}، فالمِشْيَةُ عِنْوَانُ النَّفْسِ؛ وَمِشْيَةُ عِبَادِ الرَّحْمَنِ “هَوْنًا”، وَمِشْيَةُ المُتَكَبِّرِينَ “تَمَايُلًا وَغُرُورًا”. وبيان عِلَّةُ النَّهْيِ (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ): فالمُخْتَالُ هُوَ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى هَيْئَتِهِ فَيُعْجَبُ بِهَا، وَالفَخُورُ هُوَ الَّذِي يَعُدُّ مَنَاقِبَهُ عَلَى النَّاسِ بِلِسَانِهِ، فاللهُ تعالى يُحِبُّ المُتَوَاضِعِينَ، وَيَبْغَضُ مَنْ يُنَازِعُهُ رِدَاءَ الكِبْرِيَاءِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
والسؤال: كَيْفَ نُحَوِّلُ وَصِيَّةَ لُقْمَانَ إِلَى سُلُوكٍ فِي حَيَاتِنَا؟، أَوَّلًا: الِابْتِسَامَةُ صَدَقَةٌ: كُنْ سَهْلًا قَرِيبًا مِنَ النَّاسِ، ولَا تَجْعَلْ مَنْصِبَكَ أَوْ عِلْمَكَ حَاجِزًا بَيْنَكَ وَبَيْنَ بَسَطَاءِ الـمُسْلِمِينَ، و”تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ”، وهذا هُوَ العِلَاجُ النَّبَوِيُّ لِصَعَرِ الخَدِّ. ثَانِيًا: تَقْدِيرُ نِعْمَةِ اللهِ: فكُلَّمَا رَأَيْتَ فِيمَا تَمْلِكُ مَدْعَاةً لِلْفَخْرِ، فَقُلْ: “هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي”، وتَذَكَّرْ أَنَّ الَّذِي أَعْطَاكَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَسْلُبَكَ فِي مَحْمَحِ البَصَرِ. ثَالِثًا: تَرْبِيَةُ الأَبْنَاءِ عَلَى التَّوَاضُعِ: فعَلِّمْ وَلَدَكَ أَنْ يَحْتَرِمَ الكَبِيرَ، وَأَنْ يَرْحَمَ الصَّغِيرَ، وَأَنْ لَا يَتَعَالَى عَلَى زُمَلَائِهِ بِثِيَابِهِ أَوْ مَتَاعِهِ. فمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ، ولَقَدْ كَانَ نَبِيُّكُمْ ﷺ يَرْكَبُ الحِمَارَ، وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَمَنْ نَحْنُ حَتَّى نَتَكَبَّرَ؟.
الدعاء
