خطبة عن (الحج أركانه وفضائله)
مايو 4, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (15)، (16) المائدة
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى: (إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) [الإسراء:9]. فقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى البَشَرِيَّةِ بِنُورٍ يَتَبَدَّدُ بِهِ ظَلَامُ الجَهْلِ، وَكِتَابٍ تَنْتَهِي عِنْدَهُ حَيْرَةُ الضَّلَالِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [المائدة:15-16].
ومَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ فِي حَالِ العَالَمِ قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَأَى تَخَبُّطاً فِي العَقَائِدِ، وَفَسَاداً فِي الأَخْلَاقِ، وَضَيَاعاً لِلْحُقُوقِ، فَجَاءَ هَذَا الوَحْيُ لِيُعِيدَ لِلإِنْسَانِ كَرَامَتَهُ، وَلِلْعَقْلِ رُشْدَهُ، لذا قال بعض المفسرين: (إِنَّ النُّورَ المَذْكُورَ فِي الآيَةِ هُوَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللهُ نُوراً لِأَنَّهُ يُبْصِرُ بِهِ العَمِيُّ، وَيُهْدَى بِهِ الضَّالُّ).
لَقَدْ كَانَتِ البَشَرِيَّةُ قَبْلَهُ كَمَنْ يَمْشِي فِي نَفَقٍ مُظْلِمٍ لَا يَدْرِي مَبْدَأَهُ وَلَا مُنْتَهَاهُ، فَجَاءَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِيَقُولَ لِلنَّاسِ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ) [رواه الحاكم في المستدرك].
وَإِنَّ تَعْظِيمَ هَذَا النُّورِ لَيْسَ بِالادِّعَاءِ، بَلْ بِالاقْتِفَاءِ؛ فَمَنِ اتَّبَعَ سُنَّتَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَضَاءَ اللهُ لَهُ بَصِيرَتَهُ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ هَدْيِهِ تَرَدَّى فِي دَيَاجِيرِ الهَوَى، فَالنُّورُ النَّبَوِيُّ هُوَ التَّطْبِيقُ العَمَلِيُّ لِمُرَادِ اللهِ تَعَالَى مِنَ الخَلْقِ، وَبِدُونِ هَذَا النُّورِ يَبْقَى الكِتَابُ مَسْتُوراً فِي الصُّدُورِ دُونَ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ وَاقِعاً يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقوله سُبْحَانَهُ: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ): فهَذَا الكِتَابُ المُبِينُ هُوَ حَبْلُ اللهِ المَتِينُ، وَالصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ. وهُوَ الكِتَابُ الَّذِي “لَا تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ العُلَمَاءُ” كَمَا وَصَفَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِيمَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [رواه الترمذي].
وإِنَّمَا سُمِّيَ الكتاب “مُبِيناً” لِأَنَّهُ أَبَانَ طَرِيقَ الحَقِّ مِنْ طَرِيقِ الضَّلَالِ، وَفَصَّلَ الحَلَالَ وَالحَرَامَ، وَكَشَفَ لِلإِنْسَانِ عَنْ حَقِيقَةِ وُجُودِهِ وَمَصِيرِهِ. والمُجْتَمَعَات الَّتِي تَبْتَعِدُ عَنْ هَذَا الكِتَابِ تَعِيشُ فِي حَالَةِ “العَمَى الثَّقَافِيِّ”؛ حَيْثُ تَرَى المَعْرُوفَ مُنْكَراً وَالمُنْكَرَ مَعْرُوفاً، أَمَّا مَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ، فَإِنَّهُ يَرَى الأَشْيَاءَ بِحَقَائِقِهَا الَّتِي أَرَادَهَا اللهُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ): فإِنَّ شَرْطَ الِانْتِفَاعِ بِهَذَا النُّورِ هُوَ “اتِّبَاعُ الرِّضْوَانِ”؛ أَيْ أَنْ يَكُونَ هَمُّ العَبْدِ هُوَ طَلَبَ مَا يُرْضِي اللهَ سُبْحَانَهُ، فَإِذَا صَدَقَتِ النِّيَّةُ، فَتَحَ اللهُ لِلْعَبْدِ آفاقاً مِنَ السَّلَامِ؛ سَلَامٌ مَعَ النَّفْسِ فَلَا تَتَمَزَّقُ بَيْنَ الشَّهَوَاتِ، وَسَلَامٌ مَعَ الخَلْقِ فَلَا يَعْتَدِي وَلَا يَظْلِمُ، وَسَلَامٌ مَعَ الكَوْنِ فَيَعِيشُ فِي تَنَاغُمٍ مَعَ خَالِقِهِ.
إِنَّ البَحْثَ عَنِ السَّعَادَةِ بَعِيداً عَنْ هَذَا الكِتَابِ هُوَ ضَرْبٌ مِنَ الخَيَالِ، وَمُحَاوَلَةٌ لِلإِبْصَارِ فِي عَتَمَةٍ شَدِيدَةٍ بِلَا سِرَاجٍ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وهَذَا القُرْآن لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ تُتْلَى لِلتَّبَرُّكِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ “مَنْهَجُ حَيَاةٍ” وَ “دُسْتُورُ أُمَّةٍ”، فلَقَدْ صَنَعَ هَذَا الكِتَابُ مِنْ رُعَاةِ الغَنَمِ قَادَةً لِلأُمَمِ، وَحَوَّلَ القُلُوبَ القَاسِيَةَ إِلَى مَنَابِعَ لِلرَّحْمَةِ، وَإِنَّ تَعْطِيلَ العَمَلِ بِهِ هُوَ سَبَبُ كُلِّ ضَنْكٍ نَعِيشُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) [طه:124].
فَالنُّورُ مَوْجُودٌ، وَالكِتَابُ بَيْنَ أَيْدِينَا، وَلَكِنَّ العَيْبَ فِي أَعْيُنٍ غَطَّاهَا الرَّانُ، وَقُلُوبٍ أَغْلَقَتْهَا المَعَاصِي، فَلْنُقْبِلْ عَلَى هَذَا النُّورِ بِقُلُوبٍ خَاشِعَةٍ، وَنُفُوسٍ لِلْحَقِّ خَاضِعَةٍ، فإِنَّ الِاسْتِمْسَاكَ بِهَذَا النُّورِ وَالكِتَابِ هُوَ سَبِيلُ النَّجَاةِ فِي زَمَنِ الفِتَنِ الَّتِي كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، ولَقَدْ وَصَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القُرْآنَ بِأَنَّهُ: «مَأْدُبَةُ اللهِ، فَتَعَلَّمُوا مَأْدُبَتَهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [رواه الحاكم]. وَالمَأْدُبَةُ هِيَ الطَّعَامُ الَّذِي يُصْنَعُ لِلتَّكْرِيمِ، فَمَنْ أَرَادَ كَرَامَةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَلْيَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةِ القُرْآنِ؛ تَعَلُّماً، وَتَدَبُّراً، وَتَطْبِيقاً.
وإِنَّ النُّورَ الَّذِي نَتَحَدَّثُ عَنْهُ يَبْدَأُ مِنْ ضَمِيرِ الإِنْسَانِ، فَيُطَهِّرُهُ، ثُمَّ يَنْعَكِسُ عَلَى جَوَارِحِهِ، فَلَا تَمْتَدُّ يَدُهُ إِلَى حَرَامٍ، وَلَا تَمْشِي قَدَمُهُ إِلَى آثَامٍ، لِأَنَّ كِتَابَ اللهِ يَقُودُهُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
(قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ): فكُلَّ أَزَمَةٍ يَمُرُّ بِهَا الفَرْدُ، أَوْ تَمُرُّ بِهَا الأُمَّةُ، لَهَا فِي هَذَا الكِتَابِ مَخْرَجٌ وَنُورٌ، قَالَ تَعَالَى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل:89]. وَلَكِنَّ هَذَا التِّبْيَانَ لَا يُدْرِكُهُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ القُرْآنَ أَمَامَهُ يَقُودُهُ، لَا مَنْ جَعَلَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ نَسِيًّا مَنْسِيًّا،
وإِنَّ عَوْدَتَنَا إِلَى “النُّورِ” تَعْنِي عَوْدَتَنَا إِلَى صَفَاءِ العَقِيدَةِ، وَعَوْدَتَنَا إِلَى “الكِتَابِ المُبِينِ” تَعْنِي تَحْكِيمَ شَرْعِ اللهِ فِي كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ، فعِنْدَهَا فَقَطْ، تَتَحَقَّقُ لَنَا الوعُودُ الرَّبَّانِيَّةُ بِالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ.
فلِنَجْعَلْ لِأَنْفُسِنَا وَلِأَهْلِينَا وِرْداً مِنْ هَذَا النُّورِ، لَا لِنَقْرَأَهُ بِأَلْسِنَتِنَا فَقَطْ، بَلْ لِنُحَاكِمَ إِلَيْهِ أَخْلَاقَنَا، فإِذَا غَضِبْتَ، فَانْظُرْ مَاذَا يَقُولُ الكِتَابُ؟، وَإِذَا خَاصَمْتَ، فَانْظُرْ مَاذَا يَقُولُ النُّورُ؟، وَإِذَا تَعَامَلْتَ بِالمَالِ، فَانْظُرْ هَلْ أَنْتَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ؟، وهَكَذَا يَكُونُ القُرْآنُ نُوراً يَمْشِي بِهِ المَرْءُ فِي النَّاسِ، فاللَّهُمَّ اجْعَلِ القُرْآنَ لَنَا فِي الدُّنْيَا قَرِيناً، وَفِي القَبْرِ مُؤْنِساً، وَعَلَى الصِّرَاطِ نُوراً، وَإِلَى الجَنَّةِ رَفِيقاً.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ الثَّمَرَةَ العُظْمَى لِهَذَا النُّورِ وَالكِتَابِ هِيَ الهِدَايَةُ إِلَى “سُبُلِ السَّلَامِ”، وَالسَّلَامُ هُنَا يَشْمَلُ: سَلَامَةَ القَلْبِ مِنَ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَسَلَامَةَ المُجْتَمَعِ مِنَ الظُّلْمِ وَالعُدْوَانِ، وَسَلَامَةَ العَبْدِ فِي الآخِرَةِ مِنْ عَذَابِ اللهِ.
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي تَفْسِيرِهِ: (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ) أَيْ: طُرُقَ النَّجَاةِ وَالسَّلَامَةِ، وَمَنَاهِجَ الِاسْتِقَامَةِ.
فمَنْ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ ظُلُمَاتِ الغَفْلَةِ فَعَلَيْهِ بِالقُرْآنِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ ظُلُمَاتِ المَعَاصِي فَعَلَيْهِ بِالقُرْآنِ، فإِنَّ الصِّلَةَ بِالقُرْآنِ تُورِثُ فِي القَلْبِ فِرَاسَةً وَنُوراً، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ القُرْآنِ، وَذِكْرِ اللهِ؛ فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ فِي الأَرْضِ، وَذُخْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ» [رواه ابن حبان في صحيحه].
فَلْنُجَدِّدِ العَهْدَ مَعَ كِتَابِ رَبِّنَا، وَلْنَسْتَمْسِكْ بِهَدْيِ نَبِيِّنَا، وَلْنَعْلَمْ أَنَّ كُلَّ طَرِيقٍ لَا يُنِيرُهُ الوَحْيُ هُوَ طَرِيقٌ مُظْلِمٌ مَهْمَا زَيَّنَهُ النَّاسُ، فَاللَّهُمَّ اجْعَلِ القُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا، وَنُورَ صُدُورِنَا، وَجَلَاءَ أَحْزَانِنَا، وَذَهَابَ هُمُومِنَا وَغُمُومِنَا.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
والصحابة الكرام رضي الله عنهم لم يتلقوا القرآن الكريم وحده معزولا عمن أنزل عليه الوحي، بل تلقوا حروفه وكلماته من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستقبلوا روح القرآن الكريم ونوره من قلبه الشريف الطاهر، وتخلقوا بأخلاق القرآن الكريم، عن طريق صحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، إذ كان خلقه القرآن كما وصفته بذلك أمنا عائشة رضي الله عنها، ففي مسند أحمد: (عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. قَالَتْ كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) قُلْتُ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَبَتَّلَ. قَالَتْ لاَ تَفْعَلْ أَمَا تَقْرَأُ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) فَقَدْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَقَدْ وُلِدَ لَهُ).
وكان عليه الصلاة والسلام يجمع من آمن به منذ اللحظات الأولى للدعوة الإسلامية (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) (الجمعة:2)، فيزكي نفوسهم في محضن التربية الإيمانية في دار الأرقم، لتصطبغ حياتهم بهداية القرآن الكريم، وتتنور قلوبهم بأنواره، وهو الذي أمره الله عز وجل بقيام الليل، معللا ذلك بقوله تعالى: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا) (المزمل:5).
ولذلك أنكر بعض الصحابة (رضي الله عنهم) – من بعدُ – أخذ أناس للقرآن ولمّا تتضلّعْ قلوبهم من معين التربية الإيمانية، فعن القاسم بن عوف قال: سمعت عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: “لَقَدْ عِشْنَا بُرْهَةً مِنْ دَهْرٍ وَأَحَدُنَا يَرَى الْإِيمَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ، وَتَنْزِلُ السُّورَةُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَتَعَلَّمُ حَلَالَهَا وَحَرَامَهَا، وَأَمْرَهَا وَزَاجِرَهَا، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ نُوقَفَ عِنْدَهُ مِنْهَا، كَمَا تَعَلَّمُونَ أَنْتُمُ الْيَوْمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ لَقَدْ رَأَيْتُ الْيَوْمَ رِجَالًا يُؤْتَى أَحَدُهُمُ الْقُرْآنَ قَبْلَ الْإِيمَانِ ،فَيَقْرَأُ مَا بَيْنَ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ، وَلَا يَدْرِي مَا أَمْرُهُ وَلَا زَاجِرُهُ، وَلَا مَا يَنْبَغِي أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ مِنْهُ وَيَنْثُرُهُ نَثْرَ الدَّقلِ”
وأكد هذا الأمر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “كُنا نتعلَّمُ من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَشْرَ آياتٍ، فما نعلَمُ العَشْرَ التي بعدَهنَّ؛ حتى نتعلَّمَ ما أُنزِلَ في هذه العَشْرِ منَ العَمَلِ” وفي مسند أحمد: (عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حَدَّثَنَا مَنْ كَانَ يُقْرِئُنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَرِئُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَشَرَ آيَاتٍ فَلاَ يَأْخُذُونَ فِي الْعَشْرِ الأُخْرَى حَتَّى يَعْلَمُوا مَا فِي هَذِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ. قَالُوا فَعَلِمْنَا الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ).
فقد تعلموا القرآن تعظيما له، وحبا فيه، وعزما على تنفيذ ما جاء فيه من أحكام وتوجيهات وإرشادات، ورغبة في دعوة الناس إليه.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقوله تعالى: (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (16) المائدة
فما أعظم وقعها على القلب، فالله عز وجل في عليائه أراد لعباده الخير في الدنيا والآخرة فأرسل إليهم نبيه صلى الله عليه وسلم وهو نور الأنوار، وأنزل عليه القرآن الكريم لإرشادهم وهدايتهم لما يسعدهم في الدنيا والآخرة، ولكن الهداية، بمعنى التوفيق، هي خاصة بمن (اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّه) أي من اتبع رضا الله عز وجل واتبع الدين الذي ارتضاه الله لعباده ورضي لهم منهاجه.
وقد رتبت الآية على اتباع ما يرضي الله عز وجل والتمسك بالقرآن العظيم ثلاث منح وهي:
المنحة الأولى: الهداية إلى سبل السلام: وهي طرق السلام وسبيل الله الذي شرعه لعباده ودعاهم إليه وابتعث به رسله وهو الإسلام، وقيل هي طرق السلامة الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل آفة والمُؤمَّنة من كل مخالفة وهي الجنة.
ولسيد قطب رحمه الله كلام جميل في معنى سبل السلام، يقول رحمه الله في ظلاله: “وما أدق هذا التعبير وأصدقه؛ إنه “السلام” هو ما يسكبه هذا الدين في الحياة كلها.. سلام الفرد، وسلام الجماعة، وسلام العالم.. سلام الضمير، وسلام العقل، وسلام الجوارح.. سلام البيت والأسرة، وسلام المجتمع والأمة، وسلام البشر والإنسانية.. السلام مع الحياة، والسلام مع الكون، والسلام مع الله رب الكون والحياة.. السلام الذي لا تجده البشرية – ولم تجده يوما – إلا في هذا الدين؛ وإلا في منهجه ونظامه وشريعته، ومجتمعه الذي يقوم على عقيدته وشريعته”.
المنحة الثانية: (يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ): أي يخرجهم من ظلمات الكفر والشرك، من ظلمات الخرافات والأساطير والأوهام، من ظلمات الشهوات والنزعات… إلى نور الإسلام وضيائه وطمأنينته وسكينته ورحمته وعدله، بإذنه؛ أي بتوفيقه وبإرادته وعلمه.
المنحة الثالثة: (وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ): أي ويهدى – سبحانه – هؤلاء الذين علم منهم اتباع ما يرضيه إلى صراط مستقيم، وطريق قويم لا اعوجاج فيه ولا اضطراب، وهو طريق الإِسلام الذى يوصل إلى الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة”
إنها الهداية إلى صراط المُنْعَم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.
الدعاء
