خطبة عن (تعظيم الحرمات والبلد الحرام)
مايو 10, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (أيام العشر من ذي الحجة وفضلها)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (وَالْفَجْرِ* وَلَيَالٍ عَشْرٍ) [الفجر:1-2]. وروى البخاري في صحيحه: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – أَنَّهُ قَالَ «مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ». قَالُوا وَلاَ الْجِهَادُ قَالَ «وَلاَ الْجِهَادُ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ».
إخوة الإسلام
إن من فضل الله تعالى على عباده المؤمنين، أن جعل لهم مواسم للطاعات، يُكثرون فيها من العمل الصالح، ويتنافسون فيها فيما يقربهم إلى رب الأرض والسموات، والسعيد من اغتنم تلك المواسم، وجعلها زادا له، يقربه من الجنات، ففي الحديث الذي رواه الطبراني قال صلى الله عليه وسلم: «إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها لعل أحدكم أن يصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها أبداً»
ومن بين هذه المواسم الفاضلة: الأيام العشر من ذي الحجة، وهي أيام شهد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها أفضل أيام الدنيا، وحث على العمل الصالح فيها؛
وقَدْ أَقْسَمَ اللهُ تبارك وتَعَالَى بِهَذِهِ اللَّيَالِي، لِعِظَمِ شَأْنِهَا، وَرَفْعَةِ مَكَانَتِهَا، فَهِيَ أَيَّامُ العُمُرِ الغَالِيَةُ، وَهي مَوْسِمُ التِّجَارَةِ الرَّابِحَةِ مَعَ اللهِ، فأيام العَشْر من ذِي الحِجَّةِ هِيَ أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا عَلَى الإِطْلَاقِ، ففِيهَا تَجْتَمِعُ أُمَّهَاتُ العِبَادَاتِ، وَتَتَنَزَّلُ الرَّحَمَاتُ، وَتُضَاعَفُ الحَسَنَاتُ، بِمَا لَا يَكُونُ فِي غَيْرِهَا مِنَ الزَّمَانِ.
وفَضْل هَذِهِ الأَيَّامِ قَدْ بَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ» يَعْنِي أَيَّامَ العَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: «وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» [رواه البخاري].
فَتَأَمَّلُوا كَيْفَ غَلَبَ العَمَلُ البَسِيطُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ فَرَائِضَ وَأَعْمَالاً عِظَاماً فِي غَيْرِهَا، إِنَّ هَذَا الفَضْلَ يَعُودُ لِاجْتِمَاعِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالحَجِّ فِيهَا، وَهَذَا لَا يَتَهَيَّأُ فِي غَيْرِ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَمِنْ أَعْظَمِ الأَعْمَالِ فِيهَا: “ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى”، فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وتعالى: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) [الحج:28]. وَالأَيَّامُ المَعْلُومَاتُ هِيَ العَشْرُ، وَقَدْ أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالإِكْثَارِ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ فِيهَا، فإِنَّ التَّكْبِيرَ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ هُو شِعَارُ المُسْلِمِينَ، فَلْتَعْلُ أَصْوَاتُكُمْ بِتَعْظِيمِ رَبِّكُمْ فِي المَسَاجِدِ وَالبُيُوتِ وَالأَسْوَاقِ، إِحْيَاءً لِلسُّنَّةِ، وَتَطْهِيراً لِلْقُلُوبِ، فلَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ يُكَبِّرُونَ فِي الأَسْوَاقِ حَتَّى تَرْتَجَّ المَدِينَةُ تَكْبِيراً، تَعْظِيماً لِشَعَائِرِ اللهِ.
وَمِنْ أعمال الطَّاعَةِ فِيهَا: “الصِّيَامُ”، فَإِنْ كَانَ يُسْتَحَبُّ صِيَامُ التِّسْعِ الأُوَلِ كُلِّهَا، فَإِنَّ “يَوْمَ عَرَفَةَ” لَهُ شَأْنٌ خَاصٌّ لِغَيْرِ الحَاجِّ، فقد قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» [رواه مسلم]،
فَأَيُّ كَرَمٍ رَبَّانِيٍّ هَذَا؟، فصِيَامُ يَوْمٍ وَاحِدٍ يَغْفِرُ ذُنُوبَ سَنَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ!، فَلَا يَحْرِمَنَّ نَفْسَهُ هَذَا الفَضْلَ إِلَّا مَحْرُومٌ، فَلْنَسْتَعِدَّ لِهَذَا اليَوْمِ العَظِيمِ بِالصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَكَثْرَةِ الدُّعَاءِ، فَإِنَّ خَيْرَ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ هَذِهِ العَشْرَ هِيَ فُرْصَةٌ لِتَجْدِيدِ التَّوْبَةِ، وَصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَالإِحْسَانِ إِلَى الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ، فلَا تَجْعَلُوا هَذِهِ الأَيَّامَ تَمُرُّ كَغَيْرِهَا مِنْ أَيَّامِ العَامِ، بَلْ اجْعَلُوا لَكُمْ فِيهَا خَبِيئَةً، مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ، فَمَنْ كَانَ قَدْ فَرَّطَ فِي رَمَضَانَ، فَهَا هِيَ نَفَحَاتُ ذِي الحِجَّةِ قَدْ أَقْبَلَتْ لِتَجْبُرَ الكَسْرَ، وَتُعْلِيَ القَدْرَ، وإِنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ التَّقَرُّبَ إِلَيْهِ فِيمَا افْتَرَضَ، ثُمَّ لَا يَزَالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى يُحِبَّهُ، فَلْنَكُنْ مِمَّنْ أَحَبَّهُمُ اللهُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الزَّاهِيَةِ.
ومن المعلوم أنَّ خِتَامَ هَذِهِ العَشْرِ المُبَارَكَةِ هُوَ “يَوْمُ النَّحْرِ”، وَهُوَ أَعْظَمُ الأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ القَرِّ» [رواه أبو داود]، فَفِيهِ نَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ بِذَبْحِ الأَضَاحِي، إِحْيَاءً لِسُنَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ، وَاتِّبَاعاً لِهَدْيِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَنْ أَرَادَ الأُضْحِيَّةَ، فَلْيَمْتَنِعْ عَنْ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ شَعْرِهِ أَوْ أَظْفَارِهِ مُنْذُ دُخُولِ العَشْرِ، تَعْظِيماً لِلنُّسُكِ، وَتَشَبُّهاً بِالمُحْرِمِينَ.
ومن الملاحظ أنَّ هَذِهِ المَوَاسِمَ تَمْضِي سَرِيعاً، وَالسَّعِيدُ مَنْ غَنِمَ فِيهَا مَا يُثَقِّلُ مِيزَانَهُ، فلَا تَجْعَلُوا الشَّوَاغِلَ وَالصَّوَارِفَ تَسْرِقُ مِنْكُمْ لَحَظَاتِ هَذِهِ العَشْرِ، واجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ تَعِجُّ بِالتَّكْبِيرِ، وَقُلُوبَكُمْ تَنْبِضُ بِالذِّكْرِ، وَتَذَكَّرُوا أَنَّ العِبَادَةَ فِي وَقْتِ الغَفْلَةِ لَهَا أَجْرٌ مَضْمُومٌ، فَالنَّاسُ فِي الأَسْوَاقِ يَسْعَوْنَ خَلْفَ مَتَاعِ الدُّنْيَا، وَالمُؤْمِنُ يَسْعَى خَلْفَ مَرْضَاةِ مَوْلَاهُ، قَالَ تَعَالَى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران:133]. فَلْنَبْدَأْ صَفْحَةً مِلْؤُهَا الهِمَّةُ وَالعَزِيمَةُ، وَلْنُرِ اللهَ مِنْ أَنْفُسِنَا خَيْراً،
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (أيام العشر من ذي الحجة وفضلها)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
وحري بالمسلم أن يستقبل مواسم الطاعات عامة، والعشر من ذي الحجة خاصة بأمور ومنها: التوبة الصادقة، والعزم الأكيد على الرجوع إلى الله، ففي التوبة فلاح للعبد في الدنيا والآخرة، يقول الله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [النور:31].
ثانيا : ينبغي على المسلم أن يحرص حرصاً شديداً على عمارة هذه الأيام بالأعمال والأقوال الصالحة، ومن عزم على شيء أعانه الله، وهيأ له الأسباب التي تعينه على إكمال العمل، ومن صدق الله صدقه الله، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) العنكبوت (69)
ثالثا : أن نستقبل الأيام العشر من ذي الحجة بالبعد عن المعاصي: فكما أن الطاعات أسباب للقرب من الله تعالى، فالمعاصي أيضا أسباب للبعد عن الله، والطرد من رحمته، وقد يحرم الإنسان رحمة الله بسبب ذنب يرتكبه، ففي مسند أحمد: (عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ وَلاَ يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلاَّ الدُّعَاءُ وَلاَ يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلاَّ الْبِرُّ» فإن كنت تطمع في مغفرة الذنوب والعتق من النار فأحذر الوقوع في المعاصي في هذه الأيام وفي غيرها؟
وعليكم بالإكثار من الأعمال الصالحة فيها، لأن العمل الصالح محبب إلى الله تعالى، ومن لم يمكنه الحجّ هذا العام، فعليه أن يعمر هذه الأوقات الفاضلة بطاعة الله تعالى: من صلاة، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، والصدقة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وحفظ اللسان والفرج، والإحسان إلى الجيران، وإكرام الضيف، والإنفاق في سبيل الله، وإماطة الأذى عن الطريق، والنفقة على الزوجة والعيال، وكفالة الأيتام، وزيارة المرضى، وقضاء حوائج الإخوان، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وعدم إيذاء المسلمين، والرفق بالرعية، وصلة أصدقاء الوالدين، والدعاء للإخوان بظهر الغيب، وأداء الأمانات، والوفاء بالعهد، وإدخال السرور على المسلمين، والشفقة بالضعفاء، واصطناع المعروف، والدلالة على الخير، وسلامة الصدر، وترك الشحناء، وتعليم الأولاد والبنات، والتعاون مع المسلمين فيما فيه خير، وغير ذلك من طرق الخير، وسبل الطاعة.
فاللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَيَّامِ العَشْرِ، وَأَعِنَّا فِيهَا عَلَى الذِّكْرِ وَالشُّكْرِ وَحُسْنِ العِبَادَةِ. اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ طَاعَاتِنَا، وَاغْفِرْ زَلَّاتِنَا، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ كَتَبْتَ لَهُمُ النَّجَاةَ مِنَ النَّارِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ المُبَارَكَةِ. اللَّهُمَّ احْفَظْ حُجَّاجَ بَيْتِكَ، وَأَعِنْ مَنْ حُرِمَ عَلَى قَضَاءِ وَقْتِهِ فِي طَاعَتِكَ، وَاجْمَعْ كَلِمَةَ المُسْلِمِينَ عَلَى الحَقِّ وَالهُدَى.
الدعاء
