خطبة عن (الحج وحدة وتوحيد)
مايو 18, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
روى الإمام البخاري في صحيحه: (عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا». قَالَ ثُمَّ أَيُّ قَالَ «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قَالَ ثُمَّ أَيُّ قَالَ «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». قَالَ حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي)، وفي مسند أحمد: (قَالَ-صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تَعْجِيلُ الصَّلاَةِ لأَوَّلِ وَقْتِهَا»، وفي صحيح مسلم: (يَقُولُ صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَإِنْ قَلَّ». وفي مسند أحمد: (قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ أَحَبَّ الْكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ».
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل:97]، فلَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الدُّنْيَا مَزْرَعَةً لِلآخِرَةِ، وَجَعَلَ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ، بِحَسَبِ صَالِحِ أَعْمَالِهِمْ، وَإِنَّ الفَطِنَ مِنَ العِبَادِ هُوَ مَنْ يَبْحَثُ عَمَّا يُحِبُّهُ اللهُ لِيَفْعَلَهُ، وَعَمَّا يَبْغَضُهُ لِيَجْتَنِبَهُ.
ولهذا فإِنَّنَا اليَوْمَ- إن شاء الله تعالى- نَقِفُ مَعَ السُّؤَالِ العَظِيمِ الَّذِي رَدَّدَهُ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ عَلَى المَعْصُومِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟)، لِنَتَعَرَّفَ عَلَى مَرَاقِي القُرْبِ، وَسُبُلِ النَّجَاةِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فقد رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا». قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ». قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
فتَأَمَّلُوا كَيْفَ قَدَّمَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) “الصَّلَاةَ عَلَى وَقْتِهَا” على سائر العبادات؛ لِأَنَّهَا عِمَادُ الدِّينِ، وَحَقُّ اللهِ الخَالِصِ، فَمَنْ حَافَظَ عَلَى مَوَاقِيتِهَا، مَعَ خُشُوعِهَا، فَقَدْ أَقَامَ صِلَتَهُ بِمَوْلَاهُ، وَمَنِ اسْتَهَانَ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ، فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا مِنَ العِبَادَاتِ أَضْيَعُ.
ثُمَّ ثَنَّى النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِـ “بِرِّ الوَالِدَيْنِ”؛ وَهُوَ أَعْظَمُ حُقُوقِ العِبَادِ، فَالْوَالِدَانِ هُمَا سَبَبُ الُوُجُودِ الحِسِّيِّ لِلإِنْسَانِ، وَقَدْ قَرَنَ اللهُ حَقَّهُمَا بِحَقِّهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الآيَاتِ، فَالْبِرُّ بِهِمَا طَاعَةً، وَالإِحْسَانُ إِلَيْهِمَا قَوْلاً وَفِعْلاً، هُوَ التَّطْبِيقُ العَمَلِيُّ لِرِضَا اللهِ، إِذْ «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الوَالِدِ» [رواه الترمذي].
ثُمَّ جَاءَ “الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ” فِي المَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّهُ حِمَايَةٌ لِلدِّينِ، وَإِعْلَاءٌ لِكَلِمَةِ اللهِ، وَتَضْحِيَةٌ بِالنَّفْسِ وَالمَالِ لِيَبْقَى نُورُ التَّوْحِيدِ سَاطِعاً.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: (عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ». فهَذَا الحَدِيثُ يُرْسِي قَاعِدَةً تَرْبَوِيَّةً نَفِيسَةً؛ فَالْمَطْلُوبُ فِي العِبَادَةِ لَيْسَ الكَثْرَةَ الَّتِي تَعْقَبُهَا الغَفْلَةُ وَالنُّكُوصُ، بَلِ المَطْلُوبُ هُوَ “الِاسْتِمْرَارُ وَالمُوَاظَبَةُ”.
فَرَكْعَتَانِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ يُدَاوِمُ عَلَيْهِمَا العَبْدُ، خَيْرٌ عِنْدَ اللهِ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ كَامِلَةٍ ثُمَّ يَهْجُرُ القِيَامَ شُهُوراً، فالمُدَاوَمَة تُغَذِّي الإِيمَانَ، وَتَجْعَلُ القَلْبَ دَائِمَ الِاتِّصَالِ بِخَالِقِهِ، فَلَا يَعْرِفُ الجَفَاءَ وَلَا يَذُوقُ الرَّانَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَمِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي بَيَانِ مَحَابِّ اللهِ، مَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ وَأَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا» [رواه الطبراني].
فسُبْحَانَ اللهِ! اِنْظُرُوا كَيْفَ يَتَعَدَّى نَفْعُ العِبَادَةِ هُنَا لِيُصْلِحَ المُجْتَمَعَ، فَالمُؤْمِنُ أَنْفَعُ مَا يَكُونُ لِإِخْوَانِهِ؛ يُوَاسِي فَقِيرَهُمْ، وَيَقْضِي دَيْنَ مُعْسِرِهِمْ، وَيَمْسَحُ دَمْعَةَ مَحْزُونِهِمْ، فَتِلْكَ هِيَ الأَعْمَالُ الَّتِي تَفْتَحُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
إِنَّ الثَّمَرَةَ العُظْمَى وَالمَوْعُودَ الإِلَهِيَّ الأَسْمَى لِمَنْ لَزِمَ هَذِهِ الأَعْمَالِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللهُ، هُوَ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) النحل:97، وَالحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ لَيْسَتْ بِالضَّرُورَةِ كَثْرَةَ مَالٍ أَوْ جَاهٍ، بَلْ هِيَ “قَنَاعَةُ القَلْبِ”، وَسَكِينَةُ النَّفْسِ، وَرَاحَةُ البَالِ، وَانْشِرَاحُ الصَّدْرِ بِالإِيمَانِ.
فَالْمُؤْمِنُ الَّذِي يُصَلِّي صَلَاتَهُ عَلَى وَقْتِهَا، وَيَبَرُّ وَالِدَيْهِ، وَيَنْفَعُ النَّاسَ، يَقْذِفُ اللهُ فِي قَلْبِهِ نُوراً يَجْعَلُهُ يَصْبِرُ عَلَى البَلَاءِ، وَيَشْكُرُ عَلَى العَطَاءِ، فَيَعِيشُ مَلِكاً فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ كُنُوزاً.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَلَمْ يَقْتَصِرِ الجَزَاءُ عَلَى نَعِيمِ الدُّنْيَا، بَلْ أَرْدَفَهُ سُبْحَانَهُ بِجَزَاءِ الآخِرَةِ الأَبْقَى، فَقَالَ تعالى: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل:97]، فَاللَّهُ تَعَالَى بِكَرَمِهِ يُضَاعِفُ الحَسَنَاتِ، وَيَتَجَاوَزُ عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَيَجْزِي المـُدَاوِمِينَ عَلَى الطَّاعَاتِ بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ.
فطَرِيق مَحَبَّةِ اللهِ وَاضِحٌ المَعَالِمِ؛ يَبْدَأُ بِفَرِيضَةٍ تُؤَدَّى، وَيَسْتَمِرُّ بِطَاعَةٍ تُدَاوَمُ، وَيَكْتَمِلُ بِنَفْعٍ لِلنَّاسِ يُقَدَّمُ،
فَاحْرِصُوا عَلَى أَنْ تَكُونَ أَعْمَالُكُمْ خَالِصَةً صَوَاباً، لِتَنَالُوا الحَيَاةَ الطَّيِّبَةَ فِي الدَّارَيْنِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَلْنُفَتِّشْ فِي صَحَائِفِ أَعْمَالِنَا: أَيْنَ نَحْنُ مِنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ؟، وَكَيْفَ هِيَ صِلَتُنَا بِآبَائِنَا؟،
وَمَا هُوَ أَثَرُنَا فِي نَفْعِ مَنْ حَوْلَنَا؟
اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَعْمَالَنَا كُلَّهَا صَالِحَةً، وَلِوَجْهِكَ خَالِصَةً، وَلَا تَجْعَلْ لِأَحَدٍ فِيهَا شَيْئاً.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى دَوَامِ الطَّاعَةِ، وَارْزُقْنَا بِرَّ الوَالِدَيْنِ، وَاجْعَلْنَا نَافِعِينَ لِلْعِبَادِ.
اللَّهُمَّ أَحْيِنَا حَيَاةً طَيِّبَةً، وَتَوَفَّنَا عَلَى الإِيمَانِ، وَاجْزِنَا أَجْرَنَا بِأَحْسَنِ مَا كُنَّا نَعْمَلُ.
الدعاء
