خطبة عن (المسلم في يوم عرفة) مختصرة
مايو 17, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الحج وحدة وتوحيد)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (26): (29) الحج، وقال تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [آل عمران:18].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ الحَجَّ إِلَى بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ هُوَ التَّجَلِّي الأَعْظَمُ لِقَضِيَّةِ التَّوْحِيدِ، وَالمَظْهَرُ الأَسْمَى لِوَحْدَةِ الأُمَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ، فَالمَنَاسِكُ كُلُّهَا -مِنْ مَبْدَئِهَا إِلَى مُنْتَهَاهَا- تَدُورُ حَوْلَ قُطْبٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ إِفْرَادُ اللهِ بِالعِبَادَةِ، وَاجْتِمَاعُ القُلُوبِ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَطَاعَتِهِ، فتَأَمَّلُوا فِي شِعَارِ الحَجِّ الخَالِدِ، وَهُوَ “التَّلْبِيَةُ”: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ)، فهَذِهِ الكَلِمَاتُ هِيَ صَيْحَةُ التَّوْحِيدِ، الَّتِي تَدَكُّ صُرُوحَ الشِّرْكِ وَالوَثَنِيَّةِ، فلَقَدْ جَاءَ الحَجُّ لِيُعْلِنَ أَنَّ القَصْدَ هُوَ اللهُ، وَأَنَّ المَلْجَأَ هُوَ اللهُ، وَأَنَّ الحُكْمَ لِلَّهِ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي وَصْفِ حَجِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ» [رواه مسلم]، فَالحَاجُّ لَا يَهْتِفُ بِاسْمِ قَبِيلَةٍ، وَلَا يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً، بَلْ يَذُوبُ فِي نِدَاءِ التَّوْحِيدِ الخَالِصِ.
والتَّوْحِيد فِي الحَجِّ لَيْسَ مُجَرَّدَ قَوْلٍ، بَلْ هُوَ عَمَلٌ وَيَقِينٌ، فَالطَّوَافُ حَوْلَ البَيْتِ لَا يَعْنِي عِبَادَةَ الأَحْجَارِ، بَلْ هُوَ طَوَافٌ بِأَمْرِ رَبِّ هَذَا البَيْتِ، وَتَقْبِيلُ الحَجَرِ الأَسْوَدِ اتِّبَاعٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ» [رواه البخاري ومسلم]. وهَكَذَا يَتَجَلَّى الإِخْلَاصُ؛ وأَنْ تَمْتَثِلَ لِأَمْرِ اللهِ مَهْمَا خَفِيَتْ عَلَيْكَ الحِكْمَةُ، لِتُعْلِنَ أَنَّكَ عَبْدٌ لِلَّهِ لَا لِلْعَادَاتِ وَلَا لِلأَهْوَاءِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَمِنْ رَحِمِ هَذَا التَّوْحِيدِ تُولَدُ “الوَحْدَةُ”، فَالحَجُّ هُوَ المُؤْتَمَرُ الإِسْلَامِيُّ الأَكْبَرُ الَّذِي تَتَحَطَّمُ عَلَى أَعْتَابِهِ كُلُّ الفَوَارِقِ العِرْقِيَّةِ وَاللُّغَوِيَّةِ، ففِي صَعِيدِ عَرَفَاتٍ، تَرَى الأَبْيَضَ بِجَانِبِ الأَسْوَدِ، وَالعَرَبِيَّ بِجَانِبِ العَجَمِيِّ، لَا يُمَيِّزُ بَيْنَهُمْ إِلَّا التَّقْوَى، وهَذَا المَشْهَدُ يُرْسِلُ رِسَالَةً لِلْعَالَمِ أَجْمَع: أَنَّ أُمَّةَ الإِسْلَامِ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ، رَبُّهَا وَاحِدٌ، وَكِتَابُهَا وَاحِدٌ، وَقِبْلَتُهَا وَاحِدَةٌ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء:92]. فَمَنْ حَجَّ وَلَمْ يَسْتَشْعِرْ عِزَّةَ هَذِهِ الوَحْدَةِ، فَقَدْ فَاتَهُ فَهْمُ رُوحِ الإِسْلَامِ.
وهكذا فإِنَّ الحَجَّ يُعَلِّمُنَا أَنَّ قُوَّتَنَا فِي اجْتِمَاعِنَا، وَضَعْفَنَا فِي تَمَزُّقِنَا، وَإِنَّ أَعْظَمَ مَا يَغِيظُ أَعْدَاءَ هَذَا الدِّينِ هُوَ هَذَا الِاصْطِفَافُ الإِيمَانِيُّ العَظِيمُ، فَالْحَاجُّ يَعُودُ مِنْ رِحْلَتِهِ وَقَدْ تَوَسَّعَ مَدَارُ أُفُقِهِ، فَلَا يَنْظُرُ لِلْمُسْلِمِ الآخَرِ بِنَظْرَةِ الغَرِيبِ، بَلْ بِنَظْرَةِ الأَخِ الَّذِي شَارَكَهُ الدُّعَاءَ وَالبُكَاءَ فِي عَرَفَاتٍ، وإِنَّ الوَحْدَةَ المَنْشُودَةَ هِيَ الَّتِي تَنْعَكْسُ فِي أَخْلَاقِنَا بَعْدَ الحَجِّ؛ تَعَاطُفاً، وَتَرَاحُماً، وَنَصْرَةً لِلْمَظْلُومِينَ، وَتَعَاوُناً عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى.
واعلموا أنَّ الحَجَّ رِحْلَةٌ لِتَصْحِيحِ المَفَاهِيمِ؛ فَلَا تَوْحِيدَ بِلَا وَحْدَةٍ، وَلَا وَحْدَةَ بِلَا تَوْحِيدٍ. فَالتَّوْحِيدُ هُوَ الأَصْلُ الَّذِي يَجْمَعُ النَّاسَ، وَالوَحْدَةُ هِيَ الثَّمَرَةُ الَّتِي يَرَاهَا العَالَمُ، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ دُرُوسِ الخُطْبَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ تَأْكِيدُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حُرْمَةِ الدِّمَاءِ وَالأَمْوَالِ وَالأَعْرَاضِ، فَقَالَ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» [رواه البخاري ومسلم]. فهَذِهِ هِيَ رَوَابِطُ الوَحْدَةِ الَّتِي صَانَهَا التَّوْحِيدُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
لِنَكُنْ دُعَاةَ وَحْدَةٍ بِأَفْعَالِنَا قَبْلَ أَقْوَالِنَا، وَلْنَنْبِذْ كُلَّ دَعْوَى تُمَزِّقُ صَفَّ المُسْلِمِينَ، سَوَاءٌ كَانَتْ طَائِفِيَّةً أَوْ حِزْبِيَّةً أَوْ مَنَاطِقِيَّةً.
إِنَّ الحَجَّ يُنَادِينَا: كُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَاناً، وَإِنَّ مَنْ عَظَّمَ التَّوْحِيدَ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعَظِّمَ حُرْمَةَ المُؤْمِنِ، فَالمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً.
فَلْنَحْمِلْ مَعَنَا مَشَاعِرَ الحَجِّ إِلَى بِلَادِنَا، وَلْنَبْنِ فِي مُجْتَمَعَاتِنَا جُسُورَ المَحَبَّةِ وَالتَّآخِي، مُسْتَمْسِكِينَ بِحَبْلِ اللهِ المَتِينِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (الحج وحدة وتوحيد)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
إن وحدة المسلمين تتضح في أجلى صورها ومعانيها في هذا الركن العظيم، ففي الحج يجتمع الملايين من المسلمين، من شتى بقاع المعمورة، ويمثّلون فيه أمة الإسلام على اختلاف أجناسها، وبلدانها، وألوانها، ولغاتها.
وفي الحج يجتمعون في مكان واحد، وفي زمان واحد، وفي لباس واحد، ويؤدون نسكًا واحدًا، ويقفون في المشاعر موقفًا واحدًا، ويعلنون فيه توحيدهم لرب العالمين، وخضوعهم لشريعته، وتوحدهم تحت لوائه ورايته، ويعلنون للعالم كله بأنهم أمة واحدة، وإن نأتْ بهم الديار، وشطت بهم الأمصار،
وفي الحج يؤدون مناسك الحج، ويقفون في عرصات مكة ومشاعرها، حيث تتلاصق الأبدان، وتتعارف الوجوه، وتتصافح الأيدي، وتتبادل التحايا، وتتناجى الألسن، وتتآلف القلوب، يلتقون على وحدة الغاية والوسيلة.
فأي وحدة أبلغ وأعمق من وحدة الحجاج وهم يقفون في صعيد عرفات، حاسري الرؤوس، مكتسين بالبياض، لا فرق بين غني وفقير، وأمير ومأمور، وكبير وصغير، وعربي وعجمي ،فكلهم سواسية كأسنان المشط، وكلهم متوجهون إلى الله ذليلين خاشعين، يبتغون إلى ربهم الوسيلة، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه.
وكذلك هو الحال في الطواف والسعي، والمبيت بمزدلفة ومنى، وعند ذبح الهدي، ورمي الجمرات، وهو الحال حين يصلون صلاة الجماعة في تلك العرصات، أو في المسجد الحرام، فهم يصلون خلف رجل واحد هو الإمام، ويناجون ربًّا واحدًا هو الله، ويتلون كتابًا واحدًا هو القرآن، ويتجهون إلى قبلة واحدة هي الكعبة البيت الحرام، ويؤدون أعمالاً واحدة.
ففي الحج وحدة نفذت إلى اللباب، ولم تكتف بالقشور، فهي وحدة في النظرة والفكرة،
ووحدة في الغاية والوجهة، ووحدة في القول والعمل، ووحدة في المخبر والمظهر، هي وحدة يشعرون فيها بروح الآية الكريمة: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]. ففي تلك الشعائر والمشاعر تختفي فوارق المكانة والثروة والجنس واللون، ويعم الأرجاء جوّ قشيب مهيب من الإخاء والصفاء، والمودة والمحبة،
فاللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَانْصُرِ المُسْلِمِينَ، وَاجْمَعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ وَاليَقِينِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ حَجَّ الحُجَّاجِ بَرَكَةً عَلَى الأُمَّةِ، وَنُوراً يَمْحُو الظُّلْمَةَ. اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ. اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِتَوْحِيدِنَا وَوَحْدَتِنَا سُوءاً فَاشْغَلْهُ فِي نَفْسِهِ، وَاجْعَلْ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
الدعاء
