خطبة عن الدعاء ،وحديث ( أَسْأَلُكَ .. خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ .. وَلِذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ)
مايو 30, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (فضائل الأعمال: المفهوم والغاية)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل:97].
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم- إن شاء الله تعال- مع: (فضائل الأعمال: المفهوم والغاية)،
فحين تشتاق النفوس إلى الله تعالى، والدار الآخرة، تطلب معالي الأمور، وتنشغل بأقرب الأعمال وأفضلها، وتبحث عن أقرب الطرق إلى الله، فتسأل عن فضائل الاعمال،
وَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ بِأَنْ شَرَعَ لَهُمُ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ، لِتَكُونَ سُلَّماً لِلِارْتِقَاءِ، وَجَعَلَ لِكُلِّ طَاعَةٍ فَضْلاً وَثَوَاباً مَخْصُوصاً، يَشْحَنُ الهِمَمَ، وَيَطْرُدُ الكَسَلَ، وَإِنَّنَا اليَوْمَ قَبْلَ أَنْ نُنَادِيَ النَّاسَ إِلَى مَيَادِينِ الطَّاعَاتِ، نَقِفُ وِقْفَةً مَنْهَجِيَّةً، لِنُبَيِّنَ المَقَاصِدَ وَالغَايَاتِ، مِنْ خِلَالِ الحَدِيثِ عَنْ “فَضَائِلِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ”، مُسْتَنِيرِينَ بِأَنْوَارِ الكِتَابِ، وَمُسْتَرْشِدِينَ بِهُدَى السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ.
وأَوَّل مَا يَجِبُ بَيَانُهُ هُوَ “مَعْنَى: (فَضَائِلِ الأَعْمَالِ)؛ فَالمَقْصُودُ بِالفَضَائِلِ هُنَا هِيَ: (الأُجُورُ المُضَاعَفَةُ، وَالثَّوَابُ المَخْصُوصُ، وَالكَرامَاتُ العَاجِلَةُ وَالآجِلَةُ، الَّتِي رَتَّبَهَا الشَّارِعُ الحَكِيمُ عَلَى فِعْلِ طَاعَةٍ مُعَيَّنَةٍ)، فَالْفَضْلُ هُوَ الزِّيَادَةُ وَالإِحْسَانُ الرَّبَّانِيُّ، الَّذِي يَفُوقُ عَدْلَ الحِسَابِ العَادِيِّ.
أَمَّا “المَقْصُودُ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ”: فَهُوَ كُلُّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ نِيَّةٍ يتَقَرَّبَ بِهَا العَبْدُ إِلَى اللهِ، بِشَرْطَيْنِ أَسَاسِيَّيْنِ، لَا قَبُولَ لَهُ بِدُونِهِمَا: الشَّرْطُ الأَوَّلُ هُوَ: “الإِخْلَاصُ الخَالِصُ” لِوَجْهِ اللهِ، وَالشَّرْطُ الثَّانِي هُوَ: “المُتَابَعَةُ الصَّحِيحَةُ” لِهَدْيِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَمَا لَمْ يَكُنْ (خَالِصاً صَوَاباً) فَلَيْسَ عَمَلاً صَالِحاً، وَإِنْ بَدَا فِي أَعْيُنِ النَّاسِ عَظِيماً.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَالقُرْآنُ الكَرِيمُ يَرْبِطُ قَبُولَ هَذَا العَمَلِ بِأَصْلِ الإِيمَانِ؛ فَقَالَ تَعَالَى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) [النحل:97].. فَالإِيمَانُ هُوَ القَاعِدَةُ الَّتِي يُبْنَى عَلَيْهَا قَبُولُ الطَّاعَاتِ.
وَالسُّؤَالُ هُنَا: “مَا هُوَ الهَدَفُ مِنْ بَيَانِ فَضَائِلِ الأَعْمَالِ؟”؛ والجَوَابُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَعْلَمُ طَبِيعَةَ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ وَمَيْلَهَا إِلَى الكَسَلِ، أَوْ حَاجَتِهَا إِلَى المُحَفِّزَاتِ، فَجَاءَ بَيَانُ الفَضَائِلِ لِيَكُونَ “سَائِقاً لِلْقُلُوبِ” نَحْوَ مَرَاقِي القُرْبِ.
فَعِنْدَمَا يَعْلَمُ المُسْلِمُ أَنَّ هُنَاكَ كَلِمَاتٍ بَسِيطَةً تَمْلأُ المِيزَانَ، أَوْ رَكَعَاتٍ تَغْفِرُ الكَبَائِرَ، تَتَحَرَّكُ فِيهِ هِمَّةُ التَّنَافُسِ، وَتَتَقَطَّعُ أَمَامَهُ مَعَاذِيرُ التَّفْرِيطِ.
وتَأَمَّلُوا كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَسْتَخْدِمُ أُسْلُوبَ التَّشْوِيقِ لِبَيَانِ هَذِهِ الفَضَائِلِ؛ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى».
فاِنْظُرُوا إِلَى هَذَا التَّحْفِيزِ!، فعَمَلٌ يَسِيرٌ يَبْذُلُهُ اللِّسَانُ، يَفُوقُ فِي فَضْلِهِ النَّفَقَةَ وَالجِهَادَ، لِمَنْ فَقِهَ حَقِيقَتَهُ، وهَذَا هُوَ الهَدَفُ مِنْ بَيَانِ الفَضْلِ؛ أَنْ تَعْرِفَ كَيْفَ تَتَاجَرُ مَعَ اللهِ، بِأَقَلِّ جُهْدٍ، وَأَعْظَمِ أَجْرٍ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَمِنْ أَسَالِيبِهِ الشَّرِيفَةِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْضاً: تَرْغِيبُ العِبَادِ فِيمَا يَمْحُو عَنْهُمُ الأَوْزَارَ الَّتِي تُقْعِدُهُمْ عَنِ السَّيْرِ؛ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «إِسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ».
فإِنَّ بَيَانَ الفَضَائِلِ هُنَا يُحَوِّلُ مَشَقَّةَ البَرْدِ فِي الوُضُوءِ، وَتَعَبَ المَشْيِ فِي الظُّلَمِ، إِلَى لَذَّةٍ إِيمَانِيَّةٍ، لِأَنَّ العَبْدَ يَسْتَحْضِرُ مَحْوَ الذُّنُوبِ، وَرِفْعَةَ المَنَازِلِ، وهَذَا هُوَ المَقْصِدُ المَنْهَجِيُّ الَّذِي نُرِيدُ بِنَاءَهُ فِى قُلُوبِكُمْ طَوَالَ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ الطَّيِّبَةِ،
ومَعْرِفَة فَضَائِلِ الأَعْمَالِ لَيْسَتْ عِلْماً مَحْفُوظاً لِلتَّرَفِ، بَلْ لَهَا ثَمَرَاتٌ جَلِيلَةٌ، وَمن “الثَّمَرَات المَرْجُوَّةُ مِنْ مَعْرِفَةِ فَضَائِلِ الأَعْمَالِ فِي الدُّنْيَا”: الحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي وَعَدَ اللهُ بِهَا؛ وطُمَأْنِينَةُ القَلْبِ، وَزَوَالُ الهَمِّ، وَالبَرَكَةُ فِي الأَرْزَاقِ وَالأَوْقَاتِ، فالإِنْسَانُ الَّذِي يَعْمَلُ الصَّالِحَاتِ، وَهُوَ يَعْلَمُ فَضْلَهَا، يَعِيشُ فِي الدُّنْيَا مُسْتَبْشِراً، لَا تُقْلِقُهُ الأَزَمَاتُ، لِأَنَّ نَعِيمَهُ البَاطِنَ مَوْصُولٌ بِاللهِ، وَمِنْ ثَمَرَاتِهَا الدُّنْيَوِيَّةِ: تَمَاسُكُ المُجْتَمَعِ؛ حَيْثُ يَتَسَابَقُ الجَمِيعُ فِي نَفْعِ الخَلْقِ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (فضائل الأعمال: المفهوم والغاية)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
أَمَّا ثَّمَرَةُ فضائل الأعمال فِي الآخِرَةِ”: فَهِيَ البِشَارَةُ العُظْمَى بِالفَوْزِ بِالجَنَّاتِ، وَالنَّجَاةِ مِنَ السَّعِيرِ، قَالَ تَعَالَى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ) [البقرة:25].
فَالْعَامِلُ يَرَى ثَمَرَةَ صَلَاتِهِ، وَبِرِّهِ، وَذِكْرِهِ، مَكْتُوباً فِي صَحِيفَتِهِ، مَمْثُولاً لَهُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وإِنَّ مَعْرِفَةَ الفَضَائِلِ: تَجْعَلُ خُرُوجَ الرُّوحِ سَهْلاً، وَالقَبْرَ رَوْضَةً، وَالمِيزَانَ ثَقِيلاً؛ لِأَنَّ العَبْدَ قَدْ حَشَدَ صَحِيفَتَهُ بِأَفْضَلِ الأَعْمَالِ كَيْفاً وَكَمّاً.
وَالسؤال: كَيْفَ نَسْلُكُ طَرِيقَ (فَضَائِلِ الأَعْمَالِ) عَمَلِيّاً؟، فنقول: نَبْدَأُ بِأَنْ نَعْزِمَ النِّيَّةَ عَلَى الِاسْتِمَاعِ بِقَصْدِ العَمَلِ، فإِذَا سَمِعْتَ فَضْل صَلَاةٍ، فَالْتَزِمْ بِهَا، وَإِذَا سَمِعْتَ عَنْ فَضْلِ صَدَقَةٍ، فَجُدْ بِمَا تَسْتَطِيعُ، وهكذا في بقية الأعمال الصالحة…
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فلَا تَجْعَلُوا الفَضَائِلَ حُجَّةً عَلَيْكُمْ، بَلْ اجْعَلُوهَا زَاداً لَكُمْ، فإِنَّ أُمَّتَنَا اليَوْمَ بِحَاجَةٍ إِلَى رِجَالٍ يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ، وَيَنْشُرُونَ خَيْرَ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ بِأَفْعَالِهِمْ قَبْلَ أَقْوَالِهِمْ، فَالْتَّسَابُقُ قَدْ بَدَأَ، وَالوَقْتُ سَرِيعُ الزَّوَالِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ غَنِمَ المَوَاسِمَ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ. فَلْنُحَاسِبْ أَنْفُسَنَا: مَا هُوَ مَوْقِعُ العَمَلِ الصَّالِحِ فِي حَيَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ؟،
فاللَّهُمَّ اجْعَلْ أَعْمَالَنَا كُلَّهَا صَالِحَةً، وَلِوَجْهِكَ خَالِصَةً، وَلَا تَجْعَلْ لِأَحَدٍ فِيهَا شَيْئاً، وفَقِّهْنَا فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ، وَارْزُقْنَا الهِمَّةَ لِلْقِيَامِ بِهَا، وأَحْيِنَا فِي الدُّنْيَا حَيَاةً طَيِّبَةً، وَبَشِّرْنَا فِي الآخِرَةِ بِجَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ.
الدعاء
