خطبة عن (يَوْمُ عَرَفَةَ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي)
مايو 21, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (عِيدُ الأَضْحَى مَوْسِمُ طَّاعَةِ وَاِمْتِثَالِ)
(الله أكبر:7 مرات)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج:32].
إخوة الإسلام
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ عِيدَيْنِ، وَأَفْرَحَهُمْ بِطَاعَتِهِ فِي كُلِّ حِينٍ، فإِنَّ هَذَا اليَوْمَ هُوَ يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ، وَهو يَوْمُ النَّحْرِ وَالفِدَاءِ، ويَوْمٌ تَتَجَلَّى فِيهِ عَظَمَةُ الإِسْلَامِ، وَتَلْتَقِي فِيهِ قُلُوبُ أَهْلِ الإِيمَانِ عَلَى كَلِمَةِ التَّقْوَى.
فعِيدَنَا هَذَا لَيْسَ مُجَرَّدَ لِبَاسٍ جَدِيدٍ، أَوْ مَوَائِدَ تُبْسَطُ، بَلْ هُوَ ذِكْرَى لِأَعْظَمِ قِصَّةِ امْتِثَالٍ فِي تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ؛ قِصَّةُ الخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ مَعَ ابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)، حِينَ قَالَ الأَبُ: (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى) [الصافات:102]، فَجَاءَ الجَوَابُ الَّذِي يَهتَزُّ لَهُ الوُجْدَانُ: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) [الصافات:102].
وهُنَا يَتَجَلَّى الصِّدْقُ مَعَ اللهِ؛ أَبٌ يُقَدِّمُ فِلْذَةَ كَبِدِهِ، وَابْنٌ يُسَلِّمُ رَقَبَتَهُ لِلذَّبْحِ، كُلُّ ذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ أَمَرَ، فَكَانَ الفِدَاءُ مِنَ السَّمَاءِ: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) [الصافات:107].
وَمِنْ هُنَا شُرِعَتِ الأُضْحِيَّةُ، لِتَكُونَ رَمْزاً لِهَذَا التَّسْلِيمِ وَالفِدَاءِ، فَالْمُسْلِمُ حِينَ يَذْبَحُ أُضْحِيَّتَهُ، لَا يَنْظُرُ إِلَى اللَّحْمِ وَالدَّمِ، بَلْ يَنْظُرُ إِلَى تَقْوَى قَلْبِهِ، قَالَ تَعَالَى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) [الحج:37].
وَإِنَّ مِنْ أَحَبِّ الأَعْمَالِ فِي هَذَا اليَوْمِ إِهْرَاقَ الدَّمِ تَقَرُّباً لِلَّهِ؛ لِقَوْلِهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ» [رواه الترمذي]، فَطِيبُوا بِهَا نَفْساً، وَاجْعَلُوهَا خَالِصَةً لِمَوْلَاكُمْ، مُسْتَحْضِرِينَ أَنَّ كُلَّ ذَرَّةٍ فِيهَا لَكُمْ بِهَا حَسَنَةٌ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ هَذَا العِيدَ فُرْصَةٌ لِتَرْسِيخِ قِيَمِ “الرَّحْمَةِ وَالتَّكَافُلِ”، فَلَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يَأْكُلَ وَجَارُهُ جَائِعٌ ،وَلَا أَنْ يَفْرَحَ وَإِخْوَانُهُ فِي بَلَاءٍ مَنْسِيُّونَ، فلَقَدْ كَانَ هَدْيُ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي الأُضْحِيَّةِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، وَيُهْدِيَ، وَيَتَصَدَّقَ.
فَاجْعَلُوا مِنْ عِيدِكُمْ جِسْراً لِلْمَوَدَّةِ، وَطَهِّرُوا صُدُورَكُمْ مِنَ الشَّحْنَاءِ، فَأَيُّ عِيدٍ هَذَا إِذَا كَانَتِ القُلُوبُ مُتَنَافِرَةً؟، وَأَيُّ فَرْحَةٍ هَذِهِ وَالأَرْحَامُ مُقَطَّعَةٌ؟، فالعِيد الحَقِيقِيَّ هُوَ عِيدُ مَنْ قَبِلَ اللهُ طَاعَتَهُ، وَأَصْلَحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ.
وتَذَكَّرُوا فِي هَذَا اليَوْمِ أَنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، فَمَهْمَا بَلَغَتْ بِالأُمَّةِ الأَزَمَاتُ، يَبْقَى العِيدُ رِسَالَةَ أَمَلٍ، وَإِعْلَانَ بَقَاءٍ، وأنَّ هَذَا الدِّينَ مَنْصُورٌ بِيَقِينِ المُنِيبِينَ، وَصَبْرِ المُرَابِطِينَ، فَارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ بِإِيمَانِكُمْ، وَاعْتَزُّوا بِشَعَائِرِ رَبِّكُمْ، وَانْشُرُوا البِشْرَ وَالسُّرُورَ فِي بُيُوتِكُمْ، وَعَلِّمُوا أَبْنَاءَكُمْ أَنَّ عِيدَنَا عِبَادَةٌ، وَأَنَّ لَهْوَنَا فِيهِ كَرَامَةٌ،
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
واعْلَمُوا أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةَ الَّتِي تَلِي هَذَا اليَوْمَ، هِيَ أَيَّامُ ذِكْرٍ وَشُكْرٍ، وَقَدْ قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» [رواه مسلم]. فَلَا يَنْقَطِعُ التَّكْبِيرُ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَةِ، وَلَا تَنْسَوْا نَصِيبَ الفُقَرَاءِ مِنْ ضَحَايَاكُمْ.
وإِنَّ مِنْ مَحَاسِنِ العِيدِ “صِلَةَ الأَرْحَامِ”، فَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ، أَوْ قَرِيبِهِ شَحْنَاءُ، فَلْيَبْدَأْ بِالسَّلَامِ، فَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ، ففي الصحيحين: (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ».
فالعِيدُ فرصة لِلْتَّصَافُحِ، لَا لِلْتَّدَابُرِ، وَهُوَ لِلْعَفْوِ، لَا لِلِانْتِقَامِ، فزُورُوا مَرْضَاكُمْ، وَوَاسُوا مَنْ فَقَدَ حَبِيباً، وَاجْعَلُوا العِيدَ بَلْسَماً لِلْجِرَاحِ، وَاحْذَرُوا مِنْ مَعَاصِي الأَفْرَاحِ؛ فَلَا يَكُنِ العِيدُ سَبَباً لِتَبْذِيرِ الأَمْوَالِ، أَوْ فِعْلِ مَا يُسْخِطُ ذَا الجَلَالِ، بَلْ لِيَكُنْ فَرَحاً بِمَا آتَاكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إن العيد ذكر وشكر، والشكر عبادة عظيمة، ومنحة جليلة، وعطاء لا ينفد، وبحر جود لا ساحل له، به يكتمل الإيمان، وتتعدد النعم، وفيه صلاح الدين والدنيا..
والشكر عبادة الأنبياء، وصفة من صفات الأتقياء، وهو عبادة الفرج بعد الكرب، واليسر بعد العسر، والصحة بعد المرض، والرخاء بعد الشدة، والأمن بعد الخوف،
وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كثير الشكر لربه، ففي صحيح مسلم: (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا صَلَّى قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَ رِجْلاَهُ قَالَتْ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فَقَالَ «يَا عَائِشَةُ أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا».
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (عِيدُ الأَضْحَى مَوْسِمُ طَّاعَةِ وَاِمْتِثَالِ)
(الله أكبر:5 مرات)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
نعم فالعيد ذكر وشكر، ففي سنن أبي داود: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَخَذَ بِيَدِ مُعَاذ وَقَالَ «يَا مُعَاذُ وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ». فَقَالَ «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لاَ تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ تَقُولُ
اللَّهُمَّ أَعِنِّى عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ». وفي صحيح مسلم: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا».
ويكون الشكر بالمحافظة على الطاعات، واستغلال الأوقات فيما يقرب من الله من العبادات، ويكون الشكر بأن لا تعصي الله بنعمة من نعمه عليك؛ فإذا أنعم الله عليك بنعمة الصحة والقوة والجاه والمال فلا تظلم أحدا، ولا تعتدي على حقوق الآخرين وممتلكاتهم، ولا تسرف بالمعاصي والذنوب.
أيها المسلمون
والعيد في الإسلام غبطة في الدين، وطاعة لله رب العالمين، وبهجة في الدنيا والحياة، ومظهر للقوة والإخاء،
العيد في الإسلام فرحة بانتصار إرادة الخير على الأهواء والشهوات، العيد في الإسلام، مخالفة للشيطان، والرضا بطاعة الرحمن،
فهذا يوم عيدكم، عيد الأضحى المبارك، جعله الله يوم ذكر، وفرح وسرور، فقد جاء مع فريضة الحج، وأعمال العشر من ذي الحجة، وصيام يوم عرفة، فهو يوم ذكر وشكر، وفرحة وسعادة، قال الله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (58) يونس،
فاللهم أدم علينا فرحتنا، واجعلنا من الذاكرين الشاكرين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
وكل عام وأنتم بخير
